الثلاثاء ، 21 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / رسالة مفتوحة إلى السيد راشد الغنوشي

رسالة مفتوحة إلى السيد راشد الغنوشي

الحبيب بوعجيلة

تحية طيبة تليق بمقامكم مفكرا اسلاميا وقائدا حزبيا.
أما بعد :

تمر الامة العربية والاسلامية بتحديات رهيبة تستهدف وجودها ومزيد تفتيتها واستهداف حقها في مقاومة العدو الصهيوني وتحرير مقدساتها وبناء تنميتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المستقلة. ولاشك أن تونس الصغيرة التي أصبحت مهدا لثورة رائدة كما ان مكانتكم في أوساط قوى الاسلام الحركي والفكري ودوركم في التوافقات الوطنية عوامل مجتمعة تسمح لي بالتوجه اليكم بهذه الرسالة التي اخترتُ أن تكون مفتوحة علنية بعيدا عن طلبات المواعيد التي لستُ ميالا لها ولا حضرتكم متفرغين لمثلها.

حضرة الأستاذ المحترم :
لاشك أن الأزمة السورية بلغت اليوم درجة من التعقيد والخطورة التي تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والحصافة الاستراتيجية لتجنب تداعياتها على عموم الأمة وحتى على شعبنا وانتقاله الديمقراطي الذي نحب فعلا ان يكون أنموذجا رائدا لكل الشعوب الطامحة الى ديمقراطية وطنية تخلصها من براثن الاستبداد وتخلص بلدانها من رهن قرارها الوطني وتمنحها في نفس الوقت القدرة على خوض المعركة الكبرى في التحرر الوطني الشامل.

تعلمون سيدي أن احدا لا يناقش حق الشعب السوري كشقيقه التونسي في الحرية والتعددية السياسية والتخلص من تسلطية الرأي الواحد والحزب الواحد غير أنكم تدركون لا محالة أن انطلاق المطالبة بالإصلاح في درعا أواسط مارس 2011 قد رافقها سريعا قدر كبير من الغموض لا يثبت فيه كثيرا زعم الاستهداف المسلح من طرف النظام الذي كان في التقدير الأقرب للصواب مدفوعا في سياقات “الربيع العربي” المظفر في تونس ومصر الى الانطلاق في اجراءات انفتاح واصلاح دعا اليها مباشرة حلفاؤه أنفسهم بما يدعم الاستقرار والوحدة الوطنية في بلاد تستطيع أن تباهي بانحيازها الى المقاومة الشريفة منذ عقود رغم ما يعانيه نظامها السياسي التقليدي من انسداد وانغلاق لا يستطيع فيه المباهاة برصيده الحقوقي.

لقد بينت الأحداث سريعا يا سماحة الشيخ أن القوى الاستعمارية والعميلة لها لم تنتظر كثيرا لتتوجه سريعا نحو فتح بلاد الشام للقتلة الارهابيين باسم “الاسلام والثورة والديمقراطية” ليتضح سريعا بشكل سافر أن المستهدف لم يكن “استبداد بشار” بل صمود سوريا وممانعتها وانحيازها لخيار اسناد المقاومة.

السيد راشد الغنوشي
يتضح تماما أن الحلف الخليجي التركي الذي تكون سريعا “لنشر الديمقراطية” و”نُصرة الثورة” أصبح رديفا موضوعيا عن قصد أو بدونه للانتقام الأمريكي الصهيوني من سوريا التي غادرت أواسط التسعينات مسار “مدريد” للتسوية المهينة التي أنتجت اتفاقات “أوسلو” المذلة ولواحقها من “واي ريفر” الى “كامب دافيد” الثانية و”العقبة”.

كان الاستهداف واضحا لسوريا التي قبلت أن تكون حاضنا وعمقا لوجيستيا للقوى المقاومة التي حققت انتصارها في تحرير الجنوب سنة 2000 وسوريا التي حضنت اللاجئين العراقيين بعد غزو بغداد وغضت الطرف في حدودها عن مقاومة عراقية وعربية من اطياف مختلفة ساهمت في هرسلة الغزاة الأمريكيين لبلاد الرافدين وهي سوريا التي أرادوا استهدافها في 2005 بقانون الكونغرس وقرار مجلس الأمن ولكنها رفضت طرد رموز المقاومة الفلسطينية من حماس والجهاد وظلت على اسنادها لحزب الله ليتحقق نصر تموز 2006 وانتصارات غزة وصمودها في وجه كل محاولات كسرها منذ 2009.

ان قراءة الازمة السورية في هذا التركيب الشامل يمنحكم اليوم كل مشروعية اسناد حل سياسي مشرف بين السوريين يحقن الدماء ويحقق الاستقرار ويحمي سوريا حاضنة المقاومة وسندها ولاشك أن صفحات الاستبداد وصراع النظام مع خصومه الايديولوجيين من اسلاميين ويساريين وليبيراليين لا تقل فداحة عن صفحات استبداد المخلوع بن علي مع فارق يمنحكم شرف اسناد مسار المصالحة والتوافق في سوريا كما دفعتم اليه في تونس وهو أن مصالحة المعارضة السورية ستكون مع نظام لا ينكر أحد شرف انحيازه الى أمته في صراعها مع عدوها الرئيسي رغم ما كان يمثله هذا الانحياز من مغامرة على بقائه كنظام.

ان اسنادكم بوضوح للحل السياسي سيساهم في دفع عدد كبير من الاسلاميين العرب كرقم أساسي في الأزمة السورية الى فرز أنفسهم على أعداء الأمة وحلفاء الصهاينة وعلى الارهابيين الناطقين باسم اسلامية أصبحت تخيف الديمقراطيين وتعطل كل انتقال حتى في تونس كما سيؤدي موقفكم هذا وما تتمتعون به من وزن في ساحة الفاعلين السياسيين بالمنطقة الى رفع كل غطاء عن العدوان على سوريا والذي يستمد فيه الغزاة وحلفاؤه كثيرا من “شرعيته” المزعومة من اسناد “اخوانكم الإسلاميين” و”أنصار الربيع العربي”.

ان الجراح التي فُتحت على امتداد عقود بين النظام السوري ومعارضيه من الاسلاميين بالخصوص لا تبرر التغافل عن الأخطاء المتبادلة بين الطرفين ولا تبرر تجاهل الخطر الذي يهدد سوريا وصمودها ظهرا للمقاومة بجميع أطيافها والاسلامية منها بالخصوص في فلسطين ولبنان ولا شك أن زياراتكم السابقة الى دمشق والعلاقات الممتازة التي فُتحت بعد انتصار تموز 2006 بين اتحاد العلماء المسلمين وبشار الأسد اضافة الى دوركم منذ أوائل الألفين في الحوار القومي الاسلامي تسمح لكم اليوم بتدخل حاسم يجعل تونس طرفا مهما في دفع المعارضة السورية الى طاولة جينيف على قاعدة الاتفاقات السابقة كما يجعل تونس الثورة طرفا مهما في عزلة الارهابيين وداعميهم من أجل حوار سوري سوري بعيدا عن التدخلات الأجنبية وأطماع الأعداء.

حضرة الشيخ راشد الغنوشي :
لا ينكر أحد أن الازمة السورية قد القت بالأمة العربية والاسلامية في أتون صراعات عرقية ومذهبية خطيرة تعيدنا الى عهود تاريخ مريع ومرعب ظننا أن الفكر الاسلامي والحركة الاسلامية المعتدلة قد تجاوزته من عقود بفضل جهد مفكريها من أهل المذهبين الأساسيين ممن كنت أنت واحدا من أقطابهم.

لا شك أن تباينات كبيرة في وجهات النظر وتقدير المواقف وسوء التفاهم قد راكمتها سنوات عديدة من التجاذبات في المنطقة بين العرب والجمهورية الاسلامية الايرانية. ولكنك أعلم الناس بان هذه التباينات والاختلافات لا ترقى الى درجة ان تصبح ألغاما لتفجير وحدة الأمة والقائها من جديد في نار التناحر المذهبي الذي لا يستفيد منه الا الصهاينة ولاشك أنك تدرك أكثر من غيرك أن ايران الثورة التي أعادت فلسطين الى قلب اهتمامات الشعب الايراني وأن ايران الخميني الذي اعتبرته في كتاباتك واحدا من قيادات الامة ومصابيح نهوضها لا يمكن ان تتحول بجرة قلم الى عدو يعوض عداوتنا للغاصب الصهيوني مهما اختلفنا معها في ترتيب القضايا الاقليمية بل ان أحدا لا يستطيع انكار دورها في اسناد المقاومة ومساندتها في الأشهر الأولى للثورتين التونسية والمصرية واستعدادها للدفع نحو انفتاح معقول في سياسات حليفها النظام السوري.

ان كثيرا من الكتاب والنشطاء والقيادات المحمولة على تيارك وافكارك يشتغلون اليوم بجهد غريب على استحضار قدر رهيب من غرائزية التمذهب ويصبون الزيت على نار الفتنة المذهبية ولا شك أن موقفا حاسما من سماحة فكركم ستغلق الباب أمام هذه الهاوية السحيقة التي ينحدر اليها المحسوبون على الحركة الاسلامية في تونس والعالم العربي.

ان جهدا مسؤولا من طرفكم يلتحم مع جهود مشائخ محترمين من أهل السنة والجماعة ومن الفاعلين في الحركة الاسلامية من أمثال الشيح ماهر حمود اللبناني وأحمد الملا العراقي وباقي علماء الوقف السني العراقي المبارك اضافة الى جهود مفكرين اسلاميين مثل الدكتور محمد عمارة ومنير شفيق.. كل ذلك من شانه ان يطفئ نار التمزق ويعيد العقول الى هدوئها وبوصلتها. ان هذه المنطقة الممتدة من مراكش الى حدود جاكرتا تنعم بسماحة التوحيد المحمدي وبحرارة الأخوة مع أتباع المسيح وغيرهم ممن هادوا أو استغرقوا في روحانيات آمنة على أرض الاسلام الحنيف يمكن ويجب أن تكون بحيرة سلام عقائدي فعال يداوي جروح انسانية دمرتها مادية الربح والحرب والهيمنة.

الأستاذ راشد الغنوشي :
ان مسؤوليتكم اليوم عظيمة في عقلنة طيف واسع من شباب وأتباع التيار الاسلامي المعتدل في العالم العربي حتى لا يكون وقودا أو مبررا لاستهداف الامة باسم معارك مغلوطة ضيعت بوصلتها وان مسؤوليتكم كبيرة في رفض اضفاء أي مشروعية على أطماع قوى استعمارية ونظم عميلة ورجعية لا نحفظ لها صفحة واحدة من شرف اسناد الأمة في معركتها الرئيسية. ان وضوحا في دعم المسار السياسي في سوريا وان جهدا صريحا في ايقاف التشنج المذهبي لدى رموز وناشطين من أصدقائكم واتباعكم ومحبيكم في تونس والعالم العربي لكفيل بحفظ الأمة ومزيد ترسيخ التجربة التونسية فكرا وعملا كنموذج جاذب ومطمئن في نفس الوقت للتيارات المختلفة عنكم في اتجاه وحدة وطنية بين كل تيارات الأمة وما عدا ذلك سيكون المستقبل العربي مجالا للاحتراب والمواجهات الموجعة للجميع.

شاهد أيضاً

تونس ما بعد ثورتها: هل كان ممكنا أحسن مما هو كائن؟ (1)

نور الدين الختروشي (الجزء الاول) “إذا أردنا أن نختصر التجربة في جملة واحدة فإننا نقول ...

اترك رد