الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الثورة المضادة المرتزقة والعضاريت

الثورة المضادة المرتزقة والعضاريت

أبو يعرب المرزوقي

من سذاجة الجهل بطبائع البشر عدم فهم الدافع الخلقي لهذا التسابق نحو النداء داخليا وصف “الممانعة” خارجيا بوجهيه السالب والموجب: الجبن والطمع. فالانحياز لصف ثورة يبدو أن الجميع يتحالف ضدها يقتضي شجاعة نادرة والتسابقان نحو النداء فاتباع غريزة الطمع عادتها العاجل على الآجل دائما. لذلك فلا داعي للكلام الخلقي على هذه الظاهرة التي تفسر في تاريخ الثورات ظاهرة الرستوراسيون المباشرة بعدها بسبب ما يبدو هزيمة حاسمة للثورة.

فالثورات لها بالجوهر وجهان فعلي ورمزي.
والأول يتعلق بفاعلية الحدث العاجل دائما.
والثاني يتعلق بفاعلية الرمز الآجل.
والمتعجلون يكتفون بالأول.
والتعجل الذي يفسر التسابق نحو النداء داخليا وادعياء المقاومة خارجيا لا يكفي لفهمه وتحليله اختلاف زمانية فاعلية وجهي الثورة بحدثها وبرمزها.
فالمساعد عليه هو الصفتان الخلقيتان اللتان ذكرت:
الجبن أمام كلفة الثورة.
والطمع في جزاء من الثورة المضادة لمن ينتظر نصرها القريب: الرستوراسيون.

والرستوراسيون بعد ثورة الشباب مثلها مثل الرستوراسيون بعد الثورة الفرنسية ليست محلية فحسب بل هي كذلك إقليمية ودولية: من هنا نفهم التسابقين. فلا يحتاج إلى طويل تحليل أو عميق تأويل فمن له دراية بتاريخ الثورات ومعرفة بطبائع غالبية البشر بل هو من البديهيات. لكن عكسهما بحاجة للتعميق. فالشجاعة لتحمل كلفة الثورة والقناعة للصبر أمام اغراء الثورة المضادة لكونهما من نادر العملة بشريا ومن بعيد النظر فكريا هما سر التحول العميق.

وحتى يصبح هذان البعدان مقومين للأخلاق الجديدة فلا بد من فاعلية حدثية تتجاوز برمزيتها التاريخ القصير فتبدع سردية قيمية تحرك التاريخ المديد. وهذه السردية تحرر الجماعة من أخلاق العبيد -الجبن والطمع العدم الحقيقي- وتزرع أخلاق السادة الذين تحكمهم الشجاعة والوجود أصل الجود الحقيقي. وهذه السردية التي هي بالجوهر خلقية مصدرها معرفي وليس خلقيا مبنية على علم بالتحولات التاريخية الكبرى التي تغيب عن وعي أصحاب أخلاق العبيد.

والتحولات الكبرى تتعلق بالذات بالنوع الثاني من التاريخ أعني التاريخ المديد المتعلق بزمانية التحولات الرمزية وراء الأحداث الفعلية. فمثال أكبر ثورة عرفها تاريخنا -الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام- هزم فعليا فحصلت الرستوراسيون لكن ما زرعته من رموز بقي الأفعل إلى اليوم.

والدليل أن هذه الرموز هي التي تقاوم اليوم من يعادون الثورة التي ليست هي إلا صوغا حديثا لنفس الرموز: حرية الإنسان الروحية وحريته السياسية. فالثورة المضادة التي يفر إليها الجبناء والطامعون ليست شيئا آخر غير رفض الحريتين باستعادة الكنسيتين ونظريتي الحق الإلهي والطبيعي في الحكم.

الرستوراسيون في المحل هي استعادة الحق الطبيعي في الحكم للمتغلب على الشعب ضد ثورة الشباب المطالب بحكم الشعب لنفسه حتى يكون حرا وكريما. وهي في الإقليم استعادة الحق الإلهي في الحكم بنظرية الإمامة الشيعية التي تقود ما يسمى بالمقاومة وهو خدعة أشد فتكا بأرض العرب من إسرائيل.

ووراء هذين النوعين من الحكم بالحق الإلهي (إيران) والحق الطبيعي (بشار والسيسي إلخ..) استعادة الكنسية بصنفيها الديني والعلماني اساسا روحيا. فالنخب المساندة للثورة المضادة بمليشيات القلم (الصحافيين والمنظرين) وبمليشيات السيف توابع إما لكنيسة الملالي أو لكنسية الاحزاب الفاشية. فالنخب المساندة بالأفعال احتلال إيران للعراق وسوريا ولبنان والأحواز وتنتهك سيادتها وتستعبد شعبها عبيد رغم عنتريات مقاومة إسرائيل بالأقوال. ولا يمكن لمن يريد عودة الاستبداد والفساد بمظلة الاستضعاف والاستتباع لجبن وطمع أن يدعي حب الوطن أو احترام المواطن ويدعي مقاومة الإرهاب. فالإرهاب هو المعلاق الجديد الذي تعوض به الانظمة التي يريدون عودتها حجة المقاوم السابقة شماعة الاستبداد والفساد إرهاب المحمية التي تسمى دولة.

