الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / مؤسسة الزكاة في تونس: بين التنمية الإجتماعية والدولة المدنية..

مؤسسة الزكاة في تونس: بين التنمية الإجتماعية والدولة المدنية..

وليد القايدي

تأسيس مؤسسة للزكاة في تونس مسألة حيوية للغاية، بسبب ما تعانيه البلاد من أزمة اقتصادية، ومن نقص في موارد الميزانية، ومن التصاعد المخيف لنسبة المديونية والاقتراض الأجنبي. بالإضافة للوضع الاجتماعي الصعب خاصة مع نسبة الفقر العالية والتي بلغت قرابة 25% من التونسيين.

هنا يمكن أن تتدخل الزكاة لتعيد بعض العافية للتوازنات المالية لميزانية الدولة، ولتضخ موارد مالية ضخمة للتشغيل والتصدي للبطالة ومحاربة الفقر، فبعض التصريحات الرسمية قدرتها بمبلغ 3500 مليون دينار سنويا، أي ما يعادل 12% من الميزانية السنوية للدولة، وما يعادل 5% من الناتج الخام.

ومنذ سنوات يتجه العالم نحو الاقتصاد التضامني، ويسمى أيضا القطاع الثالث، إلى جانب القطاع الحكومي والقطاع الخاص؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا حجم الأموال المتحركة في هذا القطاع: قطاع العمل الإنساني الخيري يبلغ أكثر من 200 مليار دولار سنويا، أي حوالي 15 مرة ميزانية تونس. كما أن الأغلبية الساحقة من البلدان العربية بها مؤسسات للزكاة مثل: مصر، لبنان، الأردن، الإمارات العربية، السعودية، الكويت، قطر، البحرين، السودان، ليبيا والجزائر.

من الناحية الدينية: تمثل الزكاة ركنا من أركان الإسلام، لا يكتمل إسلام المسلم القادر عليه إلا أن يؤديه. والناس يرغبون في تأدية واجبهم الديني الزكوي المالي في إطار قانوني وشفاف. ومن واجب الدولة مثلما توفر لمواطنيها احتياجاتهم الاقتصادية والتعليمية والصحية وغيرها… من واجبها أيضا أن توفر لهم سبل تلبية احتياجاتهم الدينية الأساسية.

من الناحية الأمنية: ستساهم مؤسسة الزكاة في التقليل من نسب الفقر والبطالة، وهي إحدى الأسباب المهمة التي تدفع ببعض الشرائح الهشة من الشباب نحو الانخراط اليائس في محرقة الإرهاب. كما ستساهم مؤسسة الزكاة في الوقاية وسد الطريق من احتمال تسرب مبالغ التبرعات للأيادي الخطأ، وستساهم بالتالي في استقطاب تلك المبالغ للبناء والتنمية، فتصبح هذه المؤسسة بذلك عاملا من عوامل تأمين البلاد من أي انحرافات مالية أو أمنية.

من الناحية الهيكلية: يوجد حاليا مشروع قانون لإنشاء مؤسسة الزكاة التونسية في مكاتب رئاسة الحكومة منذ أواخر 2016، أعدته جامعة الزيتونة بالتعاون مع الجمعية التونسية لعلوم الزكاة، وقام مفتي الجمهورية الشيخ عثمان بطيخ بمراجعته والموافقة عليه وتبنيه وتقديمه للحكومة.

وفي هذا الإطار تبنت أيضا هذا المشروع كل من وزارة الشؤون الاجتماعية ممثلة في وزيرها محمد الطرابلسي، وكذلك وزير الشؤون الدينية أحمد عظوم، وبورصة تونس للأوراق المالية، بالإضافة لاتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين، بما يؤشر لحظوظ وافرة بمرور هذا القانون في الفترة القادمة.

مؤسسة الزكاة التونسية المقترحة ستكون مؤسسة عمومية تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية، لها استقلالها الإداري والمالي مثل باقي المؤسسات العمومية، لها مجلس إدارة مكون من ممثلي الوزارات المعنية كوزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة المالية ووزارة الشؤون الدينية والبورصة وكبار المزكين. ومجلس الإدارة هو الذي يضع البرامج والخطط وأولويات الصرف، وتخضع المؤسسة لمراجعة هيئة المحاسبات ومراقبة أجهزة الدولة المعنية بالرقابة.

وسيكون دور مؤسسة الزكاة حسب مشروع القانون: استقبال الزكاة من المواطنين الذين يقدمونها بصفة طوعية وتسلمهم وصولات بذلك، وتقوم المؤسسة بتوزيع الزكاة على المستحقين لها في شكل تمويل مشاريع صغيرة تخرجهم من حالة الفقر، كما يمكن أن تتدخل المؤسسة في توفير الغذاء للمدراس الريفية وكذلك حافلات لنقل التلاميذ. كما يمكن أن تساهم مؤسسة الزكاة في دفع ديون بعض أصحاب الديون بعد دراسة حالاتهم، وأي برامج ومشاريع أخرى وأولويات يقررها مجلس الإدارة حسب مصارف الزكاة المعروفة.

لكن ما الذي يؤخر تأسيس مثل هذه المؤسسة منذ سنوات مع حاجة البلاد لموارد مالية إضافية تتعب الحكومة وتجوب العالم من أجل توفيرها؟ للإجابة على هذا السؤال نذكر بعض التحفظات والاعتراضات التي قد تقف أمام تقدم إجراءات إصدار هذا القانون.

من ذلك: الاعتراض بسبب الخشية من وقوع هذه المؤسسة في الفساد وفي العودة للتجارب سيئة السمعة لصناديق سابقة معروفة، وهذا اعتراض وجيه. إلا أن علاجه لا يكون بالمنع على طريقة (سدّو واستريح)، بل الحل الأمثل وضع الضوابط اللازمة لعدم وقوع فساد أو أي انحراف للمؤسسة عن أهدافها. وإلا فإن كل نشاط اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي هناك احتمال أن يسقط في الفساد أو الانحراف، فهل سنغلق كل أنشطة البلاد بسبب مجرد الخوف من الاحتمال؟؟!!.

هناك اعتراض آخر بسبب الخشية من توظيف هذه المؤسسة لأغراض سياسية من أحزاب تتبنى للمرجعية الدينية. وهذا أيضا اعتراض وجيه، والحل في إبعاد هذه المؤسسة المقترحة عن كل تجاذب سياسي، وهو الحاصل الآن بالفعل؛ حيث تسير الخطوات عبر مؤسسات رسمية بعيدا عن الأحزاب السياسية. كما أن الحل لهذا الإشكال يتدعم بتكاتف كل التوجهات وتصويت كل الكتل البرلمانية على قانون مؤسسة الزكاة بعد التوافق على تفاصيله. لأن الاعتراض الإيديولوجي غير المقنع أو الانسحاب من الدعم هو ما قد يسهل عملية التوظيف التي يراد تجنبها. والدين للجميع وليس لفئة معينة، وهذه مناسبة لتأكيد هذه المقولة الجامعة.

ومن أهم أسباب الاعتراض على مؤسسة الزكاة التخوف على “مدنية الدولة” وعلى احتمال التراجع على “المكتسبات الحداثية” للدولة التونسية. وبعيدا عن النقاشات النظرية والفلسفية فإن هذه التخوفات ولئن كانت مفهومة إلا أنها تفتقد لما يبررها عمليا وواقعيا. فالدولة التونسية الحديثة منذ الاستقلال وإلى الآن هي التي تشرف على أربعة أركان من أركان الإسلام الخمسة!! ولم يتبق خارج إشرافها إلا الزكاة موضوع حديثنا.

فالدولة تشرف على الحج وإجراءاته من ألفه إلى يائه، والدولة تشرف أيضا على الصلاة والمساجد والقائمين عليها، والدولة تشرف أيضا على صيام رمضان ومواعيد دخوله وخروجه وتحري هلاله، والدولة ممثلة بمفتي الجمهورية تشرف حتى على إعلان الشهادتين والدخول في الإسلام للمسلمين الجدد، فهل مس كل ذلك من مدنية الدولة؟؟!!. فكذلك الزكاة ومؤسستها لن تمس من مدنية الدولة باعتبارها ستكون ضمن المنظومة العامة للدولة.

أما على المستوى الفردي فما المشكل بالنسبة لشخص علماني لا يريد التعامل مع هذه المؤسسة من منطلق ديني أن يتعامل معها من منطلق مواطني اجتماعي إنساني، يقدم فيها دعما ماليا مساهمة منه في محاربة الفقر. لكن إن لم يرد التعامل معها أصلا فهو حر، لأن المسألة في الأخير باختيار الشخص وقناعته. إلا أنه -وبتعلة غير صحيحة وهي الخوف على “مدنية الدولة”- سيكون من غير المقبول لو يسعى هذا العلماني من حرمان أو الاعتراض على المتدين من ممارسة أركان دينه في إطار قوانين الدولة، في حين أن نفس هذا المعترض لم يجبره أحد على دفع الزكاة.

للزكاة موارد مالية ضخمة، لخدمة الفقراء والمساكين، ومحاربة الفقر. وهي وقفة حقيقية لتونس، وتخفيف على الدولة من بعض الأعباء ومساندة لها. والزكاة فرصة سنوية للتونسيين للتكافل والتراحم والتقارب، مما سيزيد من تماسك النسيج الاجتماعي. لذا فأي تأخير في إنشاء مؤسسة الزكاة هو تأبيد للفقر ومساهمة في معاناة المستضعفين، وأي طفلة أخرى ستموت من البرد في جبال تونس الشتاء القادم سيتحمل مسؤوليتها أمام الله وأمام الشعب من يعطل هذا العمل التكافلي بين التونسيين.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد