الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / اليسار العربي وأوهامه الإيدولوجية

اليسار العربي وأوهامه الإيدولوجية

أبو يعرب المرزوقي

علمت اليوم أن للعرب بقية باقية من الديناصورات. وسمعت أحدهم يمجد سعيهم للقاء دولي في تونس يتبناه اليسار العربي ممثلا بأربعة أحزاب يسارية تونسية ما أظن القوميين بعد أن فهموا الأحداث منهم.
ركز المتكلم من الوطد على أمجاد اليسار ومعركته مع ما يسميه الحركات العربية التقليدية التي يمثلها في منظوره الحركات الإسلامية لأن الحركات القومية التي يتكلم عليها تجاوزت اليابان حداثة.
أذهلني ما أشار إليه من نتائج لليسار العربي وثوريته وإشعاعه المحلي والإقليمي والدولي فازددت يقينا بأن المراهقة ليست محدودة بسن ولا بجيل.
والأغرب من ذلك كلامه على الديمقراطية والسيادة الوطنية. فمن لا يزال خادما للأحزاب الفاشية والعسكرية ممن باعوا الأوطان ولعل الذروة تأييدهم لوحشية نظام الأسد.
فلا تكفيهم فاشية الانظمة العسكرية والطائفية التي هم تبع لها ولا يكفيهم أنهم أصبحوا في خدمة الطائفية الشيعية العالمية احتاجوا إلى الاحتماء برئيس الكا جي بي الذي هو زميم المافية الروسية.

وهكذا فاليسار العربي -ولست أدري ما العربي فيه- يجمع بين اللعنات الخمس:
• الفاشية.
• والعرقية.
• والطبقية.
• والحرب على أبعاد الإنسان الروحية.
• مع كذبة السيادة الوطنية على ألسنة ديناصورات اليسار.

ورث القوميون الذين أفسدوا وحدة الأمة فكانوا بداية التفتيت الذي يتهمون الغرب به.
فمن يريد فرض قوميته على القوميات الأخرى في نفس الأمة يفتت الجماعة حتما.
قبل هذه اللعنة لم يكن الكردي ولا الأمازيغي ولا أي قومية أخرى -إذا ما استثنينا من يعاني من مرض الشعوبية- يعادون القرآن ولغته فيعتبرونه إيديولوجيا عربية لاستعمارهم الثقافي والديني.

لم يكفهم التفتيت العربي فأضافوا التفتيت الطبقي بالماركسية البدائية رغم فشلها الذريع بدليل مصير الاتحاد السوفياتي ويدعون بها حماية العدل والسيادة وهي علة فقدانهما.
لم يكفهم ذلك كله وهاهم يعتبرون معركتهم متمثلة في الحرب على ثقافة شعوبهم: حربهم ليست على الظلم ولا على الاستبداد ولا على الفساد بل على الإسلام.
وختاما فما رأيت في حياتي أكثر مراهقة من ديناصورات اليسار العربي والقوميين: فأغلب قياداتهم المتورطة مع الأنظمة الفاشية يعيشون في عصر عنصرية الفاشيات الاوروبية يمينيها ويساريها فكانوا ولا يزالون ورثة الاستعمار لأداء مهمته التحضيرية التي هي قتل كل الحضارات وفرض النموذج الوحيد سواء كان رأسماليا أو شيوعيا.

وعندما أقول “مراهقة” فقصدي أن الأمر لا يتعلق بقضية خلقية -إذ لا أتهم أحدا من دون دليل رغم وجود من هم بحق عملاء- بل أعني قصورا ذهنيا يجعلهم يصدقون خرافاتهم الإيديولوجية.
فعندما أرى يساريا يدعي أنه عربي -وهو موقف متناقض لأن اليساري من المفروض أن يكون قد تجاوز العرقيات- يرغد ويزبد معتقدا أنه يملك الحقيقة وأنه تقدمي وحداثي وأن كل ثقافتنا متخلفة ورجعية ينبغي محاربتها أقول “لا حول ولا قوة إلا بالله”.
فإرغادهم وإزبادهم دليل جهل بالغرب وبحضارته وغفلة فلسفية يرثى لصاحبها لأنهم يتنازلون عن أفضل القيم وينكصون إلى الفاشية والعرقية والطبقية: فهذه كلها ثقافتنا بريئة منها بدليل أن جل مبدعيها من جميع الأعراق لا فرق بينهم.
ولعل أكبر العاهات التي ورثوها من هذه الإيديولوجيات هي التي تحول دون كل إمكانية للنهوض المحقق لما يدعون الكلام عليه أعني السيادة الوطنية والحرية والكرامة وهلم جرا.

وسأكتفي بعاهتينى منها: إيديولوجيا الدولة الحاضنة وإيديولوجيا التربية والتعليم خدمات لا قيمة لها بدعوى المجانية.
فإيديولوجيا الدولة الراعية ومجانية التعليم لا تعني إلا الحط من مستوى الخدمات كلها وأهمها أساس كل الخدمات أعني التعليم الذي يكون الإنسان.
فما جعل التعليم محوا للأمية ومنعا لشروط كل تقدم هو الاستهانة بالخدمات التربوية وخاصة بالقائمين عليها من نسائها ورجالها: فمجانية التعليم هي التي تجعلهم باسم العدل والمساواة يقضون على شروطهما: إنها المساواة في الخصاصة والانحطاط الخدماتي.
ذلك أن مجانية التعليم تعني تردي مستوى المدرسين وفساد البنية المدرسية عامة وجعله مقصورا على عامة الشعب وحصر القيادة والريادة في أبناء الأغنياء الذين يتعلمون عن من يعتبرونهم سادة فيبقون الأمة تابعة للاستعمار قديمه وجديده.
أما لو كان التعليم بمقابل يدفعه الجميع فإن كلفته ستكون في المتناول ويكون التعليم راقيا للجميع وكل من يريد تعليما خاصا فعليه أن يدفع الضعف: واجب المشاركة في كلفة التعليم العام مع ما يدفعه للتعليم الخاص إذا احتاج إليه.

أما الدولة الحاضنة فهي اساس الدكتاتورية والفاشية والتواكل فيكون الجميع عملة لدى النظام فتصبح الدولة حزب المستخدمين فيزول مفهوم المواطنة. والدولة السوية هي التي تقوم بوظيفتين لا غير:
حماية الجماعة داخليا (بعضها من بعض) وخارجيا (ممن يعتدون على حقوقها).
ورعاية إنتاج الجماعة لسد حاجاتها بتوفير الشروط أو البنى الأساسية كما سنحددها.
فالدولة تخدم الجماعة ولا تستخدمها فتستعبدها. وتلك هي علة فشل الشيوعية: فهي تدعي بالأقوال إزالة الدولة التابعة لطبقة لكنها بالأفعال تعوضها الدولة التي تخدم كنسية الحزب الشيوعي والنوموكلاتورا الحزبية المافياوية.

تلك هي أحلام اليسار الذي يدعي أنه عربي: حال الأمة من تفتيت وتخلف وفاشية ودكتاتورية من ثمرات الأنظمة التي يدافعون عنها في النصف الأخير من القرن الماضي.
تلك هي العلة التي جعلتني أصفهم بكونهم ديناصورات مراهقة أقوالها عكس أفعالها. وتلك هي علة اعتباري ما يبشرون به دليل مستوى عقلي صبياني مراهق لا يدري شيئا عن شروط التنمية المادية والروحية للجماعات التي تكون الدولة في خدمتها بدل العكس.
ولن يكون في إرجاع الإنتاج المادي والرمزي للجماعة أي كل وظائف الرعاية وحصر مهمة الدولة في وظائف الحماية إخلال بالعدل والمساواة بل بالعكس.
ذلك أن اعتماد الجماعة على نفسها يحد من سيطرة الدولة على المواطن فيحقق شروط الحرية التي هي سر كل إبداع يحد من الفقر ويحقق المساواة الحقيقية.
وحينئذ لا يبقى إلا الفقر والحاجة التي ليس فيها على صاحبها حرج بسبب ما يعاني منه من عاهات ليس هو مسؤولا عنها (أصحاب الحاجات الخاصة: بدنية أو نفسيه) فيكون ما خصصته نظرية الدولة القرآنية من واجب الرعاية لأصحابها كافيا وزيادة.
والتعليم والتربية هما شرط الشروط في كل إنتاج مادي ورمزي تحتاجه الجماعة. ومن ثم فلا بد من ضريبة خاصة به يدفعها الجميع بتناسب مع قدراتهم المادية والرمزية.
وذلك هو العدل وليس المجانية التي تحط من مستوى الخدمة في أعين الناس ومن ثم يتردى مستوى القيمين عليها فيكون أهل التعليم أذلاء لا وزن لهم ولا كرامة ما قد يدفعهم لحلول جانبية تمس كرامتهم وأخلاقهم.
فإذا ارتفع مستوى المعلمين والمدرسين والباحثين وتجهزت المدرسة بصورة تجعل الجودة الراقية التي تعلم كل الوظائف بأفضل المناهج ليتحقق الإبداع تصبح الأمة قادرة على إنتاج مادي ورمزي يحقق لها الاستقلال وعدم التبعية وتلك هي شروط السيادة الحقة.
فهي بذلك نتحرر من أكبر عائقين جاء بهما الفكر اليساري الذي يدعي المساواة والعدل ويمنع شرطيهما. فمساهمة الجميع في الإنتاج تكون بالعلم والعمل المبدعين وليس بمحو الأمية التي تجعل الشباب يعزف عن كل الأعمال عدا التوظيف الرسمي الذي هو بطالة مقنعة.
فلا عمل منتج ومبدع من دون تعليم راق ولا رقي للتعليم من دون تجهيز مؤسسات التعليم بأدواته الأرقى (المكتبات والمخابر والمتحاف) وتحسين مستوى المعلمين ولا يمكن تحسينه من دون أجر يليق بهم: وهذا مستحيل في جماعة غير منتجة وبطالة مقنعة.

فالوظائف التي تتجاوز الحد الادنى للإدارة الناجعة بطالة مقنعة في الدولة التي تصبح في الحقيقة استرزاق لذوي الجاه والسلطان على حساب الأمة.
وليكن مثالنا إضافة إلى إدارة مؤسسات الدولة (الحكم وما يترتب عليه من وظائف) الشركات الوطنية. فهي في الحقيقة مثقلة بوظائف زائفة لأهل الجاه فهذه الشركات يمكن أن تعمل أفضل بنصف موظفيها (مثال شركة الطيران أو مؤسسات النقل أو الكهرباء والماء).
وبدلا من أن تكون مدرة لثمرة تفيد الخدمات العامة التي تتكفل بها الدولة تصبح عالة عليها. والخدمات التي تتكفل بها الدولة وظائف استراتيجية. وكونها استراتيجية هو دورها في تيسير الحماية والرعاية:
البنية التحتية للمواصلات وللاتصالات والشروط الدنيا لبقاء الجماعة أي الغذاء والدواء فالوظائف الاستراتيجية التي تتكفل بها الدولة خمس:
1و2 – البنية التحتية للمواصلات وللاتصالات
3و4 – البنية التحتية للغذاء والصحة
و5 – التعليم الجيد

ولا تناقض بين العمومية وعدم المجانية:
فالتعليم يحقق مطالب الجماعة العلمية والخلقية والذوقية في تكوين الإنسان بشروط بقائه أو الابداعين. فالتعليم يكون الإنسان:
• كانسان (اللغة والثقافة).
• وكمواطن (الانتساب إلى جماعة).
• وكمنتج (التخصص في حرفة).
• وكمنتسب إلى الإنسانية
• ثم كمبدع في مجاله.
وحتى يكون للجميع نفس النصيب منه من حيث المعين مع حق الاختلاف من حيث القدرات في تحويل ذلك إلى ثمرات تسهم في ثروة الأمة المادية والرمزية فإن رعاية الدولة للتعليم واجبة بكلفة تدفعها الجماعة في تعيناتها المحلية والأقليمة والعامة لكل الجماعة.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد