الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / مافيـــــة الإنقاذ – القسم الأول

مافيـــــة الإنقاذ – القسم الأول

أبو يعرب المرزوقي

جبهات الانقاذ العربية في طبعتها جربت في مصر فكان السيسي وجربت في تونس فكان السبسي.
ويبدو أن الطبعتين أثبتتا نجاحا منقطع النظير بدليل طبعة ثانية.
لن أسأل عما ينقذونه ولا مم ينقذونه فالنجاح الباهر في مصر وفي تونس كاف وزيادة.
ما أريد بيانه هو طبيعة المنقذين ولصالح من يتحركون وما أفقهم؟

عادة الطبعة الثانية تتضمن تصحيحا للطبعة الأولى ومن ثم فالبرنامج واحد والسعي هو لإصلاح أخطاء الطبعة الأولى ومراجعة سياسة التسويق بوجوه جديدة.
وسياسات التسويق الحديثة -ذلك أن معركتهم تجري باسم الحداثة- تقتضي توظيف المرأة الفاسدة والمال الفاسد والمخابرات التابعة لمواصلة مهمة التحضير.
بهذا التعريف يمكن القول إن جبهات الإنقاذ تمثل الطبعة الثانية من مواصلة سياسة التحضير المستبد ولذلك فأصحابها في تونس يدعون بورقيبية محدثة.
والمعلوم أن دعوى الإنقاذ الأولى أو انقلاب ابن علي كانت محاولة لإنقاذ إفلاس البورقيبية الأولى وعجزها في مهمة التحضير الاستعمارية: ثورة الشباب.
والمعلوم أن دعوى الانقاذ الثانية مشلولة لأن السبسي ونظامه أفلس إذ بدأ بما انتهى به نظام بورقيبة مع ما انتهى به نظام ابن علي: حرب المافيات.

جبهة الانقاذ الثالثة هي محاولة انقاذ الانقاذين السابقين:
ما فشل فيه بورقيبة وما فشل فيه بن علي وما فشل فيه السبسي لن ينجح فيه فروخ العمالة.
وما يعنيني ليس الكلام على هذه المحاولة الثالثة بل على علل الفشل الذي بقيت نفسها في البورقيبية الأولى والابن علوية والسبسية:
ما الذي يعوقهم؟
وطبعا ليس قصدي مساعدتهم لذواتهم بل مدهم بفرصة مراجعة أنفسهم لعلهم يعقلون. ذلك أنهم لن يستطيعوا واحدا في المائة مما حاوله كبار الحركيين قبلهم. وسأبدأ بشعاراتهم القولية قبل الكلام على منجزاتهم الفعلية.
وأصل شعاراتهم كلها هو “نموذج العيش” والتنافي المزعوم بين الحداثة والإسلام.
فهذان الأصلان بحد ذاتهما يحولان دونهم وأي نجاح ممكن:
فهبنا سلمنا لهم بأن نموذج العيش الذي يريدونه مغر فهل لهم القدرة على تمكين الشباب منه؟
فهو نموذج مكلف وهم لا يستطيعون تحقيق إلا فترينة منه كما فعل بورقيبة بشرط إهمال بقية الشعب أي تسعين في المائة منه:
هذا ممكن بالدكتاتورية فحسب.
مطلبهم متناف مع أدنى حد للديمقراطية بعد ثورة الشباب.
ومسموعيتهم رهن عمل الحزب الذين يتحدون ضده بدعوى إنقاذ تونس منه بهذه الورقة الحاسمة.
أما الشعار المترتب عليه فهو دعوى الحداثة والتنوير في مقابل الإسلام والظلامية.
كون تصورهم رهن العنف والدكتاتورية يلغي دعوى الحداثة والتنوير.

ولكن فلنفرض أن موكليهم قد يساعدوهم على توسيع الفترينة لتشمل خمسة في المائة إضافية من العملاء والازلام فما علاجهم لأمية تابعيهم وكلبيتهم؟
لم أر من بين تابعيهم من يمكن أن يدعي أنه بحق يمثل قيم الحداثة والتنوير فضلا عن شروطها النظرية والعملية: فهذه كلها صارت بحق في صف الإسلاميين.
مشكلهم أنهم يتوهمون أن الإسلاميين اليوم في نسبتهم إليهم ما زاولوا في نسبتهم لما استولى بورقيبة على الحركة الوطنية: الدروشة والتخلف في صفكم.
فلا يمكن بالانتهازيين والمراهقين الذين لا تتجاوز مستوياتهم كتابة التقارير للمخابرات أن تكون أحزابا سياسية والاتحاد تعلم الدرس: سيعود حشاديا؟
لم يعد وجود للعاشورية التي أنقذت بورقيبة والحسينية التي أنقذت السبسي.
تعلم النقابيون أن مستقبلهم مع الشعب حشاديا لئلا يغرقوهم الحركيون.

كانت تبعية لفرنسا وهي اليوم تبعية تجمع بين فرنسا وكل أعداء الثورة من أنظمة العرب العسكرية والقبلية ونظام الملالي وإسرائيل لإفشال الثورة.
والثورة لها بعدان:
• مباشر هو الحرية والكرامة
• وغير مباشر هو شروطها وأهمها المصالحة مع الذات والتحرر من التبعية لمهمة التحضير الاستعمارية.
الثورة جمعت بين مستوين:
• مباشرة هو حقوق الإنسان.
• وغير مباشر هو كيان الإنسان.
فلا معنى لحقوق الإنسان من دون استرداد مقومات الكيان والوجدان.
لذلك فمن تكونون جبهة إنقاذ ضده لا يحتاج لعناء كبير حتى لا يبقي لكم إلا فتات الحركيين والعملاء من مرتادي السفارات والخمارات وتجار المخدرات.
والشرط الوحيد الذي ينبغي تحقيقه لهزيمتكم النكراء عدم تخلي قيادات الاستردادين عن بعدي الثورة:
مقومات الكيان وحقوق الإنسان بقيادة شباب الثورة.
وإذا لم تحقق الاحزاب الأصيلة هذا الشرط فهي قد قدمت العاجل على الآجل طمعا في الرئاسة ومقاسمة المافيات الذين يريدون ترذيل الثورة والسياسة.

لن أسمى أحدا ممن رأيت في الصورة الجماعية لأدعياء الانقاذ.
أعرف جلهم وأعرف أنهم من الرحالة بين الأحزاب ومنهم من سماهم أحد الممولين بالكلاب.
كما أن لن أسمى الأحزاب التي يستهدفها هذا الانقلاب الداخلي في النداء.
فمنهم من يمكن أن يكونوا صادقين ممن اعتزلوا انحرافات الدستور الأول.
فهؤلاء هم من اعتبرتهم مثل الإسلاميين من شجرة واحدة هي التي كانت تؤمن بالمصالحة بين الأصالة والحداثة ثم انقسمت بالمزايدة والاغراء الاستعماري.
وهؤلاء مع الإسلاميين واليساريين والقوميين والليبراليين الذين يؤمنون بأن تونس يمكن أن تحقق في آن مقومات الكيان وحقوق الإنسان فتعيش في أمان.
فإذا تم ذلك حتى لو كانت قلة الدستوري واليساري والقومي تجمع بين هذين البعدين فإن اجتماعهم مع الإسلاميين شرط الانقاذ الحقيقي من المافيات.
فالخطر الإرهابي فرع من الخطر المافياوي وليس العكس:
هو من أدوات المافية الداخلية وموظفيها من الخارج للتهريب والتهرب ولخدمة أجندات الأعداء.
من دون هذه الجبهة تونس مقبلة على سواد.
فليبادر أكبر حزب مستهدف حاليا والقلة من الدساترة واليسار والقوميين والليبراليين بمشروع الإنقاذ بحق.
كل طمع في مواصلة المشاركة الذليلة في حكم آيل إلى السقوط لن تجدي نفعا فجبهة اللصوص والعقوق تستعد للانقلاب على حقوق الشعب واستحقاقات الثورة.

مافيـــــة الإنقاذ – القسم الثاني

الكتيب : http://pubhtml5.com/tyji/tzad

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد