الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / كلّ عام وأنتم مستقلّون

كلّ عام وأنتم مستقلّون

حسين السنوسي

1. أجيب بالإيجاب على سؤال طرحه أحد أصدقائنا الإفتراضيّين : “هل نحن مستقلّون ؟”.

2. يدفعني إلى هذا الجّواب احترامي لدماء الشّهداء التّي لم تذهب هدرا وحرصي الشّديد على ألّا أقع في العنترياّت الثورويّة ومنطق الكلّ أو اللّا شيء.

3. أشياء أخرى كثيرة في هذا البلد الطّيب تدفعني إلى هذا الجّواب: نشيد الثّورة. العلم ذو النّجمة والهلال الأحمرين. الفصل الأوّل من الدّستور. جواز السّفر الأخضر. العملة التّي تحمل صورة أبي القاسم الشّابّي. المؤسّسات الدّيمقراطيّة التّي بنيت بعد ثورة الفقراء والشّباب. أسماء الشّوارع. تمثال ابن خلدون في قلب العاصمة.

4. أجيب بالإيجاب إذن. أجيب بالإيجاب ثمّ أستدرك.

5. عندما غادر الإستعمار بلداننا -مطرودا أو متفاهما- كان من الواضح أنّ ذلك لم يكن استقلالا بالفعل بل بالقوّة. أقصد أنّه كان وعدا بالإستقلال وما كان يمكن أن يكون أكثر من ذلك. أمّا الإستقلال الفعلي فكان مشروطا: نوفّق في بناء أسباب القوّة فيصير الإستقلال أمرا واقعا أو نعجز عن بنائها فيظلّ -في أفضل الأحوال- جزئيّا.

6. هنا أفتح قوسا لأتساءل مع الكثير من أبناء هذا البلد: هل يمكن تحقيق أسباب القوّة في ظلّ التجزئة؟ ألا يحتاج الأمر إلى الوحدة أو على الأقلّ إلى التّكتّل؟ يجيب دستور 1959 بوضوح على هذا السّؤال حين يعتبر في فصله الثّاني أنّ “الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي الكبير تعمل لوحدته”. أمّا دستور 2014 فإنّه يذهب في توطئته إلى أبعد من ذلك إذ يعتبر الوحدة المغاربيّة “خطوة نحو تحقيق الوحدة العربيّة”.

7. يمكن أن نقيس ما تحقّق في اتّجاه الإستقلال الفعلي بمقاييس ثلاثة: حريّة القرار والإستقلالين الثّقافي والإقتصادي.

8. في هذا البلد الطّيب يتكلّم النّاس -من فناّني الدّرجة العاشرة إلى أساتذة الجّامعات ومن لاعبي كرة القدم إلى رجال السّياسة ونسائها- خليطا مضحكا من اللّغة الوطنيّة ولغة المستعمر السّابق فأين هذا من الإستقلال الثّقافي واللّغوي ؟

9. تأكل حيتان المتوسّط أبناءنا الفارّين من الفقر فأين هذا من الإستقلال الإقتصادي ؟

10. أمّا عن حريّة القرار فيعبّر عنها هذا الحوار القصير الذّي تصوّرناه بعد أن طالت يد الغدر والإرهاب الصّهيونيّين الشّهيد محمّد الزواري:

“””
– أليس الوقت مناسبا لسنّ قانون لتجريم التّطبيع ؟
– بلى.
– هل سيسنّ مثل هذا القانون ؟
– لا.
– لا أمل ؟
– لا أمل.
– لماذا ؟
– لأنّنا دويلة منقوصة السّيادة. لأنّنا نخاف أن تغضب منّا فرنسا أو أن تغضب منّا أمريكا.
“””

11. عندما أسقطت ثورة الفقراء والشّباب نظام الفساد والإستبداد ظنّ المتفائلون أن ذلك سيكون بداية لخطوة جديدة وعملاقة في طريق الإستقلال الفعلي لكنّ ذلك لم يحصل وانتهت الجّولة الأولى بانتصار القوى التّي “لا تريد”.

12. ماذا بقي إذن؟ بقي أن نحافظ على المكسب الوحيد الذّي حقّقته هذه الثّورة وهو ما أسميناه في غير هذا الموضع بـ”الحدّ الأدنى الدّيمقراطي” وأن ننطلق منه للخطو في اتّجاه الإستقلال الفعلي.

13. في الإنتظار أتمنّى لكم ربيعا مزهرا وكلّ عام وأنتم مستقلّون.

شاهد أيضاً

مدينتي التي أعرفها ترفض أن تتجمّل بالأصنام

محمد القطّي خطير ما يحدث في صفاقس  بعد الفضيحة التي وقعت في إجتماع الجلسة التمهيدية ...

اترك رد