الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / هل تحبّ الوطن ؟ (حديث بدون مناسبة)

هل تحبّ الوطن ؟ (حديث بدون مناسبة)

حسين السنوسي

1. يبدو أنّ الأمر يحتاج أوّلا إلى تعريف. تعريف الوطن عامّة وتحديد وطننا نحن بشكل خاصّ. لا بدّ أن نوضّح أيضا ما نقصده بحبّ الوطن: هل هو الحبّ العذري أم الولاء أم الغيرة أم الإيثار أم لا أقلّ من “نموت نموت ويحيا الوطن”؟ وهل حبّ الوطن هو الوطنيّة أم شيء مختلف عنها؟ وهل هو مجرّد شعور أم هو “ما وقر في القلب وصدّقه العمل”؟

2. يروى أنّ بعض شيوخ الأزهر اشتكوا إلى الشّيخ محمّد عبده أنّهم حين يعلّمون النّاس الوضوء يجدون صعوبة في تحديد ما هو الوجه وما هي حدوده فسخر منهم الأستاذ الإمام رحمه اللّه قائلا “وهل هناك من لا يعرف حدود وجهه؟”

3. المفروض أن تكون حدود الوطن معروفة بداهة -تماما مثل حدود الوجه عند الأستاذ الإمام- لكنّ الأمر عندنا -نحن العرب- ليس كذلك.

4. لأسباب تاريخيّة وثقافيّة معروفة يقول بعضنا “بلاد العرب أوطاني” أو ” ولستُ أدرِي سوى الإسلامِ لي وطنًا” ويكتفي بعضنا الآخر بحدود الدّولة القطريّة حدودا لوطنه وبين هؤلاء وهؤلاء موقف توفيقي يقول بالوطن الصّغير والوطن الكبير.

5. بالإمكان مثلا أن ننطلق من قول الشّاعر البرتغالي “فرناندو بسّووا” إنّ اللّغة البرتغاليّة هي وطني” فنقول “إنّ الوطن هو اللّغة”. نخشى إن فعلنا ذلك أن نخرج نصف التّونسيّين من دائرة الإنتماء إلى هذا البلد وأن نسحب البساط من تحت أرجل القائلين بوطن (وحضارة) عمره ثلاثة آلاف سنة.

6. ماهي لغة التّونسيّين؟ الفصل الأوّل من الدّستور هو الوحيد الذّي يجيب بشكل قاطع على هذا السّؤال. أمّا المتأمّل في الواقع فإنّه يتردّد كثيرا قبل أن يجازف بالإجابة.

7. إذا كانت اللّغة هي الوطن فإنّ التّونسيّين لا يعيشون في وطن واحد. إذا أردنا باللّغة لغة الكتابة فإنّ بعض التّونسيّين يعيش “في” اللّغة العربيّة وبعضهم الآخر في “منفى” اللّغة الفرنسيّة -حسب تعبير مالك حدّاد-. وإذا أردنا لغة التّعليم فإنّ للتّونسيّ الواحد لغتان: لغة للإسلامياّت والأدب والعلوم الإنسانيّة ولغة للتكنولوجيا والعلوم الصّحيحة. وإذا أردنا لغة التّعامل اليومي ازداد الأمر تعقيدا فهناك عاميّات -لا عاميّة واحدة- دخلت عليها الفرنسيّة فأنتجت هذا الخليط البشع الذّي نسمّيه الفرنكاراب.

8. قد يؤدّي بنا هذا التّعريف إلى مأزق لا خروج منه إلّا بالقول إنّ تونس أضحت بلدا لا لغة له أو أنّها لا تعدو أن تكون “غبارا من الأفراد” -حسب تعبير الرّئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة-.

9. هناك تعريف آخر للوطن سنتبنّاه هنا دون مناقشة وهو القائل إن الوطن أرض وثقافة. الثّقافة عندنا هي الثّقافة العربيّة الإسلاميّة أساسا والأرض هي الممتدّة من الماء إلى الماء.

10. لا يزعجنا المنحى التّوفيقي الذّي يقول بوطن صغير ووطن كبير بل نقبل به لواقعيّته.

11. نعود إذن إلى السّؤال الذّي انطلقنا منه: هل تحبّ الوطن؟

12. يذكر كاتب هذه السّطور أنّه في اليوم لزيارته الأولى لفرنسا ركب قطارا يربط بين مدينتين فرنسيّتين وكان الطقس غائما وكان يجلس بجانبه مجموعة من الشّباب الشّقر يشربون البيرة.

13. الطّقس الغائم والشّعر الأصفر ورائحة البيرة ولّدا لديه إحساسا شديدا وموجعا بالغربة لم يخرج منه إلّا حين وجد نفسه بعد ذلك بساعات في حيّ باريسي يكثر فيه المهاجرون العرب وصادف أنّ الطّقس تغيّر في الأثناء فصار مشمسا.

14. إحساسك بالغربة قد يكون في حدّ ذاته تعريفا للوطن: وطنك هو ما تفتقده في غربتك. إحساسك هو أيضا دليل على حبّك للوطن: لو لم تكن تحبّه لما افتقدته.

15. أنت إذن تحبّ الوطن -كدت أقول الوطنين: الصّغير والكبير.

16. لكن ما الذّي يجعلك تحبّه وتحنّ إليه؟ الشوارع الوسخة؟ أم الأطفال الذّين يتعلّمون البذاءة قبل أن يتعلّموا القراءة والكتابة؟ أم العمّال الذّين لا يعملون؟ أم سائقو التاكسي الذّين يتحيّلون على حرفائهم ولا يتوقّفون عند الضّوء الأحمر؟ أم باعة السندويشات بالتّن الفاسد؟ أم الجامعات التّي لم تدخل يوما ترتيب شنغاي؟

17. لعلّك تحبّ زيتونه وتمره وسمكه؟ أو لعلّك تحبّ موسيقاه وقصصه الشّعبيّة؟

18. يبدو أنّ الأمر ليس كذلك. ألا تذكر أنّك سألت يوما أحد مواطنينا المقيمين بالخارج عن السّبب الذّي يجعله يمتنع لمدّة سنوات طويلة عن العودة إلى الوطن فقال “واش فيها زايد تونس؟ حتّى الحوت في فرنسا خير من تونس”. ثم ّ لوكان ذلك كذلك أليس في أرض اللّه زيتون أشهى من زيتون بلادك ينبت في بلاد شوارعها نظيفة وتجّارها محترمون وجامعاتها تحتلّ المراتب الأولى عالميّا؟

19. عندما لا تجد جوابا تستنجد دائما بالشّعراء.

20. يقول محمود درويش في قصيدة الأرض “وكان المغّني يُغَنّي -ويستجوبونه- لماذا تغنّي؟- يردّ عليهم: لأنّي أغنّي” وتقول قياسا إنّك تحبّ الوطن لأنّه الوطن ولأنّك تحبّه.

21. لا يحتاج حبّ الوطن إلى تعليل بل إلى ترجمة عمليّة.

22. الوطنيّة هي هذه التّرجمة العمليّة. تكون وطنيّا في عملك وفي بيتك وفي الشّارع وفي المقهى. تكون وطنيّا في السّياسة -وهذه الوطنيّة هي أصعب الوطنيّات على أيّامنا. لماذا؟ لكثرة الإكراهات وكثرة الأطماع وضيق ذات اليد وقلّة الحيلة.

23. الوطنيّة هي أن تفعل ما يعود بالخير على وطنك. هي برّ الوطن-كما يقال برّ الوالدين.

24. أستنجد بالشّعراء مرّة أخرى قبل أن أختم. يقول الشّاعر الرّاحل مختار اللّغماني “كن عربيّا فيما تشعر – كن عربيّا فيما تكتب – لكن لا تنس بأنّ العالم أرحب – لا تنس بأنّ العالم أرحب”. أرى أنّنا عدنا إلى الوطن الكبير. لا معنى لحبّ الوطن إن لم تكن تحبّ بني آدم جميعا. الوطنيّة ليست شوفينيّة.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد