الجمعة ، 17 نوفمبر 2017

مهمّة مراقبة

أمير تاج السر

كنّا في مهمّة مراقبة، هكذا نسمّى حين نؤمر بها، واحدة من المهمّات الممتعة لديّ ولدى زملائي من منتسبي جهاز الأمن الوطني، حيث لا حركة ولا ركض في الشوارع، ولا سؤال أو جواب… كنت في بداية حياتي المهنيّة، شابّا وخشنا ومدرّبا على استخراج خامات التآمر حتّى من نسمات الهوى وأجنحة الذباب وابتسامات الشفاه حين تبتسم.

وقد كلّفت بمراقبة الحزبي الراحل ( أ.س )، الذي ينتمي الى حزب ممنوع في البلاد، وكان ثرثارا كبيرا تحتشد حول ثرثرته الجماهير حتّى لو ثرثر في قعر بئر، وكان معروفا لدينا باصطياده للفقراء والمهمّشين وتدريبهم على لغة التمرّد والانتفاض، وتجنيد عدد منهم في حزبه الممنوع، ثمّ صمت فجأة. كان يمشي في الشوارع صامتا، يحيّي الناس ويردّ على تحيّاتهم في صمت، يأتي الى قصر الجميز كلّ مساء ليجلس في احد الأركان البعيدة صامتا، ويغادر صامتا، وفسّر صمته لدى المسؤولين في الأمن الوطني بانّه مؤامرة فاجرة ضدّ الوطن لا بدّ ستظهر نتائجها لاحقا، وعلينا احباطها. وجدته في ذلك اليوم غارقا في صمته الكبير، امامه كوب شاي ممتلىء لا يمدّ يده اليه، ونرجيله خبت نارها من دون أن يلمسها.

تتبّعت ذلك الصّمت، انغرست فيه ساعات حتّى غادر المقهى، وظللت أتتبعه وانغرس فيه اكثر من ثلاث سنوات، وأسلّم ادارتي في كلّ يوم تقريرا ممتلئا بتفسيرات معقّدة للصّمت كنت اخترعها بخيالي المحدود، حتّى رحل الرجل بأزمة قلبيّة، من دون ان يترك في دفاترنا حرفا ذا جدوى، لكنّى كرّمت يوم رحيله، ووصفت مهمّتي بالنّجاح.

روائي سوداني، رواية “صائد اليرقات”

شاهد أيضاً

عن موقف الديمقراطي إزاء المحاور

عزمي بشارة من أهم مآثر الثورات العربية قبل فوضى الثورة المضادة (التي قادها النظام القديم ...

اترك رد