الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الأسـاس في وثيقة «حماس»

الأسـاس في وثيقة «حماس»

محمد كريشان

«وثيقة المبادئ والسياسات العامة» التي أعلنتها حركة «حماس» أول أمس تطور كبير في تاريخ الحركة ونظرتها لجوانب مختلفة من القضية الفلسطينية لا سيما لجهة القبول بقيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، ولكنها على الأرجح قد لا تغير كثيرا من واقع الحال.

الوثيقة تناولت تقريبا كل ما يمكن أن تسأل عنه الحركة سواء من أبنائها ومناصريها أو من خصومها وأعدائها، غير أنها بدت في الغالب وكأنها معالجة لــ «أزمة الضمير» التي عانتها الحركة في تحديد هويتها أكثر من كونها خطوة للتعامل مع استحقاقات سياسية محتملة. هل تـُلام الحركة على ذلك ؟ لا، لأنه ليس سهلا، بكل المعايير، أن تتوفق الحركة، دفعة واحدة، في أن «تحفظ الصورة العامة وتبرز معالم الطريق وتعزز أصول الوحدة الوطنية والفهم المشترك للقضية وترسم مبادئ العمل وحدود المرونة» كما جاء في مقدمة الوثيقة، لا هذا ليس سهلا.

مشكلة الروح العامة للوثيقة أنها تريد أن تقول «نحن تغيرنا لكننا لم نفرط في الثوابت».. وهذا صحيح ولكن هل من شأن ذلك أن يعدل قليلا أو كثيرا في طبيعة التعامل الدولي مع الحركة سواء من قبل إسرائيل والولايات المتحدة أو أطراف دولية كبرى فاعلة كأوروبا؟ ربما، ولكن ليس جذريا أو بذاك القدر الذي يسمح بتغيير كبير في مثل هذا التعامل. لماذا؟ لأن هذه الأطراف التي سبق أن طالبت من الرئيس الشهيد ياسر عرفات وحركة «فتح» بأشياء من هذا القبيل، قدمتها الحركة تدريجيا، لم تشفع لها في النهاية كي تحصل على شيء ذي قيمة. صحيح أن القيادة الفلسطينية أصبحت محل اعتراف دولي وتحضر المؤتمرات والقمم ويفرش لها السجاد الأحمر لكنها على أرض الواقع، لم تحصل عمليا على شيء بل إن واقع الاحتلال ازداد سوءا على سوء.

«حماس» ربما وفقت، عبر هذه الوثيقة، في إعادة صياغة هويتها، وهذا جيد ودليل حيوية وقدرة على المراجعة، كما أنها وفقت في رسم ملامح مطمئنة في التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية وبقية الفرقاء الفلسطينيين، كما أن حرصها على التفريق بين اليهود والصهاينة والإشارة إلى معاداة السامية أمر جيد بلا شك، ولكن قد يكون من الوهم أو مغالطة النفس توقع أن يتغير العالم مع «حماس» لمجرد أن «حماس» نفسها عدلت قليلا أو كثيرا في نهجها ومواقفها.

هل معنى ذلك أن خطوة «حماس» لا قيمة لها؟! لا أبدا، هي خطوة كبيرة تحسب لها وتحرج من كان يكرر أن هذه حركة إرهابية متطرفة لا يجوز التعامل معها لكن حرص الحركة على أن تتغير ولا تتغير، أن تعدل ولكن لا تفرط، أن تغير ولكن لا تكرر غلطة «فتح» التي تغيرت أكثر من اللازم… كل ذلك من شأنه أن يخلق إشكالات كبيرة لقيادة الحركة حتى «تهضم» هي ومناضلوها ومقاتلوها هذا الفهم الجديد للذات وللمحيط.

الإشكال الآخر، هو تمسك الحركة بهويتها الإسلامية التي حرصت على تثبيتها في النقطة الأولى من الوثيقة التي فصلت لتعريف الحركة على أنها «حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها». طبعا، هذا حقها، هي لا يمكن أن تخرج من جلدها وتدعي شيئا آخر ولكن السياق الإقليمي والدولي الحالي يبدو معاديا في معظمه لهذا التوجه، إنه معبأ ضد كل هذا النوع من الحركات ذات المرجعية الإسلامية. هذا السياق يخلط كثيرا بين كل هذه الحركات وهو لا يبدو معنيا كثيرا، سواء كرأي عام أو حتى حكومات أحيانا، أن يبحث عن الفرق الحقيقي بين «داعش» و «النصرة» والميليشيات الطائفية في كل من سوريا والعراق وبين حركات أخرى مثل «الإخوان المسلمين» و «حماس» وغيرها. الصورة النمطية السائدة تجعلهم جميعا بالنسبة لهؤلاء مجرد ملتحين موتورين وإرهابيين.

المسألة الأخرى منهجية أي أن «حماس» لم تكن مجبرة على أن تقول كل شيء فتبدو أحيانا في تناقض سيعمل الكثيرون على اصطياده. مثلا: الإشارة إلى «القانون الدولي» لا يمكن أن تكون انتقائية وعلى مزاج صاحبها فتشير إلى أن المقاومة كفلتها القوانين الدولية وكذلك حق العودة، وكلاهما صحيح، وفي نفس الوقت تشير إلى أن قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين وكل ما ترتب عليه أو ماثله من قرارات وإجراءات «يُعد منعدما»… لأن التمسك بالمرجعيات الدولية كل لا يتجزأ نحاجج به نحن إسرائيل الرافضة لكثير منها ولا نجعله حجة علينا حين نفعل الشيء ذاته التي تفعله هي. باختصار شديد، «حماس» أقدمت على خطوة كبيرة عليها أن تدير الآن ما سيترتب عنها، داخليا وخارجيا، لأنه لا يمكنها أن ترمي وثيقتها هكذا وتذهب في حال سبيلها…

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد