الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / في الدفاع عن هيئة الحقيقة والكرامة ضدّ الكهنوت…

في الدفاع عن هيئة الحقيقة والكرامة ضدّ الكهنوت…

نور الدين الغيلوفي

1. بعض العلماء بالدين يمنعون عنك التفكير معهم وينكرون عليك نقد مقولاتهم كما لو كان ما اكتسبوه من علم قد درّبهم على أن ينطقوا من عند السماء.. ومتى خرجت عن مدارهم قد يتهمونك بأشنع النعوت أقلّها أنك تثير الفتنة..

2. وبعض الباحثين في النصوص والعقائد وعلوم الأديان من جماعة المنهجيات الحديثة يستولون على منتج الحداثة ويحتكرون العقلانية والموضوعية ويلتحفون بالتحرير والتنوير ويمنعون غيرهم من الاقتراب من مملكتهم ولا يرضون لأحد بمناقشة أفكارهم كأنّ الحداثة قد اصطفتهم والعقلانية قد اجتبتهم فلا ندّ لهم ولا محاور إلّا أن يكون تابعا يردّد ما يقولون يجيزونه كلّما رضوا عنه ويمنعون أنوارَهم عنه متى لم يوافقهم مذهبهم…

3. وبعض الملتحفين بالحداثة ودعاة التقدّم ينكرون على غيرهم الاقتراب من مدارهم ويرفضون نسبته إلى وهمهم.. فهم يردّونه مهما فعل ومهما بالغ في التقرّب إليهم.. ولو خرج مخالفهم من جلده ما عرفوه وما اعترفوا به…

4. وبعض من يظنّون أنفسهم قد انفردوا بالسياق الوطني لا يرضون بأن يكون كلّ من خالفهم معهم ولو رتّل على مسامعهم قرآنهم وتلا على العالمين بيانهم وأقسم بأغلظ الأيمان أنّه من جندهم وحاشية سلطانهم..

5. وحتى أولئك الذين بنوا تصوراتهم ومعتقداتهم على نظريات علميّة خاطئة رفضوا التطور باتجاه الاكتشافات الجديدة وظلت الأرض لديهم مسطّحة مركزا للكون.. فماذا لو أن العالم حافظ على التصوّرات الوهمية القديمة ولم يسفر عن وجه الحقيقة درءا للفتن وتجنّبا للاختلال وما قد يستتبعه من قلب للعقائد وهدم للتصوّرات؟

6. وبعض الباحثين في التاريخ بالجامعة التونسية يصدرون عن المنطق نفسه عندما يدّعون أن “للتاريخ رجالا يحمونه” كما صرّح بعضهم.. فمن هم هؤلاء الرجال الذين يحتكرون التاريخ؟ وممّن يحمونه؟ وهل بات التاريخ أصلا تجاريا مقصورا عليهم دون سواهم؟ وهل أمكنهم حماية التاريخ وقد عبثت به السلطة السياسة المتغلبة التي نجحت بالترغيب والترهيب في أن تجعل غير قليل من هؤلاء موظَّفين لديها يسهرون على السردية التي تفرضها.

7. لقد فرضت دولة الاستقلال على المجتمع رواية للتاريخ ونشرتها بين الناشئة في المدارس والباحثين في الجامعات ومنعت الروايات الأخرى من الظهور إلى الواجهة.. وكما يفعل كلّ متغلّب فرضت السلطة السياسية التي آلت إليها أمور البلاد بعد استقلالها روايتها لتاريخ الحركة الوطنية وقمعت روايات أخرى ولم تسمح لها بأن تكون “خطأ يحتمل الصواب”.. واكتفت بـــ”صوابها” الذي لا يحتمل الخطأ..

8. وحتّى لمّا سُمعت الشهادات المغايرة من أنصار الزعيم صالح بن يوسف رحمه الله ظلّت في أروقة البحث الأكاديميّ، لا يُسمَح لها بأن تُتداول بين الناس حتى من باب ترجمة الاختلاف الذي تحتاجه مجتمعات الزمن الحديث. فكأن القراءة، حتى تكون منسجمة، ينبغي أن تكون موحَّدة ولو كان التوحيد مفروضا بعنف الدولة.. وبذلك ظلّ تاريخنا المعاصر ملتبسا إلى حدّ كبير بفعل احتكاره من قبل دارسي التاريخ داخل أروقة البحث الجامعي كما لو كان التاريخ علما “مضنونا به على غير أهله”.. ومتى أراد أحد من غير المؤرخين الاقتراب منه رُدّ ردّا غير جميل ومُنع كما يُمنع التقاط صورة قرب ثكنة عسكرية في أثناء حرب دائرة الرحى.

9. لا أظنّ أن هيئة الحقيقة والكرامة بعرضها لشهادات الضحايا تستهدف إعادة كتابة تاريخ تونس وإحلال رواية محلّ أخرى.. فليست كتابة التاريخ من مشمولاتها على كلّ حال وإن مكّنت بعض ضحايا التاريخ من سرد روايتهم للوقائع وإسماع أصواتهم بعد أن كُتمت زمنا طويلا.. على أنّ الشهادات التي تابعناها في جلسات الاستماع العلنيّة لضحايا العهدين السابقين كانت بحق شهادات حيّة لشخصيات تاريخيّة معروفة عاشت لحظة الاستقلال وما رافقها، ولكن روايتها بقيت حبيسة الصدور.. وحتى لمّا ذُكرت تلك الشهادات ومثيلاتها ظلّت بين دفّات الكتب..

10. لقد أذنت هذه الهيئة الدستورية بسماع تلك الشهادات التي تُقدّم رواية أخرى لم تستطيع أن تخرج إلى النور إلّا بفضل مناخ الحرية الذي صارت إليه البلاد في عهد الثورة.. ولا أظنّ أن هذه الرواية تريد أن تلعب اللعبة ذاتها فتفرض نفسها بديلا عن الرواية الأخرى التي ظلّت متغلّبة زهاء ستين عاما من تاريخ البلاد.. وقصارى ما يمكن لها فعله أن تقدّم سردية أخرى محاورة للسردية المتغلّبة تعيش معها ولا تلغيها.. والتونسيون يحتاجون إلى سماع الروايتين ثم يكون بعد ذلك للمؤرّخين أن يحسموا الأمر حسما علميا ويكتبوا لنا تاريخنا بالموضوعية التي نريدها شعبا موحّدا لا يؤلّه زعيما من زعمائه ولا يشيطن آخر…

11. ولكن المتابع يحتاج أن يتساءل من موقع الحريص على تبيّن الحقيقة التي يعمل المتغلّب عادة على أن يلوّنها بلونه ولو اقتضى الأمر منه بعض التزييف والتبديل.. فما ضرّ لو أنّ الشعب التونسيّ سمع رواية أخرى لتاريخه تختلف في كثير أو قليل عمّا كان سائدا؟ ألم تقم في البلاد ثورة تستهدف إرجاع الأمور إلى نصابها وتعمل على كشف الحقائق ومداواة الجراح وإنصاف المظلومين؟

12. كثيرا ما يقال عن التاريخ إنّه يكتبه المنتصر.. وكان أحرى أن يقال: التاريخ يكتبه (المتغلّب).. ذلك لأن الانتصار لا يخلو من شرف.. وشرف المنتصر يستدعي إنصاف المغلوب لا إلغاءه.. والشرفاء لا يزيّفون الحقائق لا سيما إذا كانوا منتصرين.. والأقوياء الواثقون لا يخشون الحقائق ولا تُفزعهم الأكاذيب.. أمّا المتغلّب فقد يستعمل، ليحسم المعركة لصالحه، وسائل غير شريفة لذلك يحتاج إلى تزوير بعض الوقائع والقفز على بعض الحقائق..

13. تذكر شهادات المقاومين أنّ 80% من الشعب التونسي كانوا في صفّ الزعيم صالح بن يوسف أمين عام الحزب الحرّ الدستوريّ التونسيّ الجديد في اختلافه مع رئيس الديوان السياسي الحبيب بورقيبة يتبنّون مقاربته الوطنية.. ولكنّ الرواية السائدة رفعت شأن بورقيبة واستبعدت صالح بن يوسف استبعادا تاما.. أفلا نحتاج نحن التونسيين بيانا للوقائع وتوضيحا للحقائق بدل أن نبقى على حال التنابذ والتنافي التي ورثناها عن حقبة الاستقلال؟ أليس من حقّ أنصار صالح بن يوسف أمس واليوم أن يطالبوا بحقّهم في الاختلاف؟

14. أليس من حقّنا أن نقول إن الزعيم الحبيب بورقيبة قد تعجّل حسم الخلاف مع خصمه الزعيم صالح بن يوسف باعتماد العنف والإقصاء، وقد كان أحرى به أن يكون ديمقراطيا وهو يعتزم إقامة النظام الجمهوريّ في البلاد؟ لقد كان حسم الخلاف ممكنا باعتماد الحوار الديمقراطيّ، ولكنّ بورقيبة اختار الاستئصال طريقا للحسم.. ولمّا تغلّب على خصمه باعتماد العنف فقد كُتب في التاريخ مجاهدا أكبر في حين ظلّ جثمان بن يوسف منفيا وكُتب في التاريخ غائبا…

15. إنّ هيأة الحقيقة والكرامة لا تعتزم كتابة التاريخ ولا إلغاء الرواية البورقيبية للوقائع.. ولكنها تنبش فيه (التاريخ) وتنير الزوايا المعتمة منه..
والآن يتّضح لنا بفضل تلك الشهادات جزء من الحقيقة أغرقته دولة الاستقلال في العتمة.. والآن نعرف سبب شراسة خصوم هيأة الحقيقة والكرامة.. إن هؤلاء لا يريدون الحقيقة ويستمرون في فرض سرديتهم.. وذلك من شأنه أن يعيد إنتاج التناقضات القديمة بدل أن يقود الفرقاء إلى أرضية الحوار الذي من شأنه أن يداوي الجراح ويكسب الوطن مناعته..

16. لا توجد رواية مقدّسة للتاريخ.. وكلّ الروايات نسبيّة لأنّك قد تجد من ينقضها.. لذلك نحتاج أن نسمع الصوت الذي يقول: إن بورقيبة لم يكن بطلا خارقا واحدا أوحد.. إنّما كان مجرّد فاعل في معركة التحرّر الوطني.. لم يكن أفضل من خصومه ولا أنبل من منافسيه.. وليس في هذا القول تخوين ولا تأثيم ولكنّه ردّ على منطق التأليه الذي يجعل منه مبعوث السماء ويُخرجه من التاريخ وقوانينه.

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد