الثلاثاء ، 17 أكتوبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / بن كيران والعثماني: تشكيل الحكومة في المغرب، عسر المسار وجدل القرار

بن كيران والعثماني: تشكيل الحكومة في المغرب، عسر المسار وجدل القرار

بعد خمسة اشهر من نتائج الانتخابات التشريعية المغربية التي اعلن عن نتائجها في 7ا كتوبر 2016، واثر مفاوضات عسيرة ورفض متبادل لايّة نية في التعامل بين “حزب العدالة والتنمية” الفائز الاول بـ 125 مقعدا وغريمه “حزب الأصالة والمعاصرة” الذي حل ثانيا بـ 102 مقعدا، انطلق مخاض مفاوضات تشكيل حكومة ليعود في كل مرة إلى المربع الأول، يحوم ولا يرد كثور الساقية، انتهى دُواره ببن كيران إلى القول بأنه “انتهى الكلام” ليدخل مسار التشكيل في متاهة جديدة غير منتظرة في ازمة طالت وشعبّت المواقف والدروب. ورغم ان الدستور المغربي لا يضع حدا زمنيا لتشكيل الحكومة، إلا أنّ الأمور تعطلت بما فيه الكفاية، ممّا اثر على سير دواليب الدولة ومسألة الأمن القومي في بلد عاد للتو إلى الاتحاد الإفريقي وتنتظره معاهدات واتفاقيات ومصالح شعب. ولا شك في أن ذلك كله يقتضي وجود المؤسسة التشريعية قيد العمل بغرفتيها في البرلمان. تأخرُ تشكيلها، اقتضى تدخلا ملكيا أعفى فيه محمد السادس عبد الإله بن كيران من مهمته مكلفا سعد الدين العثماني من الحزب نفسه في أجل اقصاه 15 يوما لينتهي إلى القبول بكل ما أصر بنكيران على رفضه، إذ قبل مشاركة “حزب الاتحاد الاشتراكي” الذي قال عنه: “لو شارك الاتحاد الاشتراكي سأغادر الحكومة”، كما قبل حكومة مكوّنة من ستة أحزاب عوضا عن أربعة كما أصرّ سلفه. فكان أن تصاعد الجدل داخل قواعد حزب “المصباح” الذي اعتبر جزء هام من قواعده أن الحكومة المشكّلة فيها إهانة للارادة الشعبية وتنازلا للخصوم.

المفاوضات، أطوار وأدوار

سؤال فرض نفسه حول تشكيل الحكومة، وهو على من تقع مسؤولية الانسداد ؟ الثابت أنّ الأحزاب المغربية الفائزة تتحمل وزر التأخير. ولكن وحَلَ الوقائع يثبت أنّ حزب التجمع الوطني للأحرار ظل يطالب رئيس الحكومة “عبد الاله بن كيران” ويضغط عليه من أجل إقصاء حزب الاستقلال. ولمّا قبل الشرط -على مضض- بالتخلي عن حزب الاستقلال الذي أبدى رغبته منذ البداية بالانضمام إلى الحكومة، بادره رئيس التجمع الوطني للأحرار بشرطين آخرين جديدين، وهما ضرورة إلحاق حزبين للأغلبية المفترضة، وهما الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لتصبح الحكومة مكوّنة من ستة أحزاب بعدما حصرها رئيس الحكومة في أربعة احزاب فقط، وكان الشرط مرهقا ومربكا في آن واحد. فقد اعتُبر ضمّ حزبين جديدين إضعافا للعدالة والتنمية وضربا من الاستقواء بهما عليه، يختل فيها ميزان القوة وعُرف الانتخاب. ولكنّ الحزبين روّجا أنّ وجودهما سيساهم في ضخ روح للانسجام والفعالية للحكومة، بينما ردّ بن كيران بأنه من غير الممكن العمل بهذا العدد الضخم من احزاب في حكومة. وظل الرجل يؤكد على ضرروة تشكيلها من أربعة أحزاب ضمانا لسيولة القرار والتنفيذ. وقرر الحفاظ على الرباعي القديم: حزب العدالة والتنمية، وحزب التجمع الوطني للاحرار، وحزب الحركة الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية. معتبرا أنّ ما اقترح كان خطوة مفاجئة بعد مفاوضاته مع حزب الاستقلال الحاصل على 47 مقعدا في الانتخابات الاخيرة وشروطا أقرب إلى الابتزاز. كانت النية واضحة من “حزب التجمع الوطني للأحرار” للتعجيز وهنا ادرك بن كيران أنّ الأمر لا يعدو أن يكون محاولة للعرقلة وشرطا معجزا وهنا صدرت عبارته الشهيرة “انتهى الكلام”. سهام اللوم أصابت كبير القوم، بن كيران إثر تلك القولة. واعتبر ذلك عجزا منه على إدارة الأزمة وخطأ مزدوجا تمثل فصله الأول في إسراعه بالتفاوض مع حزب الاستقلال ثم التخلي عنه، وتمثل فصله الثاني في الحجم الذي اعطاه لحزب لتجمع الوطني للأحرار الذي لا يساوي قوته الانتخابية، وهي مجموعة من التنازلات قدمها الرجل لتجعله غير قادر على تشكيل حتى حكومة أقلية. في الجانب الآخر جاء تحرر بن كيران من حزب الاستقلال بعد إثارة زعيمه في تصريح صحفي أزمة مع موريتانيا اقتضت من رئيس الحكومة السفر الى موريتانيا لتهدئة الخواطر، وليدخل الرجل التشكيل الحكومي متحررا من أية تبعات ديبلوماسية يمكنها أن تشكل عليه عبئا، مع موافقته على تعيين وزراء مستقلين يُمثلون في الواقع حقائب القصر الملكي من الحكومة في وزرات الخارجية والداخلية، وبعد أن أعلن العدالة والتنمية أنّ حزب الاستقلال هو خارج المعادلة الحكومية، لاح طيف إعادة الانتخابات غيرَ مجد لأن الناس سيشعرون عندها بعجز صندوق الاقتراع عن حسم الامور واصطفاء القادة والسّادة والذّادة. في المقابل لا يرى الاتحاد الاشتراكي على لسان “يوسف مجاهد” أنه قدّم ما يعرقل الحكومة بل تقدّم إلى بنكيران بعرض يساعده على أغلبية مريحة خير من أغلبية ضعيفة لا تقدر على حسم الأمور. بينما يرى البعض أن لا حق للاتحاد الاشتراكي ولا الحزب الدستوري أن يدليا بدلويهما في تشكيل الحكومة لأنهما لم يدعوا أصلا إلى تشكيل الحكومة فضلا عن التقرير فيما يناسبها من اختيارات. وجاء رد الحزبين قائلا بأنهما تلقيا عرضا بالمشاركة، ولكن ترددهما في القبول من عدمه جعل بن كيران يدرك أنهما ينوسان بين الرفض والقبول. وما إن أعلن على إغلاق قائمة الاحزاب المشاركة حتى ارتفع صوت الحزبين منددا بالاقصاء. تتعد زوايا النظر إلى عسر تشكيل الحكومة. ولكنّ الثابت من المسار أنه بين الضغوط والشروط التي مارسها رئيس “التجمع الوطني للأحرار” وبين أخطاء بنكيران، تتجلى رؤى مختلفة. كان للرجل الخيار في أن يذهب بحكومة أقليّة إلى مجلس النواب وهنالك قد يقبلها المجلس أو يسقطها، وحينذاك يمكن الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها. وهي الفرضية التي لم تعد قائمة اليوم بالتدخل الملكي الذي أراد تجاوز الموقف بتعيين سعد الدين العثماني بدلا عنه. وهنا وجد العثماني نفسه أمام مراكز قوى مثل “التجمع الوطني للأحرار” و”الحركة الشعبية” و”التقدم والاشتراكية” ولكن بشروط جديدة يفرضها التجمع الوطني للأحرار، كأن يدخل معه الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو ما يمثل أبرز نقطة خلاف بينه وبين الأحزاب الأخرى التي بدا إزاءها -حسب مراقبين- ضعيفا سياسيا مقارنة بقوته الانتخابية التي خرج بها بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة. لم يكن الدستور المغربي نهاية بل كان وسيلة والفصل 47 من الدستور هو المعتمد الذي يعين بموجبه الملك رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات. ولم يكن لملك المغرب الحق دستوريا في أن يتجه إلى حزب ثان يكلفه بتشكيل الحكومة كما كان يمكنه ذلك قبل دستور 2011، حيث كان يستطيع تعيين رئيس الحكومة من أي حزب يختاره. كما يتضمن دستور المغرب في الفقرة الأولى من الفصل 42 على أنّ “الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي”.

بن كيران في الميزان

في أول موقف رسمي وعلني على إعفائه من قبل الملك، شدّد حزب العدالة والتنمية على براءة عبد الاله بن كيران من تعسير مهمة تشكيل الحكومة، واعتبر أن موقفه لا يتحمل بأي وجه من الأوجه مسؤولية تأخيرها. كما ورد في البيان أنّ ما وقع كان نتيجة “اشتراطات متلاحقة خلال المراحل المختلفة من المشاورات من قبل أطراف حزبية أخرى”. رغم أنّ البعض يرى أنّ ترشيح العثماني هو دعم للجناح المعتدل داخل العدالة والتنمية ودعم للحمائم مقابل الصقور بالتعبير الامريكي الكلاسيكي في تقسيم أجنحة الاحزاب، فإن حقيقة ما يجري تفيد أنّ الإشكال كان شخصيا لاغير، فلم يكن مسموحا لرّجل ملا الدنيا وشغل الناس وتجاوز سقف شعبية بلغت الاوج والذروة حتى صار حديث اهل البوادي والحضر، يتسمّر فيها 6 ملايين مشاهد أمام القناة الأولى في المغرب للانصات اليه في برنامج “لقاء الخاص” الشهري الذي يوضح فيه ما قامت به الحكومة وما تروم فعله في قادم الأيام في شفافية لم تعرف لها السياسة المغربية مثيلا. وهو الذي تحدث عن حكومات ظلّ وجيوب مقاومة وردة يسوسها أباطرة الفساد القديم العريق والعتيد الذي طاول الدولة وأخضعها لمشيئته ردحا ليس بالقليل. ورغم الشروط والضّغوط كان بن كيران طويل الأناة صبورا. ولكن الخطة المرسومة كانت لإنهاك الرجل الذي نافس شعبية الملك وصار أيقونة قد تحرج التاريخ وتفرض المقارنة يعكسها عدم نزول أسهمه في بورصة السمعة والسياسة في عالم صار يشترط نزاهة المترشح قبل عرض البرامج كما يقع في الانتخابات الفرنسية التي يستعر فيه سؤال النزاهة ويخفق في اختباره الكثير رشوة ومحسوبية ووصولية وتسريّا. قاد الرجل  4 انتصارات انتخابية بلدية كانت أو برلمانية سنة 2009، 2011 و2015 و 2016 متحدثا عن شرعية الشعب مقابل شرعية السلطة، في رؤية طارئة عن تقاليد السياسة العربية الآسنة. كان رأس بنكيران هو المطلوب ترتيبا لإنهاء الربيع العربي وهو ما يؤكده تصريح نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحّد اليساري بقولها “الأطراف التي أفشلت عبد الإله بن كيران هي نفسها التي تساعد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المعيّن في تشكيل الأغلبية”. مضيفة أنّ: “الدولة بصدد إغلاق القوس الذي فتح مع الربيع الديمقراطي ومع حركة 20 فبراير”. وحقيقة ما واجهه بنكيران هو الطبيعة الثقافية والتركيبة البنيوية للنظام المغربي التي لا تسمح بتعدد مراكز إنتاج القوة، ولا بد أن يظل في عرفها الطارئ من السياسيين حاشية على متن الملكية والمخزن والسلطة الحاكمة والمتحكمة. صلابة الرجل وبلاغته واستعداده لوضع ما حيك بالليل على طاولة النهار دون مواربة وأسلوب “الحيلة في ترك الحيل”، كل ذلك ظل قاعدة فقهية أصولية لا تستجيب لواقع سياسة لم تعده يوما بالإكرام، سياسة عمّرت طويلا بالحيلة وأقامت سرادق عزّها بالمخاتلة والمفارقة بين القول والفعل تسويفا. بالمنطق العملي الديمقراطي وليس بالخطابات السياسية التي أشغلت الناس عن العمل والإنتاج الفعلي على الأرض خاطب بن كيران الناس بأّن “شعار الحقوق الجذاب” الذي يغازل به البعض الجماهير والذي يفترض فكرة الحقّ قبل الواجب كما قال المفكر الجزائري “مالك بن نبي” نتيجتُه السّعيُ خلف السّراب والخراب. فلابد “للواجب” أن يتفوق على “الحق” في كل تطوّر صاعد ومرحلة بناء تنموي. بدأ بن كيران بالضعفاء من الشّرائح الاجتماعية الشّعبية المغربية التي اشتد بها وقْر الفقر كالأرامل والعاطلين والمرضى وشمل برنامجه عشرات الاسر التي اذلّتها الخصاصة، وحافظ على نسبة نمو بلغت 4.8 بالمائة، أصلح نظام الضمان الاجتماعي الذي كان مهددا بالافلاس سنة 2025، واستطاع المغرب في عهد حكومته التقدم بـ 7 نقاط في مؤشر (Doing Business) الذي أصدره البنك الدولي في تقريره السنوي الصادر بواشنطن حول ممارسة الأعمال لسنة 2017 ومنه التقدم بـ 29 درجة منذ 2012، وأحرز بذلك المرتبة 68 عالميا من بين 190 دولة حيث تصدر دول شمال إفريقيا، زيادة على ارتقائه للمرتبة الثالثة على الصعيد الافريقي والرابعة في الشرق الأوسط. ولكن لم يكن يشفي أحزابا وقوى سياسية ويبرئ سقمها إلا تقليم أظافر الإسلاميين وإيقاف الربيع الديمقراطي المحرج للجوار الإقليمي والغربي ومنعا للتجربة من الرسوخ خاصة وأنها تمتلك نسقا ناعما في ربيع عربي عاصف انتهى بخطط التقسيم والانهاك المستمر للدولة والكيانات السياسية التي اندلعت فيها الثورات. فقد ورد على الصفحة الرسمية لحزب التقدم والاشتراكية الشيوعي المغربي “هل باتت نهاية بن كيران وشيكة؟” وكان السؤال الحقيق بالطرح: هل من صلاحية حزب أن يفرض على رئيس حكومة مكلف من الملك التعامل مع أحزاب وطرْد اخرى؟ وأي امتياز سيبقى لرئيس الحكومة اذا كان كل حزب يختار الأحزاب التي تشاركه في الحكم؟. لقد ثبت أنّ لحظة انسحاب الرجل لم تكن بفضيحة مالية أو أخلاقية، بل كانت بقرار واستراتيجية رُسمت للإنهاك أوّلا والإنهاء ثانيا، ويكفيه شرفا أنّ لحظة خروجه كانت مدخلا إلى الحل وليس للمشكل، وهو ما أكده رئيس تحرير صحيفة “الأيام” الاسبوعية المغربية واصفا الرجل بالرهيب والاستثناء في تاريخ الحكومات في المغرب معنونا مقاله بـ “شكرا سي عبد الاله”.

خاتمة

عرف الفضاء العمومي في المغرب نقاشات كبرى حول الحكومة لا سابق لها في تاريخه، وكان الجدل اختبارا للمؤسسات والأحزاب لتضع في الاعتبار إمكانية الانسداد في تشكيل الحكومات في حال عدم قدرة حزب على تشكيل حكومة بمفرده. ورغم ذلك لم يصل المغرب إلى أزمة مؤسساتية حقيقية تربك سير الدولة. كان دستور 2011 استثمارا حقيقيا من الأمة المغربية حكومة وشعبا ومؤسسات دستورية، وفيه تنازل الملك عن جزء من صلاحياته حتى استوى دستورا للأغلبية رأسماله الاستقرار والربح الذي يعود فيؤه على الشعب. قد يعتبر القبول بالشروط التي فرضتها الأحزاب الثلاثة ضعفا بل في غاية الضعف السياسي، أعلن اثره العثماني أنّ تشريك “الاتحاد الاشتراكي” قرار سيادي مما يعني تدخلا ملكيا في فرضه. وقد امتلك اثر ذلك “التجمع الوطني للأحرار” قوة تفاوضية ستجعله يطالب بالقطب المالي والقطب الاقتصادي. وهو ما يعني أنّ العثماني سيجد نفسه امام “عزالدين أخنوشّ” زعيم “الأحرار” الرقم الصعب في المعادلة الحكومية مرفوقا بصديقه “ساجد” من الاتحاد الاشتراكي. ولكنّ ما يجب الإقرار به هو أنّ القانون الانتخابي المصمّم سلفا للإرباك وأصوات الناخبين أفرزا المعادلة القاسية التي صار بها الفائز في الانتخابات محكوما بالحسابات الضيقة للخاسرين فيه. حاليا، أمام المغرب حكومة يجب أن تكون متناغمة مع رغبة المؤسسة الملكية في انتشار إفريقي جديد ورغبة حزب العدالة والتنمية في الابتعاد عن المعارضة والمشاركة في السلطة ومواصلة تجربة الدولة بعد الدّعوة في زمن صارت فيه كل الاحزاب المغربية رافضة لموقع المعارضة.

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة

شاهد أيضاً

“ما رأيك في الدكتور عدنان إبراهيم” ؟

بشير العبيدي #أقولها_وأمضي “ما رأيك في الدكتور عدنان إبراهيم” ؟ هذا السؤال كتبتْهُ لي أنامل ...

اترك رد