الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / وزير بسروال “دجين”!: هل يمكن ان نقبل ؟

وزير بسروال “دجين”!: هل يمكن ان نقبل ؟

القاضي أحمد الرحموني

الخبر هو من جملة الاخبار غير المعتادة التي رافقت موجة الاحتجاجات بولاية تطاوين : يوم السبت 15 افريل الجاري،”لاحظ الحاضرون في جلسة رسمية بمقر ولاية تطاوين حضور وزير التكوين المهني والتشغيل السيد عماد المحامي بزي غير رسمي حيث كان يرتدي سروال “دجينز” وقميصا!”. عند هذا الحد انتهى الخبر وبدات التعليقات !.

بعضهم لاحظ ان “هذا السلوك استغرب منه أغلب الحضور نظرا لما اعتبروه عدم إحترام لهم. وزاد عدم الوصول إلى أي إتفاق في احتقان الأوضاع ومقاطعة أغلب الحاضرين الإجتماع!”.

والبعض الآخر راى ان “أول رسالة عدم احترام من وزير التشغيل لأهالي تطاوين هي قدومه لجلسة رسمية بدجين!”. واعتبر بناء على ذلك “ان الرسالة وصلت!”.

لكن هل يمكن ان نتصور -خصوصا خارج السياق “الاحتجاجي”- ان سروال الوزير وقميصه يمكن ان يجلبا الانظار الى هذا الحد؟!.

ربما، وقريب من هذا احتجاج احد الصحفيين بقناة “نسمة” على حضور احد القضاة دون ربطة عنق عند استقباله منذ خمسة ايام مع عدد من زملائه من قبل رئيس الجمهورية! (ومع ذلك شهدنا السيد محمد المنصف المرزوقي وهو رئيس للجمهورية دون ربطة عنق!).

وفي نفس السياق يمكن ان نشير الى خلاف علني بين عضو مجلس نوٌاب الشٌعب السيد حسين الجزيري والفريق التلفزي المكلٌف بنقل جلسات المجلس على خلفية تصوير الاول وهو يلوك “علكة” وهو ما أعتبره مسٌا من صورته!.

ورغما عن ذلك يبدو ان الظروف مختلفة مع وزير التكوين المهني والتشغيل الذي حضر -كما قيل- جلسة رسمية بمقر الولاية بلباس “رياضي” (بسروال دجين وقميص مفتوح)!.

وبالتاكيد، لم يكن يقصد ان يجرح “شعور” الاهالي او يخل بكرامتهم لان المحافظة على الهندام الرسمي هي في الاخير احترام للوظيفة او الموقع السياسي للمسؤول قبل اي شيء اخر!.

فهل كان لباسه ذاك بسبب ان البلاد في عطلة اخر الاسبوع او ان سفره البعيد (والمضني) ربما يبرر ذلك او لنقل بسبب رغبته في الالتحام بالجماهير وعدم اشعارهم بالتميز عنهم؟!.

ورغم اننا لا نعرف بالضبط ماذا كان يدور بذهن الوزير او ما هي الملابسات التي حفت بظهوره على تلك الصورة، فمن الثابت على الاقل في “عرف السياسيين” ان حرية اللباس ليست متاحة وانها تخضع لقواعد، وان كانت في الغالب غير مكتوبة، الا ان الجميع يجب ان يتقيد بها.

من المؤكد ان العبرة ليست بالمظاهر، ويمكن على نفس منوال المثل الفرنسي -والذي يقول: “الملابس لا تصنع الراهب”- ان نعتبر ايضا ان “الملابس لا تصنع السياسي”!، لكن السياسي المتمرس (وليس الخطاب موجها للسيد عماد الحمامي) من المفروض ان يعلم دائما كيف يكون لباسه وفي أي وقت ومتى يجوز ان يتحرر من “آداب اللباس”؟!.

وبالمناسبة نشير الى العناية الشديدة للعرب والمسلمين بقواعد اللباس وآدابها، من ذلك على سبيل المثال منع مايسمى بلباس “الشهرة” اي كل لبسة يكون بها الشخص “مشتهرًا بين الناس كالخروج عن عادة أهل بلده، وعشيرته فينبغي أن يلبس ما يلبسون، لئلا يشار إليه بالأصابع ويكون ذلك سببًا إلى حملهم على غيبتهم له!” (الغنية لعبد القادر الجيلاني).

وحتى نعود الى ما نحن بصدده فالملابس والاخلاق لا تصنع الرجال -كما ينقل عن هنري وارد بيتشر- الا أنها اذا وجدت فعادة ما تقوم بتزيينهم”!.

وفيما يخص سروال “الدجين” او “الدجينز” بالذات فان ارتباطه برعاة البقر والاعمال اليدوية وتجسيمه الرمزي لتمرد الشباب والمراهقين..الخ قد جعل منه لباسا غير ملائم للمحافل الرسمية وغير لائق بالسياسيين (او سامي موظفي الدولة) عند ظهورهم في الاجتماعات العامة!.

لكن هل يعني ذلك ان الوزير على سبيل المثال لا يمكن ان يعيش كسائر الناس؟!

بالتاكيد يجيب اغلب “العارفين”، وهو ما ينسحب على غيره من سامي موظفي الدولة وممثلي السلط العامة، ومقتضى ذلك ان الوزير لا يمكن ان يدخل مجلس الوزراء او احدى المؤسسات الرمزية للدولة ولا كذلك النائب ان يشارك في الجلسات العامة ولا القاضي ان يتخطى اعتاب المحكمة الا بهندام يتناسب مع الاحترام الواجب للمكان ولمقتضيات الوظيفة.

بعضهم يلاحظ -وهو يتحدث عن وزيرة فرنسية (هي سيسيل دوفلو) اقتحمت مجلس الوزراء بسروال دجينز في ماي 2012- ان لباسا غير لائق لهؤلاء يساوي اخلالا باحترام الوظيفة “في زمن بروتوكولي للجمهورية”.

وفي هذا الشان لا توجد في تونس ولا في سائر البلدان نصوص مكتوبة توجب على الوزراء لباسا معينا سواء في مقرات اعمالهم او في تنقلاتهم لكن من المؤكد ان أي خروج عن التقاليد لا يمكن ان تخطئه الانظار!.

الا ان الامر على خلاف ذلك في بعض البلدان (وليس منها تونس) التي تفرض على نواب البرلمان قيودا معينة على ملابسهم، وعلى سبيل المثال رغم ان النظام الداخلي للجمعية الوطنية الفرنسية لا ينص صراحة على لباس معين، فان غرفتي البرلمان الفرنسي تؤكدان ان لباسا لائقا (اي كسوة وربطة عنق) يبقى واجبا على الرجال طبقا للتقاليد في هذا المجال. وفي صورة مخالفة ذلك يمنع النائب من دخول قاعة الجلسات العامة.

واكثر من ذلك تحرص بعض الدول على سن قواعد صارمة لهذه الواجبات ومن امثلة ذلك تقنين نظام اللباس بالمجلس الوطني لجزر السيشيل بتاريخ 14 افريل 2009 الذي حرص على تنظيم لباس النواب اناثا وذكورا بدقة فائقة (كسوة وربطة عنق او قميص ذو اكمام طويلة في غياب ربطة عنق) فضلا عن التفاصيل الخاصة بالاحذية والقبعات وسائر الالبسة وتوابعها.

لكن يبدو ان منع سروال الدجينز يمثل قاعدة ثابتة في كل البلدان وهو ما سمح (في فرنسا كمثال) بمساءلة القضاة تاديبيا على دخول محاكمهم بسراويل الدجينز! او اثارة الجدل -في كل مرة- حول الوزراء وما يلبسون… لان هيبتهم من هيبة الدولة!. اليس كذلك ؟!

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد