الأربعاء ، 18 يوليو 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / قانون مكافحة المخدرات أم قانون لتخدير الشعب ؟

قانون مكافحة المخدرات أم قانون لتخدير الشعب ؟

حافظ النيفر

التخفيف من صرامة القانون الجزائي تجاه مستهلكي مادّة “الزطلة” الى حدّ عدم تجريم استهلاكها، مقابل الادعاء بتشديد العقوبات على المروّجين أو المنتجين أو المتاجرين بتلك المادّة المخدّرة، هراء لا يقلّ تخديرا للعقول النائمة عمّا تفعله المخدرات ذاتها في تلك العقول.

هل كانت القوانين متسامحة مع المروّجين حتّى نزعم اليوم انّ المشرّع سيكون أكثر صرامة معهم؟؟؟

إنّ عدم تجريم الاستهلاك لن تكون له من تداعيات سوى مزيد حماية المروّجين وازدهار تجارتهم المقيتة، فرفع القيود عن المستهلكين، الذين هم حرفاء المروّجين ومصدر ثرائهم، سيرفّع من رقم معاملات المروّجين وستزول كلّ العوائق التي كان المستهلكون يقرؤون لها حسابا حتّى يتجنّبوا التتبّعات القضائية الصارمة، وهو ما كان يخفّض بشكل ملحوظ من حجم اتّصالاتهم وتعاملاتهم مع المزوّدين.

في المقابل سيرفّع المنتجون والمتاجرون من ثمن سمومهم التي يبيعونها، ازاء كثرة الطلب ومحدوديّة العرض واحتكارهم لمصادر التزويد ومسالكه. فكلّما ارتفعت مخاطر العرض كلّما غلا الثمن، فتلك قاعدة اقتصادية علمية ثابتة.!!!

ما يسعى البعض الى تجاهله وتخدير عقول افراد الشعب ليتقبّلوا الشعار الوهمي الذي رفعوه بزعم الدفاع عن فئة المستهلكين من الشباب، وضياع مستقبلهم الدراسي، هو أنّ العالم السفلي للمخدرات لا يتكوّن من فئة معيّنة من المروّجين في مقابل فئة أخرى مستقلة عنها من المستهلكين، بل يتكوّن من فئة واحدة يتداخل ضمنها المنتج والمروّج والمستهلك بعضهم ببعض، ويصعب التمييز بينهم.

الخيط في التمييز بين مجرّد مستهلك وبين مروّج “بالتفصيل” وآخر بالجملة، هو خيط ضئيل جدّا، وكثيرا من القضايا اجتهد فيها السادة القضاة لتجنيح الأفعال والاكتفاء بتوجيه تهمتي المسك واستهلاك مادّة مخدّرة، والتغاضي عن الترويج، من باب الرأفة بذي الشبهة لتجنيبه العقوبة الجنائية. فإذا أصبح الاستهلاك “مشروعا”، فإنّ تمحيص المستهلكين من المزودين سيصبح عملا شاقّا، وهذا سيفتح المجال لمظالم عدّة وانعدام التكافئ في التتبّعات والزجّ بشاب مستهلك في خانة المروّجين، واعتبار شاب آخر مروّج مجرد مستهلك للتفصّي من العقاب!!!. فما هكذا تُسَنُّ القوانين، بارتجالية وانعدام للرؤية الواضحة والأرضيّة العلميّة الصلبة. فلو سلّمنا جدلا بوجاهة موقف المطالبين بالغاء تجريم الاستهلاك، فما يطالبون به لن يحلّ المشكل أبدا بل سيزيد في تفاقمه، فهل تراهم سيطالبون بتبرئة تلميذ ثبت أنّه مروّج وتاجر مخدّرات يقسّم قطعا صغيرة من تلك المادة الخبيثة ليبيعها لزملائه؟ بدعوى أنّ محاكمته ستؤثر على مستقبله الدراسي؟ وفي المقابل ما الضامن من ألاّ تُلَفّق تهمٌ باطلة ضدّ شاب استهلك فقط تلك المادّة، فاعتبر الباحث أنّ وجود كميّة زائدة بحوزة المتّهم هو دليل على أنّه مروّج وليس بغاية استهلاكها الشخصي في وقت لاحق!!؟

هؤلاء المتباكون على محاكمة تلميذ جانح استهلك مادّة مخدّرة، ألم يكن أزكى وأطهر لهم أن يطالبوا بتعديل القانون لاعطاء سلطة تقديرية واسعة للقضاء كي يطبّق أحكام الفصل 53 من المجلّة الجزائيّة ويمتّع المتّهم الجانح بأقصى ظروف التخفيف التي قد تنزل بالعقوبة الى خطيّة ماليّة أو عقوبة بدنيّة مؤجّلة التنفيذ أو تنفيذ خدمة اجتماعية تطوّعيّة لأجل محدّد، بدل التهافت على الغاء تجريم الاستهلاك؟؟؟ فالأصل أنّ الوضع العائلي للمتّهم او وضعه الدراسي أو المهني أو حالته الصحيّة والبدنيّة، هي عناصر يمكن مراعاتها في مجال التمتيع بظروف التخفيف للنزول بالعقوبة الى أدنى درجة، ولكن أبدا لا يعقل قانونا أن تتحوّل هذه العناصر في جانب المتّهم الى عامل محدّد لتجريم الفعل من عدمه، فاستهلاك مادة مخدّرة فعل مُجرَّمٌ في ذاته بصرف النظر عمّن اقترفه، سواء أكان تلميذا أو عاطلا عن العمل.

شاهد أيضاً

تسيب الماء عالبطيخ

ماهر العباسي قال راشد الغنوشي في 2013… كي تحلّو السبالة ويهبط الماء وتنزلو عالفلسة يشعل ...

اترك رد