وما أعجب له هو أن بعض الصحافيين والمحللين كنت أتصورهم على الأقل حائزين على قدر من الذكاء يحول دونهم والركون السريع لظاهر الأمور فيتعجلون. فمهما كان الإنسان الذكي يشكو ربما من ضعف خلقي -الجبن والطمع- فإنه على الأقل يحسب المع والضد: فحتى لو تردد الغرب هل يطاول بوتين وإيران؟ وهب الرستوراسيون حصلت هل يمكنها أن تعيد الوضع على ما كان عليه؟ ذلك هو ما اعتبرته المفعول الرمزي العميق الذي سيضطر العائدين لسلوك آخر.

لن يصمد السيسي وبشار وحفتر والسبسي وغيرهم فيطاول ولن تطاول إيران وروسيا بل إن الثورة ستزلزل الأرض تحت أرجلهم: الهزيمة الرمزية آتية حتما. وليس ما أقوله من باب التفاؤل الساذج: فإيران وروسيا بلدان فاقدان لشروط القوة الفعلية والسلاح النووي لا يغير من الأمر شيئا ككوريا الشمالية. وشباب الثورة لا يمكن ألا يطاول حتى لو أراد: ذلك أن مصر وتونس مثلا ليس لهما ما يكفي لسد حاجاته الأولية ومن ثم فهو حتما سيهد المعبد. لم يعد أحد يرضى بما كان قبل الثورة ولم يعد أحد يستطيع أن يفرض ما يحاوله السيسي وبشار حاليا. وخيانة الثورة بدل خدمتها ستعجل باستكمالها. وكان يمكن لو لم تخونوها أن يكون استكمالها سلميا وبمنهج الإصلاح. لكنهم به ستفرضون استكمالها ثوريا وبمنهج التغيير الجذري. وقد اعذر من أنذر.

كم أعجب لما أسمع بعض مليشيات القلم يتكلمون على عودة الحرب الباردة وقدرة روسيا على منازلة امريكا: لا يقول هذا الكلام إلا جاهل بمقومات القوة. لا يهمها أن تنصر الثورة والا لاكتفت بمدها بالدفاع الجوي لتخرج روسيا كما حدث لما كانت أقوى. فدخل روسيا الخام لا يفوق كثيرا ميزانية جيش أمريكا. وبعد إفلاس العراق لم يبق لإيران ما يكفي لتعيل حرسها الثوري وشعبها من ثمانين مليونا ومن ثم فالمرجل بدأ يغلي في الداخل وستنكفئ وتنفجر بالمطاولة.

وليس للثوار خيار غير المواصلة وسيتعلم الشباب المقاومة الشعبية شرط المطاولة ليس في سوريا وحدها بل في كل بلاد العرب لعجزها عن سد الحاجات. فحتى أصحاب البترول صاروا عاجزين وهم يطالبون شعوبهم بما لم يعتادوا عليه بسبب أزمة البترول ووعي الشباب بحقوق الإنسان بأصنافها الثلاثة. وكل تلكؤ في الإصلاح تسريع للخيار الثوري. لذلك فكل المتعجلين للرستوراسيون جبنا وطمعا لن تبقى السياسة الطريق السريعة للإثراء إلا لحين. فاكرموا لحاكم قبل أن يهزكم الطوفان بتهديم البلاد وتيئيس العباد فتكونوا أنتم سبب الحرب الأهلية التي تتصورونها حلا يرجكم وهي نكبة على الجميع.

وأخيرا فيكفي شباب الثورة فخرا فضحه مليشيات القلم والسيف ودفعهم لشماعة مقاومة الإرهاب حفظا للاستبداد والفساد بسند الاستضعاف والاستتباع. لما اسمع مليشيات القلم الذين يقدمون باسم الخبرة والتحليل الاستراتيجي أتساءل عن عمدتهم في التفسير والتأويل: فلكان الأمور الاستراتيجية مزحة. فكون أمريكا ليست معنية بغير ما يحدث لاعتبارها مناسبا لأجندتها ظنوها خائفة من روسيا وإيران. ولأنهما منضويتان في خطتها ظنوهما معارضين لها.

هم يتصورون روسيا تعافت لأنها عوضت الحزب الشيوعي بمافية روسيا ورئيس الكا جي بي. والكل يعلم أن روسيا اقتصاديا وعلميا دون قوى أوروبية متوسطة. يعتقدون أن عنتريات بوتين بخردة السوفيات يمكن أن تخيف الغرب حتى لو كانت الصين معه ولقياداتها من الحكمة والذكاء ما لا يجعلهم يتهورون. ما حققه الرئيس السينمائي في سباق التسلح أدى إلى إفلاس السوفيات وإذا تهور بوتين فخاض السباق من جديد فتفلس روسيا نهائيا وتنقلب عليه المافيا.

ثم إن اضطرار إيران للاحتماء بروسيا ينطبق عليه المثل التونسي: “عريان مع عريان يتلاقاو في الحمام”. ولو لم يكن العرب خائفين من الثورة لكفوهما وزيادة. الثورة لا يعاديها محور المقاومة المزعوم وحده بل وكذلك الأنظمة العربية التي تمول الثورة المضادة بدليل ما يحدث في اليمن وعاصمته الثقافية. والزعم بأن الثورة مؤامرة غربية ووهابية يكذبه اهتمام الغرب عامة وإسرائيل خاصة بالمحافظة على بشار وبتمويل انقلاب السيسي وطمع مليشيات القلم.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد