السبت ، 18 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / أسفاري واللغات الحية (4)

أسفاري واللغات الحية (4)

أحمد القاري

كنت أنزل من الغرفة إلى الشوارع المحيطة بالفندق وأتجول مندهشا من كل شيء. الزيارة الأولى للعالم الصيني تعني أن ترى كل شيء مختلفا. العنصر الصيني غالب على الناس في الشوارع. والرطانة الصينية بنبراتها المرتفعة تطرق سمعا لم يألفها. العمارات شاهقة والكثافة السكانية شديدة. فهونغ كونغ كانت نقطة جذب للصينيين بسبب ازدهارها الاقتصادي ومستوى الحرية والحكومة الجيدة تحت البريطانيين. مما جعل كثافة حي (مونكوك) الملاصق لمكان إقامتي واحدة من أعلى الكثافات السكانية في العالم.

يحب سكان الجزيرة التجوال والخروج للنزهة وتناول الطعام خارج البيت خاصة نهاية الأسبوع. يساعدهم في ذلك دخلهم المرتفع وجودة الخدمات التوفرة بفضل حرية اقتصادية وحكومة جيدة.
ومساء السبت يقال بأن كل السكان تقريبا يخرجون، وهم ستة ملايين ونصف مليون. وخدمات النقل العام جيدة للغاية. فالمترو يكاد يغطي كل مكان بخطوطه الكثيرة ومحطاته التي تتوفر على مخارج متعددة. بحيث تهبط إلى الأنفاق عند نقطة الانطلاق وتخرج عند نقطة الوصول لو استخدمت المخرج الصحيح.
تتوفر الخرائط المجانية في المطار ومحطات المترو والفنادق. ولذلك ترى السياح يتفحصونها في الشارع بحثا عن الأماكن التي يقصدونها. قبل أن يتحول الناس إلى الخرائط الالكترونية التي سهلت الحركة في المدن بشكل لا سابق له.

كان من المدهش أن أرى درجة الزحام في الأسواق الشعبية في مونكوك. ومع ذلك يتحرك الناس بسرعة وانتباه شديد لأن لا يصدموا بعضهم. المحلات تبيع كل أنواع المنتجات الإلكترونية والهدايا والمصوغات والملابس حيث يتسوق المحليون ومئات الآلاف من الزوار من البر الصيني والسواح من كل العالم.
والمطاعم كثيرة جدا، العصري منها والتقليدي، المحلي والدولي. إضافة إلى انتشار سلسلتي ماكدونالد وكينتاكي بشكل ملفت. هناك أيضا أكشاك الطعام الصغيرة والعربات التي تقدم أطعمة ذات روائح لا تطاق تنضاف إلى الرطوبة والحرارة لتجعل نوعية الهواء بالنسبة لي مزعجة جدا. فأهرب سريعا من أزقة (مونكوك) الضيقة الخاصة بالمشاة إلى الشوارع الواسعة القريبة.

كنت أظن تبعية هونغ كونغ لبريطانيا حتى بداية 1997 ستعني حضورا قويا وواضحا للإنجليزية مع حضور خافت للصينية على النحو الملاحظ في البلدان المغاربية. إلا أن الأمر لم يكن كذلك. فعند بائع الصحف تجد معظم المطبوعات بالصينية. ولا تكاد تسمع في الشارع إلا اللغة الكانتونية المحلية. ولكن بسبب الوضع الرسمي للإنجليزية في الإقليم فاللافتات والإشهارات وقوائم الطعام والمعلومات على المنتجات غالبا ما تحمل صيغة إنجليزية إلى جانب الصينية.
يتكلم أهل هونغ كونغ والأقاليم المجاورة لهم من البر الصيني الكانتونية، وهي شكل من أشكال اللغة الصينية. و هل هي لغة أو لهجة، قولان. فهي لغة الحديث والتواصل الشفهي ووسائل الإعلام وصناعة الترفيه. ولكن الكتابة والنشر في الصحافة والمطبوعات عموما تتم باللغة الصينية المعيارية نفسها المستخدمة في البر الصيني.
معظم أهل هونغ كونغ يفهمون لغة الماندرين وهي لغة البر الصيني أو بتسمية أخرى لغة بكين. ولكن متحدثي الصينية الماندرين لا يمكن أن يفهموا الحديث بالكانتونية إلا إذا تعلموها. ففوارق النطق واضحة وقوية لدرجة ينتبه إليها الأجنبي بسهولة.
والفرق الأساسي في النبرات حيث يزيد عدد نبرات الكانتونية على نبرات الصينية. حتى تظن الهونغ كونغي يغني وهو يتحدث. وهم كثيرا ما يتكلمون بصوت مرتفع. فإذا كنت وسط مجموعة منهم في وسيلة نقل أو في مكان انتظار، قد يكون من المسلي أن تتابع أصوات الحديث التي تشبه أغاني متداخلة.

كانت الإنجليزية هي اللغة الرسمية الوحيدة من 1883 حتى 1974. ونتيجة مظاهرات وعرائض شعبية تم إضافة الصينية لغة رسمية بدءا من ذلك الحين. وينص القانون الأساسي للإقليم، المتمتع بالحكم الذاتي منذ 1997، على اللغتين الصينية والإنجليزية لغتين رسميتين. ويوجب صدور القوانين والمذكرات الرسمية باللغتين. ويترك اختيار لغة المداولة في المحاكم بين اللغتين لهيئة المحكمة.
ولدعم الثنائية اللغوية أنشئ “صندوق اللغة” سنة 1994 وهدفه دعم مبادرات تحسين معرفة السكان باللغتين الصينية والإنجليزية خاصة من خلال المدارس. وينجز الصندوق دراسات حول استخدام اللغة في البيوت والعمل ويقدم توصيات لتأكيد الثنائية اللغوية وتوسيع اكتساب لغة ثالثة. ومن بين مبادرات الصندوق دعم استخدام الصينية المعيارية (الماندرين) في تدريس اللغة الصينية في المدارس.
وحسب بحوث الصندوق سنة 2015 فاللغة الصينية هي الغالبة في الاستخدام في هونغ كونغ. فقد صرح 86.5 في المائة من المقيمين بأنهم يتحدثون اللهجة الكانتونية بشكل جيد. بينما ظلت نسبة من يحسنون الحديث بالإنجليزية أو الصينية الماندرين أقل من 25 في المائة لكل منهما.
و يرى 73 في المائة من المستجوبين أنهم يحسنون الكتابة بالصينية (نظام الكتابة واحد) بينما كانت نسبة من يحسنون استخدام الإنجليزية المكتوبة 23 في المائة بانخفاض نقطة واحدة عن بحث أجري في نفس الموضوع سنة 2012.

#لغات_حية 4
الصينية والإنجليزية في هونغ كونغ

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد