الجمعة ، 17 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / رحلتي إلى بغداد أرض المعارك (5)

رحلتي إلى بغداد أرض المعارك (5)

عماد دغيج

العاشر من افريل سنة 2003 رحلة الخروج من بغداد الى دمشق وطريق الموت..

لم نكن نقدّر حجم المخاطر التي نحن فيها كنا متحمسين جدا وهانت عندنا حياتنا… الشعور السائد عند كافة الشباب “كنا حوالي 200 شاب من مختلف الجنسيات” انه لم يعد هناك خشية من الموت ولا من اي شيء اخر، ولكن الصحفيين ومنهم الاجانب كانوا يدركون الخطر الذي يحدق بنا، نبّهونا لخطورة بقائنا في فندق فلسطين وقالوا بان العراقيين لم يعودوا كما عرفتموهم
البعض فيهم يفتش عن المجاهدين العرب ليسلمهم للامريكان بمقابل مالي، البعض يقول 3000 دولار سعر الراس من شبابنا…

كانت الليلة الفاصلة ما بين 9 و 10 افريل كلها احزان واوجاع، نعم كنا شهداء على اكبر مذلّة عاشتها الامة المعاصرة، اللي قهرني ان الامريكان يحوسوا في الفندق بعد ما كنا نتمنى ملاقاتهم في الجبهة، الان هم بجانبنا ونحن لا نملك حتى مسدس وحيد… ما بقالتنا توا غير الاستجابة لنصائح الصحفيين اللي باش يشوفولنا طريقة للمغادرة، اغلب الصحفيين كانوا شهود عيان على ما حصل بالمجاهدين العرب قبل سنتين في افغانستان، هذاكا علاش هم حريصين على ان نغادر، اذا ومنذ الفجر خرج مراسل الفضائية المصرية ومعه احد الفرنسيين للبحث عن وسيلة نقل تقلنا الى دمشق… في الاثناء خرجت سيارة في اتجاه الحدود السورية لتغطية الاحداث هناك اخذوا معهم 4 من الشباب، بقينا 15، لم يكن الجنود الامريكان مهتمين بنا ولم يركزوا معنا..
مازالوا منتشين بالفوز المزعوم الذي حققوه…

واخيرا جائت سيارة اجرة ومعهم الصحافيين بقي الاتفاق عن عدد الركاب وسعر الراكب الواحد، السائق لا يقدر على حمل اكثر من 10 اشخاص في سيارة طاقة استيعابها 5، طلب منا 300 دولار للفرد الواحد، مع العلم ان الرحلة العادية تتكلف 25 دولار، مشيت نحكي معاه بلهجتنا التونسية (يا ولد عمي الواحد سيب بلادوا وخدمتوا وعائلتوا وكل الدنيا من اجل نصرتكم وانت تستغل فينا ؟؟؟) اجابني (روح يا شيخ حد ما قالك تعالى انا اشتغل على حالي…). اتفقنا ان نعجنوا رواحنا ونصعد 13 واحد بسعر 150 دولار للفرد، بعد عناء طويل بدانا في اقناعه
كان الجنود الامريكان يراقبون الفوضى والصياح الذي صدر عنا… (قريب تولي عركة مع السائق) استفسروا الامر فشرح لهم صحفي اردني باننا نريد الذهاب لتغطية الاحداث في محافظة اخرى…

اخيرا صعدنا السيارة واغلقنا الابواب، اشتغل محرك السيارة… وجائنا رجل مصري الجنسية ليتحدث مع السائق (صحفي امريكي يريد الذهاب للموصل ويعطيك 2000 دولار آخذ 500 وانت 1500…) انقطعت انفاسنا ونحن ننتظر رد السائق الذي نزل من السيارة، كان معي شاب آخر تونسي نزلنا وعينك متشوف الا النور، كان القرار هو ان هذا المرتزق يريد اهانتنا واذلالنا من اجل ايصالنا، الموت ولا المذلة، شدوا التونسي وسخسخو واشبعناه سبا ولوما لانه فضّل عنا امريكي الذي اغتصب ارضهم وسيهتك اعراضهم… شعرنا ان السائق رجعلوا شاهد العقل فعاد للسيارة وقبل الانطلاق قال لن اتحرك الا اذا دفعتم لي الاجرة !!! نهار ازرق على جد بوه هالط*** يا ولدي خرّجنا من بغداد ثم تتسلم فلوسك ونواصلوا الطريق لاننا لم نعد نثق بك، اتوكلنا على الله والحمد لله…

كان مكاني من قدام بجنب الباب ومعي التونسي وسعودي بجنب السائق و 5 ورائنا و 5 في المان، السيارة رباعية الدفع ومن النوع الجيّد.. كانت شوارع بغداد خالية الا من اللصوص والجيش الامريكي، حالة غير عادية من الفوضى والنهب والخلع… سرنا قرابة الثلاث كيلومترات فوجدنا رتل امريكي امامنا، السائق قال لا يمكن لنا ان نمر وعلينا العودة والبحث عن طريق آخر… وفعلا كانت السيارات لا تمر بجانب الرتل الامريكي… من طريق آخر نفس الشيء وجدنا رتل من المدرعات والدبابات تسير ببطئ، هل نقوم بمجاوزتهم ؟؟ كيف ستكون ردة فعلهم لو راونا 14 شخص منهم ملتحين في سيارة ؟؟؟ قال لي السائق اخرج يدك من النافذة وارهم منديل ابيض !!!
اسكت معادش تعاودها حتى بالتفدليك يا معلم !! لاباس انت ؟؟؟ تكلم التونسي (خلي يفرقعونا ومنهزوش الراية البيضاء). السائق قال انتم اتحبونا نموتوا… بقية الركاب لم ينطقوا ولا كلمة طيلة الرحلة وباهتين في اتصعصيع التوانسة…
ثم تقدم السائق رويدا رويدا نحو الامريكان وعند اقترابه بخمسين متر اخرج منشفة بيضاء ولوح بها… كانت اسلحة المدرعات متجهة نحونا وفي كل لحظة ننتظر الطلقات… وصلنا الى نفس المستوى معهم وواصل السائق السير ببطئ.. اطلق احد الجنود رصاصتين او 3 في الهواء، كل منا نظر للبقية يتفقد من اصيب ؟؟ كانت الطلقات هي اشارات للسائق كي يسرع ويتجاوز الدورية… تنفس الجميع الصعداء…

وصلنا الى احد المدن لم نكن نعرف اسماء تلك المدن اتضح فيما بعد بانها الفلوجة، لم نرى غير الاهالي يحملون الاسلحة، كان الطريق يبعد عن تلك المجموعات حوالي 50 متر بدا البعض منهم باطلاق النار نحونا واصابوا السيارة بطلقتين، الجميع انزلوا رؤوسهم للاسفل وكان السائق يسير بطريقة جنونية… كانوا يضنون باننا لصوص وكانوا يحمون مدينتهم، لا اثر للامريكان في تلك المدينة، عند وصولنا الى منطقة خالية من السكان اوقف السائق السيارة ليقبض اجرته… احد الشباب ينقصه 20 دولار، رفض المواصلة وقال بانه سيعود اتصرفنالوا في 20 دولار وبدات التشامية بيني وبين ولد بلادي عالسائق النذل الانتهازي، سبيناه بعد ما خذا فلوسوا واتفقنا على ان ننتقم منه بعد الخروج من العراق…

بقية الطريق كانت كلها دوريات امنية وكل مرة نقول هنا نهايتنا، لم تستوقفنا اي دورية والحمد لله الى ان وصلنا للحدود العراقية التي وجدناها خالية… استغل السائق الوضع ودخل الى احد المخازن ليحمل بعض الامتعة كالزيت واشياء اخرى وضعها فوق السيارة… عند الحدود السورية شكوناهم ما عانيناه من السائق الانتهازي الذي لم يقدر سبب مجيئنا لبلدهم واستغلنا كاشنع استغلال… احد الضباط قال ما فهمناه (مكمش رجال كان متاخذوش حقكم منه) وفعلا يهزوا التونسي بمقص وركحنا فيه بونيا وحاجات اخرى واخذنا جميع امواله ثم اعطيناه 500 دولار او اكثر على الفرد (اي ضعف الاجر العادي) واتعلم يا صاحبي ما تعقبهاش على التوانسة. خممنا باش نخلوه مطيش ونهزوا الكرهبة ونواصلو وحدنا، اللي معانا جبناء ومفاهمين شيء، خزرت للتونسي قتلوا صاحبي عندك برمي ؟؟ قالي لا، اوه على امي حتى انا ما عنديش، ايا بطلت فكرة باش نهزوا السيارة وحدنا وطلعنا السائق بعد ما شبعناه اذلال وكل مرة نتفكروه بصرفاق عالشيء اللي عملوا معانا… اشبعناه اهانات الى ان وصلنا لدمشق حيث زدناه بعض المال وزدنا ضربناه ومشى على روحو.

كانت الديوانة السورية قد سمحت لنا بـ 722 ساعة للبقاء في ارضهم ويجب المغادرة قبل تلك المهلة، وكتبولي عالبسبور المغادرة في اجل لا يتجاوز 72 ساعة… اول شيء عاد الى ذهني بعد الدخول الى سوريا هي العائلة وخاصة ام السعد، وصلت الى دمشق وطبعا اول ما قمت به هو الاتصال بام السعد التي دخلت في حالة هستيرية كبيرة، تي كالعادة مسكينة من فجعة لفجعة، حاولت البقاء اكثر لنتمكن من العودة للعراق بعد ان تتضح الامور ولكن كانت الشرطة تراقبنا بشدة في الاماكن التي كنا فيها، كنت في احد الفنادق الشعبية واسمه “فندق عبد الرحمان الغافقي” مرجونا بالتفقد والاستجوابات حتى غادرت دمشق في اتجاه تونس…

كان والد احدى التلميذات اللي يقراو عندي يعمل كاطار كبير في المطار… بنتوا قتلوا مسيو مروح اليوم ورانا خايفين يوقفوه… فعلا لم يتم ايقافي في المطار ووجدت ام السعد كالعادة تذرف الدموع… ومن الغد بدأت الزيارات الامنية والابحاث وآكل الجوجمة المعروفة…
————————
هذه رحلة العراق، اكتبها بايجاز ولم اتعمق في ادق التفاصيل، اكتبها لا للتعريف بما صنعت… ولكن هي اوجاع في صدري يجب اخراجها… وساتوكل باذن الله في اصدارها في كتاب شامل لكل التفاصيل.
الحمد لله ارشيفهم تاريخنا…
ولا نلتمس الاجر من اي احد انما هي لله هي لله لا لسلطة ولا للجاه…
انتهى ./.

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد