السبت ، 18 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الحلّ في ترك الحِيَل

الحلّ في ترك الحِيَل

أحمد الغيلوفي

علينا ان نتّفق، اولا، على ان امراض تونس المُزمنة لا تَحُلّها الشعارات والادعية ولا الابتهالات. لا تحلّها الحركات البهلاوانية من قبِيل “صمبة” هنا او علم في ربوة هناك. لا يحُلّها الوعظ الاخلاقوي من قبيل “هيّا نخدموا” و”ناقفوا لتونس” و”حماة الحمى” بدون اي رؤية او برنامج حقيقي. ولن تُغطيها مهما اجتهدتَ في التقاط احداث لا معنى لها وتحويلها الي قضية راي عام من قبيل الآذان في عُلبة ليلية او هل ان الارض مُسطّحة ام كُروية. تلك قضايا لا تهم العاطل ولا المريض ولا الفقير. مشاكل تونس حقيقية، تحتاج لمن يُحَدّق فيها مليّا وبشجاعة، ويُشخّصها بعقلانية، وتكون له الارادة والجُرأة لمواجهتها. اما من يتصور انه اذكى من الشعب، وبامكانه ان “يعدّيها عليه” دوما، فذلك ممكن مرة او مرتين، ولكن سرعان ما يتفطّن المكذوب عليه ان مشكلته لم تُحل، وحينها لن تُفيد العقاقير ولا المُهدّئات ولا المشاكل الوهمية، ويحدث ما يحدث الان في الكاف وتطاوين.

“لله جُند من عسل”
كان معاوية يتودّدُ لزوجات مُعارضيه ويشتريهن بالمال والوُعود، ثم يُكلّفهن بدسِّ السُّم في العسل لازواجهن، وعندما كان يُسألُ “مابالُ مُعارضيك ماتوا جميعا بالعسل؟” كان يُجيب بانه بريئ من ذلك ولكن “لله جند من عسل”. هذا بالضبط ما يعنيه “عقد الكرامة”، حيثُ تبدو كلمة “الكرامة” مُغرية وبرّاقة -تماما مثل “العسل”-، وذلك لارتباطها في مخيلة الشباب بـ “شغل-حرية-كرامة وطنية”. ولنسأل الان: لماذا يحتج شباب الكاف وتطاوين رغم عقد الكرامة؟ لماذا لم يحل المشكل؟ لانه لم يكن حلاّ انما كان حيلة: يتخرّجُ من الجامعة سنويا قرابة 70 الف صاحب شهادة، يستوعبُ منهم القطاع الخاص سنويا نسبة تقارب 40 بالمائة، ويبقى البقية في البطالة. علينا ان نُشدّد على الامر التالي: القطاع الخاص يستوعب سنويا 40 بالمائة من اصحاب الشهائد لسد حاجاته من اليد العاملة. عقد الكرامة يتمثّل في ان تُعطي الدولة لكل صاحب مؤسسة 600د على كل عاطل تُشغّله من اصحاب الشهائد. ماذا يحدث لو ان القطاع الخاص لم يزد شيئا عن نسبة الـ 40 بالمائة التي يحتاجها اصلا سنويا؟ تبقى البطالة على حالها + عملية سرقة في وضح النهار. وسوف نضرب لذلك مثلا: المؤسسة (س) تنتدبُ سنويا ثلاث عمال جدد لسد حاجاتها وبأجر 600د شهريا، من بين 100 صاحب شهادة عاطل ينظافون سنويا للقرية (ج). عندما نظيفُ عقد الكرامة يصبح لدينا ثلاث مسويات للتحيّل: اولا، بعد ثلاث سنوات سيصبح لدينا 9 عمّال جُدد مقابل 291 عاطل، اي ان نسبة البطالة بقيت هي نفسها، ثانيا، عندما تُعطي الدولة 1800د شهريا لصاحب المؤسسة يصبح هذا الاخير يُشغّل بدون مقابل نفس النسبة التي كان يُشغلها سابقا باجر. ثالثا، عندما يقولون بان اصحاب المؤسسات سوف يدفعون 6 بالمائة من دخلهم كضريبة، علينا ان نعرف ان ما سوف يدفعونه هي الـ 600د التي اخذوها من الدولة، اي من الشعب. النتيجة: ليس هناك اي موطن شغل جديد وليس هناك اي مليم اظافي يدفعه الخواص في شكل ضريبة. كان بالامكان ان يُشكّل عقد الكرامة حلا جزئيا للبطالة لو ان الدولة قالت للمؤسسات الخاصة مايلي “سوف اعطيكم 600د على كل صاحب شهادة تنتدبونه فوق نسبة الـ 40 بالمائة التي تحتاجونها بطبيعتكم سنويا”. ومع ذلك يبقى سؤال مُحيّر: الا يُصبح حينها عقد الكرامة نوعا من الوظيفة العمومية داخل القطاع الخاص؟ كيف تقول الدولة بانها لم تعد تتحمّل تضخّم عدد موظفيها بينما تدفع اجورهم ليعملوا وينتجوا الثروة لصالح القطاع الخاص؟ ليس في الامر اي غباء او عماء اقتصادي وانما هي عقيدة اقتصادية تعود الي ثمانيات القرن الماضي.

“عندما يُحرّكُ الذّيلُ كَلبَهُ”
بدا كل شيئ بازمة 1929 التي تصدى لها كبار الاقتصاديين محاولين تفسير اسباب وقوعها. ارجعها ماركس الي طبيعة راس المال الذي ينتج بشكل دوري ازماته الاقتصادية لانه غير مُنتج للثروة. اما “كاينز” فقد ارجعها الي المُضاربة في البورصة التي تؤدي الي نقص حاد في مواقع الانتاج وهو ما يؤدي الي تفاقم البطالة ومن ثمة الي نقص في الاستهلاك فتقع الازمة. يقترح “كاينز” ان تراقب الدولة الاقتصاد، وتقوم بالتخطيط والتوجيه، وتحافظ على الطبقة الوسطى حتى تضمن الاستهلاك الداخلي الذي سوف يحرك الانتاج ويُشجع الراسمال المحلي فيزيد من استثماراته ويستقطب اعدادا اكبر من العمال الذين سيتحولون الي مستهلكين، وكلما تزايد الاستهلاك تشجع الاستثمار وتراكمت الثروة وازداد الطلب على اليد العاملة. شكلت ازمة 1973 منعرجا حادا في التفكير الاقتصادي وسطع نجم “ميلتون فريدمان”، الذي تساءل “لماذا لم تصمد الدولة الراعية التي انشأها “كاينز” امام الازمة؟” واستنتج ما يلي: ازمة 1929 وازمة 1973 كانتا نتيجة لتدخل السياسة في راس المال. “ان نترك السياسة تُحرّكُ الاقتصاد هو شبيه بان نترك الذيل يُحرّك كلبه، عوض ان نترك الكلب يحرك ذيله”. على الدولة اذا ان تنسحب من كل القطاعات وتترك كل شيئ لراس المال: الفلاحة والصحة والتعليم والصناعة والنقل والتجارة، وان تكتفي بدور الشرطي، وكل شيئ سيسير على ما يُرام: عندما لا تُشجّع الدولة الفلاّحين سوف يهجرون اراضيهم ويتحوّلون الي يد عاملة رخيصة في المُدن يستغلهم راس المال ويُراكم الثروة فيزيد من استثماراته ليستوعب المزيد من “المُهجّرين قسرا”، وهكذا ترتاح الدولة من عبئهم ويتحوّلون الي مُنتجين حقيقيين، وعندما يتفطّن راس المال الي وجود نقص في المواد الاستهلاكية الفلاحية سوف يعود الي الاراضي التي هجرها اصحابها ويشتريها بثمن بخس، ويُشغّل فيها عاطلين آخرين بثمن ابخس، وتتراكم لديه الثروة فتزداد مشاريعه ويزداد التشغيل ويعم الرخاء. وما يصح على الفلاحة يصح على الصحة والتعليم والنقل. ومثلما ان “الذّيل” لا ينفع كلبه الا في ان “يمروح” عليه لطرد الذّباب كذلك الدولة بالنسبة لراس المال، ويتضح الامر اكثر عندما نطرح السؤال التالي: لماذا لا تتدخل الدولة للحد من التوريد العشوائي للسيارات الشعبية رغم ان المدن الكبرى اختنقت فيها الحركة نهائيا واصبحت السيارات تحتل الارصفة؟ يُجيبُ “فريدمان”: لا دخل لك بالموضوع، راس المال هو من يستورد السيارات وهو من يخلق المشاكل ليجد لها فيما بعد حُلولا “مُربحة” له: عندما تنعدم الحركة نهائيا داخل المُدن سوف يقوم بانشاء مآوئ عملاقة للسيارات على اطراف المدن، وعلى مجلس النواب حينها ان يُصدر قوانين تمنع استعمال السيارات في المراكز الحضرية، بينما يتولى هو شراء حافلات انيقة لنقل الناس من المآوئ الي داخل المدن”. تلك عقيدة السيد “فريدمان” التي هي سياسة السيد “الشاهد” التي هي تعليمات “المسؤول الكبير”. انها الليبرالية المُتوحشة، ذلك هو منوال التنمية الذي دخلنا فيه منذ عهد الهادي نويرة وبلغ سرعته القصوى في عهد بن على. امّا لو سأل مواطن سَؤُول: “ان كان في هذا المنوال خيرا فلماذا ثُرنا عليه في 17 ديسمبر؟” “لماذا تُعيدون نفس المنوال؟” الجواب هو “كُنا لاباس علينا لذلك نعيد نفس المنوال، وما حدث في 17 ديسمبر مجرد مؤامرة”. امّا على من تعود “النُّون” الموجودة في “كُنّا لاباس”؟ فذلك حديث آخر.

جريدة الشعب، الخميس 13 افريل 2017

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد