الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / مفارقات المصالحة – القسم الأول

مفارقات المصالحة – القسم الأول

أبو يعرب المرزوقي

ما الذي جعل المصالحة ينقلب شرطها من تبرؤ أهل النظام السابق من افكارهم وأفعالهم إلى تبرؤ من اضطهدوهم مما اضطهدوا من أجله فكرا وأفعالا؟
كنت أتصور أن الثورة تجب ما قبلها بالنسبة إلى من ينضم إلى صفها فيعمل بقيمها ومشروعها وليس العكس فتصبح جابة لما بعدها بتعميم ما تقدم عليها.
سمعت بعض ذوي الألسن (بلغة الفارابي) -وبصراحة تكاد تلامس النزعة الكلبية- يعللون هذا المفهوم الثاني بالفصل بين الظرفية وسلوك المشاركين فيها.
وترجمة ذلك بوضوح تعني أن من أجرم هو الظرفية البورقيبية والابن علوية وليس أركان “الدولة” الذين بهم تمكن بورقيبة وابن علي أن يوجدوهما.

وتعتمد هذه الفكرة على مسلمات كلها ترد إلى تزييف حقائق لا يجهلها أحد ممن يطلب الحقيقة دون تحزب مشين:

هل مشروع ابن علي من جنس مشروع بورقيبة؟
وهل ما تم قبل الثورة له حصيلة إيجابية في مجملها فنعتبر الأمر الذي حصل مجرد ظرفية طغت ولا علاقة لها بسلوك سياسي للنافذين فاسد بالجوهر؟
أليست مقارنة الحقبتين -الجامعتين لدعاة النداء بحجة تمكين الكفاءات الذين يريدون العفو عنهم من مواصلة الجهد الوطني- تفسد الأولى ولا تصلح الثانية؟
لكن هل حصر “شرعية” الحركة الوطنية في البورقيبية لا يعني أنها هي بدورها انقلابية من جنس الابن علوية فيتهمان بما يعلل ما تعاني منه تونس حاليا؟
فما تعاني منه تونس حاليا هو طبيعة الحصيلة -البيلان (bilan) السياسي والاجتماعي والتنموي المادي والرمزي إذا قسناها بمن استقل معها وكان دونها؟
ألا تكون هذه المقارنة وبصرف النظر عن حقوق من عانى خلال المرحلتين كافية بأن تعتبر المشاركين فيهما مشاركين في جرائم ستمتد عقودا أخرى؟

فنحن اليوم أمام خمسة كسور لن يسهم في جبرها من ساهم في المرحلتين السابقتين ولا يمكنه أن يكون مؤهلا لها دون تحول تام شبيه بالانتقال من الجاهلية إلى الإسلام.
والأمر لا يتعلق بتعويض الدولة وبالابتزاز القائل إنهم يشترطون للمشاركة في تمويل الاستثمار تبرئتهم مما لحق البلاد من مشاركتهم إعاقة تنميتها.
هذا الابتزاز بمجرده جريمة.

ولو كانت الثورة تطبق منطقها لكان ذلك وحده كافيا لتأميم ثرواتهم وجلها نهب بين للجميع وخاصة في المرحلة الثانية.
أم يراد بهذه المصالحة جعل الناهبين السابقين مستعمرين جدد للجهات التي حرمت ونهبت ثرواتها من أجل الفترينة التي كونها بدعوى التحديث الغبية؟
بأي شيء يمكن لأصحاب هذه الدعوى أن يعللوا طي الصفحة: هل جعلوا تونس كماليزيا أو كسنغافورة فنقبل فنغض الطرف على المظالم كمفعول جانبي مثلا؟
طبعا سيحملون الترويكا التي لم تحكم إلا سنتين ونصفا نكبات الستين سنة إذ قد سمعت أحد السنتهم يدعي أن ما حصل فيها لا يقل عما تقدم فسادا.
يفاخرون بتعميم التعليم؟ فصرنا فيه في ذيل الأمم وخرجنا العاطلين.
يفاخرون بتحرير المرأة؟ لكن أحوالها في أربعة أخماس تونس لا تبعد عن الصومال.
تونس اليوم أقرب إلى حالها عندما خضعت إلى الكوميسيون المالي. ولا علاقة للثورة بذلك: فهذه الحال هي مآل المرحلتين وهو علة الثورة وليس معلولها.
بمثلها انتهت المرحلة البورقيبية ومنها كانت المرحلة الابن علوية قاب قوسين أو أدنى.
لا شيء يمكن للعائدين أن يباهوا به مهما تحذلقت الألسن.
وإذا كان من ينبغي عليه ألا يقر هذه الأوضاع قد قبل بها لظروف سياسية اقليمية وعالمية فإن ذلك قد يجعلها من الضروري لكنها تبقى من المحظور سياسيا وخلقيا.

ولأختم الآن بالكلام على الكسور الخمسة:
1. التمييز بين المناطق
2. والتمييز بين الطبقات
3. والتمييز الثقافي
4. والكسر الحضاري
5. وكلها حرب على السيادة.

فالتمييز بين الجهات علته ضخ كل ثروات تونس لإنشاء فترينة بخيارات اقتصادية منافية لشروط التنمية المستقرة والمتكاملة في كل أرجاء الوطن الغني.
والتمييز بين الطبقات نشأ مع البورقيبية بنعرة جهوية ذات صلة بتعميق الكسر الأول ثم تزايد نسق التمييز الطبقي في عهد حكم المافية الابن علوية.
وانبنى على التمييزين السابقين تمييز ثقافي بين أصحاب التبعية الثقافية الفرنسية وبقية الشعب الذي أصبح فاقدا لأي لسان حتى صرنا مثل مالطة.
وبذلك وصلنا إلى التمييز الحضاري بحيث صارت النخب تخلط بين الخلافات السياسية والخلافات الهووية وجعل المعارك شبه صراع حضارات داخلي بينهم.
وبذلك نصل إلى الكسر الأخطر منها جميعا لأنه حصيلتها: لم يعد لتونس ما كان لها من دور في إطارها الحضاري الذي كان دائما يجعلها رائدة وقائدة.
وسأضرب ثلاثة أمثلة من خياراتها الحضارية التي جعلتها عاصمة عالمية متبوعة وخياراتها الحضارية التي جعلتها قرية تابعة لمستعمرها الغربي.
مرات ثلاث كانت تونس عاصمة عالمية قبل الإسلام وفي عنفوان الإسلام الأول وحتى في ضعفه: قرطاج والقيروان وتونس الصامدة أمام الصليبية والاسترداد.
ومرات ثلاث تونس قرية تابعة لروما ثم لبيزنطة ثم لفرنسا وأهلها عبيد توابع يفاخرون بالحرب على هويتهم كما نرى نخب العائدين بعد الثورة.
ويفاخرون؟
أف لكم. و”صحة ليكم”.
فاللاهثون وراء العائدين يرضيهم فتات موائدكم.
لكن شباب الثورة فتح أفقا لن تستطيعوا غلقه بسندكم الاستعماري والعربي الرجعي.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد