الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الحالة الدينية في تونس: بين الحقيقة والصورة “النمطية”

الحالة الدينية في تونس: بين الحقيقة والصورة “النمطية”

 وليد القايدي

“ثمة درس من دروس التاريخ يتمثل في أن الدين متعدد الأرواح، دائب النشور والبعث. فما أكثر المرات التي تصور فيها الناس موت الإله والدين في الماضي، ثم بُعثا وتجددا” (المؤرخ والفيلسوف: “وِيل ديورانت”، من كتابه: “دروس التاريخ”). 

لأول مرة في تاريخ البلاد يصدر تقرير عن “الحالة الدينية في تونس” هو نتيجة بحث ميداني أجراه عدد من الجهات البحثية والجامعية المدنية والرسمية وهي: منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية، بالتعاون مع المعهد العربي لحقوق الإنسان، والمرصد الوطني للشباب، وهي جهات معروفة، وأبعد ما تكون عن شبهة “محاباة” الظاهرة الدينية. 

البحث غطى عدة جوانب، وتم حسب المنهجيات العلمية المتبعة (يمكن الاطلاع على التقرير في موقع المرصد الوطني الشباب)، وأكتفي هنا بالنتائج الخاصة بأداء الصلاة لأهميتها في التدين.

فقد أبرز البحث أن 58.85 % من التونسيين (أي قرابة 59 %) يؤدون الصلاة، وتفصيلها كما يلي: 36.63% (أي أكثر من ثلث التونسيين بقليل) يؤدون الصلاة في وقتها، و 22.22% يصلون بشكل يومي لكن في غير وقتها.

أما نسبة المتقطعين والمناسباتيين في الصلاة فتفصيلها كما يلي: 14.5% يؤدون الصلاة بشكل متقطع، و2.17% يصلون في المناسبات الدينية. أما من لا يصلي أصلا فتفصيله كالتالي: 20.75% لا يصلي لكنه يرغب في الصلاة، و3.73% لا يرغب في الصلاة.

وتلخيصا للأرقام السابقة فإن 96.27 % من التونسيين لهم علاقة بالصلاة بشكل أو بآخر: سواء من يصلي يوميا، في الوقت، أو في غير الوقت، أو من يصلي متقطعا، أو في المناسبات الدينية، أو من لا يصلي ولكن يرغب في الصلاة.

أما من لا علاقة له بالصلاة ولا يرغب فيها فنسبتهم 3.73%، وهي أرقام أعتقد أنها واضحة الدلالات. تم الإعلان عن هذا البحث في ماي 2015، أي منذ سنتين، ولا ندري هل سيستمر إجراؤه دوريا كما هو معمول به في عدد من البلدان العربية مثل المغرب ومصر..، أم أن هذه التجربة الرائدة توقفت نهائيا.

هذه الأرقام ربما تكون “مفاجئة” للوهلة الأولى بحكم مناقضتها للصورة “النمطية” السائدة عن محدودية تدين التونسي، خاصة إذا استحضرنا سياسات التهميش وحتى الاستهداف للجانب الديني من طرف دولة الاستقلال.

فقد تم منذ المراحل الأولى للاستقلال إلغاء التعليم الديني الزيتوني بحجة تحديث التعليم، في حين أن كثيرا من الدول في الغرب الحديث إلى الآن يوجد فيها تعليم ديني حكومي، وتعليم أهلي معترف به مدعوم من ميزانية الدولة.

كما تم إلغاء الأحباس بحجة فساده وعدم ملاءمته للعصر، والحال أنه كان من الممكن إصلاحه وتطويره، وبذلك يتم المحافظة على موارد مالية ضخمة للتنمية الاجتماعية.

والمفارقة هنا أن الغرب الحداثي -الذي “نقتدي” به في تونس- تنتعش فيه مؤسسات الحبس fondation وتقوم بأدوار متقدمة في الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وغيرها. وللمعلومة فإن جامعة “هارفارد” الأمريكية وهي الجامعة الأولى عالميا تمول أغلب ميزانيتها بمؤسسات وقفية!!.

تاريخيا اتسمت علاقة الدولة بالتدين بكثير من التوتر، نتيجة توجه النظام الحاكم للتضييق على التدين والمتدينين. تجلى ذلك في استهداف حجاب النساء، كما شهدت المساجد تضييقا شديدا أدى إلى تقلص دورها التثقيفي والتوجيهي.

بعد الثورة تغيرت الأوضاع جذريا، وتحررت كل المجالات بما فيها المجال الديني. إلا أن الانفلات العام ظهر أيضا في الحقل الديني؛ فشهدنا انفلاتا في كثير من المساجد، وفي الخطاب الديني، فاستشرى خطاب التشدد والتكفير، بل وظهرت جماعات العنف والإرهاب المتدثرة بالشعارات الدينية، وأدخلت البلاد في منزلق خطير كاد يعصف بها.

تراجعت هذه الموجة بفضل الوقفة الحازمة لأجهزة الدولة، وبفضل تكاتف قوى الشعب التونسي ضد الإرهاب. إلا أن تلك الموجة الإرهابية أثرت على أسلوب التعامل مع الملف الديني من بعض أجهزة الدولة تذكر بأساليب العهد البائد في التعامل مع هذا الملف.

معالجة الملف الديني في عهود الاستبداد اصطبغت بالصبغة الأحادية الفوقية الاحتكارية المنغلقة. ومن المفروض أن تصطبغ معالجة هذا الملف في عهد الثورة بصبغة الحرية والحوارية والتشاركية والتعددية.

أيضا من المفروض أن يكون الهدف من معالجة الملف الديني ليس تقليص التدين، بل الهدف السليم والنافع للبلاد والعباد هو ترشيد التدين، لأن التدين الصحيح يمثل رصيدا لخدمة المجتمع والدولة وليس خصما عليهما.

ما يلاحظ هنا أن أغلب الملفات الكبرى تم فتحها للمراجعة والإصلاح، عبر الحوار والاستشارات الوطنية الموسعة، إلا الملف الديني!! فهو مؤجل!!. لكن في انتظار فتح الملف الديني للنقاش العام المنظَّم من أجل الخروج باستراتيجية وطنية، تواصل وزارة الشؤون الدينية إدارة هذا المجال بأسلوب يغلب عليه الطابع الشخصي للوزير المعني.

وفي هذا الإطار، يجدر بوزارة الشؤون الدينية أن تتعامل مع الحقل الديني مثلما تتعامل وزارة الشؤون الثقافية مع الحقل الثقافي؛ فمثلما أن وزارة الشؤون الثقافة ليس دورها إنتاج الثقافة، فكذلك وزارة الشؤون الدينية ليس دورها إنتاج الخطاب الديني. إنتاج الخطاب الديني مهمة الخطباء، والأئمة، والوعاظ، والعلماء، والمؤسسات الدينية، والجامعية، وعموم المجتمع، بقواه الحية، ومفكريه، ومثقفيه، ومؤسساته المختصة، كل ذلك في إطار تفاعلي حر ومنظم.

وبسبب الظلم التاريخي الواضح الذي عانى منه المجال الديني منذ الاستقلال، وما انجر عن ذلك من تقهقر في مستوى الخطاب الديني وفي الثقافة الدينية الضعيفة السائدة في المجتمع التونسي اليوم، بعد أن كانت تونس مركزا للإشعاع الثقافي الإسلامي عبر جامع الزيتونة، وما حدث من مظالم لحقت بالإطارات الدينية العاملة في هذا المجال؛ والتي نجدها في آخر السلم الوظيفي للدولة ماديا ومعنويا واجتماعيا، بسبب هذه المظالم التاريخية يجدر بنا التفكير بكل جدية في تطبيق التمييز الإيجابي لفائدة المجال الديني؛ على غرار ما نص عليه الدستور من التمييز الايجابي في التنمية لفائدة المناطق الأقل نموا، تداركا لسنوات الإهمال والتهميش الديني، وإنصافا لأرباب الشعائر الدينية الذين وقع عليهم ظلم كبير، واستعادة للتوازن الثقافي والروحي والنفسي والاجتماعي للشخصية التونسية.

إن تقرير الحالة الدينية في تونس يبرز عمق ارتباط التونسي بدينه، رغم المظاهر التي قد تعطي انطباعا عكسيا. كما أن عددا من الأحداث التي وقعت خلال السنوات الأخيرة تؤكد حقيقة هذا الارتباط المتين بين التونسي ودينه.

مع ذلك يمكن القول أن هذا التدين يغلب عليه البعد العاطفي، أكثر من البعد المعرفي والسلوكي، بما يؤكد إلحاحية العمل على ترشيد التدين الشعبي، تجنبا للهبات الدينية العاطفية وما قد ينجر عنها من انفلاتات محتملة، وأيضا ترشيد التدين فيه استثمار للطاقات الروحية والعملية التي ينتجها التدين السليم لخدمة قضايا المجتمع السلوكية والأسرية والتنموية.

رابط التقرير

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد