الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / رحلتي إلى بغداد أرض المعارك (4)

رحلتي إلى بغداد أرض المعارك (4)

عماد دغيج

العراق 2003 : (سقوط بغداد وايقافي من طرف الامريكان)
كي لا انسى، كان تقريبا كل شي انتهى يوم سبعة افريل واحتل الامريكان مطار صدام…
خرجت في جولة يوم 8 أفريل بمعية شيخ القبيلة الشيخ جليل، كان ابنه يقود السيارة، ذهبنا للمعسكر لمقابلة بعض القيادات العسكرية لتزويدنا بالذخيرة، وصلنا فكانت المفاجئة… كان المعسكر خالي من كل العسكريين ولم يبق هناك الا البعض من المجاهدين العرب… كانت الاسلحة ملقاة وفي متناول الجميع… قابلت ولد حومتي غادي (محمد ش) ولقيتوا مافاهم شي وقرر مغادرة العراق ونصحني بذلك، اعلمته باني لم آتي 6000 كلم كي اغادر. 

خرج الشيخ جليل مهرولا وهو يبكي، سارت بنا السيارة في شوارع بغداد التي كانت خالية من الحركة تقريبا… كان الشيخ يبكي ويولول يا ويلك يا بغداد… ماكو العراق… عملوها الانذال… لم اشاء ان اتكلم كي لا ازيد في اوجاعه ولكن فهمت ان الشيخ تأكد من نهاية العراق…
عدنا الى معسكرنا حيث الشباب يرابط هناك بعد ليلة صعبة قامت فيها القوات الامريكية بعملية انزال تبعد عنا قرابة العشر كلم وحاولت التقدم ثم تراجعت… دعانا الشيخ جليل لامر هام حسب ما قال لنا ابنه
تركنا الخندق وذهبنا (للجامع) وهو في طور البناء… كانت الدموع لا تزال بادية على خدي الشيخ، تكلم بنبرة حزينة وبصوت مرتعش، (يا شباب نحن ممنونين ليكم، يا شباب انتم ابطال واسود، تركتم اهليكم وبلدكم جيتوا عندنا في حين اهل البلد خافوا وغدروا… يا شباب انتهت الحرب وماكو العراق (ماكو = انتهت). تقدرون ترحلوا وتعودوا لبلدكم وما تزعلوا، اعرف حماستكم وغيرتكم ولكن شاء الله ان تحزن الامة مرة اخرى، واللي رايد يقعد عندي انا افديه باولادي، ولكن انتهت الحرب واهليكم في انتظاركم). والله لن انسى كل تلك الكلمات وذلك المشهد…

نظرنا الى البعضنا (6 سوريين وانا) قلت لهم ما شاهدته في المعسكر الرئيسي، عاد الشيخ جليل ليسألنا ما قررتم ؟؟ قلنا له دعنا نتشاور فيما بيننا ثم عدنا اليه بعد نصف ساعة، (يا شيخ والله ما جئنا هنا كي نعود بخيبة، وقد ودعنا اهلنا كي نلقى ربنا ونحن في عزّة… يا شيخ سنطلب منك طلب وحيد ونحن ممنونين لك… نريدك ان تمدنا بما يكفي من ذخيرة ودعنا نتصرف…
يا شباب انتم ما تفهمون ؟؟ ماكو قيادة وماكو ذخيرة العراق اتخرب بيتها…
باهي يا شيخ تصرف لنا في احزمة ناسفة فنحن ميتون لا محالة على الاقل نأخذ معنا بعض العلوج…
الله يهديكم يا شباب انتهى كل شيء ولا ذخيرة ولا احزمة ثم غادرنا وصعد في السيارة مع ابنه وعرفنا باننا لن نراه مجددا.

سالني احد الشباب السوريين ما نحن فاعلون… قلت لهم سنواجههم بما لدينا ولكن هناك امر مهم… اول ما دخلنا الى بغداد يوم 11 أفريل اخذونا الى فندق السدير وهناك اخذوا منا جوازاتنا، فبالتالي احتياطيا يجب ان استعيد الباسبور ثم (يعمل ربي دليل). تركت السلاح واخذت معي مسدس وامتطيت سيارة اجرة اذا ان وسط المدينة يبعدنا قرابة الـ 15 كلم… وصلت الى الفندق فوجدت المئات من الشباب سيغادروا العراق وقد مكنتهم السلطات العراقية من حافلات لتنقلهم لدمشق، التقيت ولد حومتى واعلمته باني لن اغادر وان يبلغ تحياتي لامي وبقية العائلة، وان يدعوا لي وان بقي في العمر فسنلتقي ثم سلمت لمحمد صورتي كي تكون الدليل على اني التقيته…

كان الوقت بعد الظهر وكان احدهم ويدعى (الدكتور) هو المكلف باعادة الجوازات لاصحابها. كان ياخذ قائمة اسمية ويذهب الى فندق الشيراتون حيث اودعوا الجوازات ثم يعود ليسلمها لاصحابها ولم يجد جوازي واعلمني بأنه سيحاول مجددا ولكن فيما بعد سالت عنه فقيل لي بانه غادر الى منزله…
لم اجد وسيلة نقل للعودة (لحي الشعب) نتيجة القصف الشديد على العاصمة بغداد في ذلك الوقت. تم قصف فندق فلسطين وقصف مقر قناة الجزيرة واستشهد المراسل (طارق ايوب). المكان يبعد عنا 150 متر فقط
بتنا الليلة في جامع ابي حنيفة المقابل لساحة الفردوس حيث فندق فلسطين والشيراطون وحيث تمثال صدام حسين… كانت ليلة صعبة وصعبة جدا لشدة القصف وتصلنا انباء عن دخول القوات الامريكية بغداد ليلا…

صباح يوم 9 افريل ذهبت كالعادة لفندق السدير حيث التقيت (الدكتور) وهذه المرة مكنني من جواز السفر… قررت العودة لحي الشعب فلم اجد وسيلة نقل فعزمت على الذهاب سيرا على الاقدام رغم اني لا اعرف الطريق… بعد حوالي 2 كيلومتر اعلمنا الاهالي بان الامريكان قد اغلقوا الطريق وهم بصدد التقدم… كان الخبر كالكارثة.. حتى وجدت سيارة اجرة فرفض السائق ان ينقلني (وتغير اسلوب حديث العراقيين معنا) فهمت ان هناك من لا يرغب في وجودنا… عدت لساحة الفردوس فسمعت تكبيرات فضننت بانهم المجاهدين… فرحت ولكن اتضح بانها جنازة مراسل الجزيرة طارق ايوب سيصلي عليه زملاؤه في فندق فلسطين… فكرت بانها فرصة كي اصلي معهم وهكذا سيتمكن اهلي من مشاهدتي فيفهموا اني بخير ولم اُقتل… كان ولد حومتي قد اعلمني بانهم اقاموا العزاء في منزلنا بالكرم بعد علمهم بانني قد قتلت عند الدخول لبغداد اثر قصف الـ B52، فكان لابد من طمأنتهم… وفعلا شاهدني جميع الجيران واعلموا ام السعد التي اطمأنت ولم تدم فرحتها كثيرا…

كنت افكر في اي وسيلة للعودة لحي الشعب ولم اجد… وحوالي الساعة الواحدة والنصف تقريبا بدأنا نسمع في اصوات قوية للآليات الامريكية والطائرات الاباتشي واتقلبت الدنيا… انهم يتقدمون لساحة الفردوس… حوصرت هناك انا وحوالي 20 من الشباب العربي. كانت حالتنا رثّة والغبار بكسونا… قررنا الاحتماء بفندق فلسطين حيث هناك جميع وسائل الاعلام… تعرفت على صحفي تونسي يدعى (منذر) يعمل في قناة العربية، اتفقت معه على ان تم القاء القبض علي فليعلمهم بانني اشتغل معهم كمنظف او اي شيء من هذا القبيل…

اذا دخلت القوات الامريكية من 3 مداخل مختلفة… كان على يسار فندق فلسطين مجموعة من العراقيين عددهم حوالي الـ 50… لم يكن هناك غيرهم في الساحة… دخلت المدرعات والدبابات واستقرت دائريا في ساحة الفردوس والطرقات المؤدية لها مع تحليق مكثف للاباتشي… تقدمت المجموعة من العراقيين وكانهم كانوا في انتظار شيء ما وبدؤوا بالتصفيق للقوات الامريكية… كان مراسل الجزيرة (المرحوم ماهر عبد الله) واقفا على كرسي ويضع يده اليمنى على كتفي وينقل الاحداث مباشرة… لم اتمالك نفسي من هول ما أرى… اختلطت عندي المشاعر بالذل والنقمة والحزن والانتقام…

تذكرت بان المسدس تركته في جامع ابي حنيفة… لا ادري ماذا كنت سافعل لو كان في يدي !!! ودون ان اشعر انهمرت دموعي وانا اشاهد الامريكان يغطون وجه صدام بالعلم الامريكي… احد الصحفيين المصريين بدأ بالتصفير… فصفرنا كلنا والبعض من الحاضرين خارج سور الفندق… السور لا يتجاوز علوه المتر… اي وكانك خارج ساحة الفندق… فهم الامريكان باننا رفضنا اسلوبهم الاحتقاري في تغطية راس صدام بالعلم الامريكي فسلم لهم احد الصحفيين علم العراق (من الفندق)… المشهد شاهده العالم… ثم بدأت الاليات تتقدم نحو الفندق ودخلوه كي يكون لهم مقرا لقيادتهم…

اذا انتهى امرنا وتمت محاصرتنا والتعرف علينا سهل جدا نظرا لحالتنا الملوثة… غربت الشمس… وما كان يؤلم اكثر مما شاهدناه هو تعامل الاعلام مع الامريكان… كانت مراسلة قناة المنار اللبنانية تجلس وتمزح وتقهقه مع اثنان من الجنود… يومان لم آكل شيئا… جلس مجموعة من الاعلاميين ونصبوا الطاولة (طويلة وعريضة) ووضعوا عليها العديد من المأكولات…  نادوا على الجنود فجلس البعض معهم… كنا ننظر اليهم ونتمنى حتى رغيف نسد به رمقنا… احد الاخوة الجزائريين اشبعهم سبا وشتما… بدأت نظرات الجنود الامريكان تركز مع وجودنا… لم يعلموا باننا كنا نقاتلهم… كانوا يظنون باننا عملة او متسولون او متسكعون… شكوت جوعي الى مراسل الفضائية المصرية الذي مرر رسالة الى عائلتي وقد وصلتهم.. ثم اعطاني 2000 دينار (قرابة 1700 مليم تونسي) لاشتري بعض الاكل… كان هناك كشك صغير بجانب باب الفندق… وكان هناك حوالي 18 جندي باسلحتهم الرهيبة في مدخل الفندق ويمنعون اي طرف من الدخول… تقدمت نحوهم واخرجت ساقي اليمنى فقط (وطليت براسي) لانظر هل الكشك لازال موجود ام لا، فوجدت انهم رحلوا به… سحبت ساقي فمسك بي الجندي سائلا !!! Where are you go ؟؟؟ عرفت اللي انتهى امري.. شنوة باش انقلوا ؟؟ اتفكرت جوانتنامو !!! لم نكن نعرف ابو غريب… اجبته بالفرنسية (متعمدا كي لا يفهمني) ??? parler Français
??? what
فرنسي يا معلّم فرانسا فهمتني ؟؟؟
كنت اتعمد ان لا يفهمني كي اربح الوقت كي اجد خطة للتخلص من هذه الورطة…
لو تعرف عليا لكان مصيري طبعا جوانتنامو وهذا مستحيل يحصل… نادى على زميله وتجمع حولي البقية وعرفت ان الامر تطور ولن ينتهي بسهولة… تقدم الى الجندي زميله وتكلم بالعربي: شو اتسوي هون يا زلمي؟؟؟
انه كويتي بزي امريكي… في قلبي (يلعن جد بوك يا عميل يا كلب) تلعثمت وجائتني فكرة ارتقي بها الى الله… لو تفطنوا الي فسأرتمي على سلاح احد الجنود وطبعا زملاؤه سيشبعوني كرطوش وهكذا لن ينعموا بسجني… اجبت الكويتي بلهجتنا الدارجة ولغتنا المضروبة كالعادة لربح الوقت… كان كل الصحفيين يتابعون المشهد… بعضهم كان بقوم بتصوير العملية…
قلت للكويتي: (يا بوها خوك طايح مالسلوم ويلوج عالدمق كان فما واحد لهنا واتزرما…) كنت اتحدث اليه واحرك يدي… وطبعا لم يفهم شيئا… ولكن بحركات يدايا ربما فهم شيئا لم اكن اقصده…
قالي: انت سائق صحفي ؟؟؟
برحم بوك تي هاك افهمتني ثم ناديت على التونسي (منذر) الذي يعمل في قناة العربية وساله الكويتي بغباء: (السائق هذا تبعكم ؟؟) مع العلم معنديش رخصة سياقة هههه
غمزت لمنذر وقال نعم تبعنا…
فنظر للامريكي و قال له Press driver
نظر الي وقال احسن كلمة GO
وتنفس كل الشباب الذي كان معي الصعداء وكانت لحظات شديدة…
فالموت عندي ولا ان اكون اسيرا عند العلوج…
ثم اجتمع بنا بعض الصحفيين وقالوا لنا بان الامريكيين (مهمش مصدقين ارواحهم انهم في بغداد وهم لم يركزوا معكم واكيد غدا سيطلبون البطاقات على الجميع، اذا سنتدبر امرنا كي نمكنكم من مغادرة بغداد غدا فجرا) وفعلا الثامنة صباحا من يوم العاشر من افريل جائتنا سيارة لتنقلنا الى دمشق في اصعب رحلة بين بغداد ودمشق ربما اسميها العودة على طريق الموت…

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد