الجمعة ، 17 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل

الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل

الاسكوا

تقرير الاسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا) المحجوب هو مؤلف جماعي علمي وشامل ومركز عن أسباب الظلم في الوطن العربي وسبل تحقيق العدل. شارك في اعداده تحت إشراف ريما خلف الأمينة التنفيذية للاسكوا نائب الامين العام للأمم المتحدة فريق مختص ومتنوع من مثقفي وعلماء الوطن العربي استعان بعشرات الورقات البحثية لفرق بحثية اخرى. عرف التقرير مراحل عديدة من اعداده قبل ان يرى النور ليوم واحد ثم يقع حجبه بطلب من الامين العام للأمم المتحدة بتعلة احتجاج اسرائيل ودول عربية على مضمون التقرير. شارك من تونس بمستويات مختلفة باحثون عديدون من بينهم الدكتور ابو يعرب المرزوقي والأساتذة مالك صغيري ورضا السعيدي وسامي براهم ووليد حدوق.

تمهيد

حفرة من النار، لا تكف عن الاتساع في العالم العربي. نزاعات واقتتالات أهلية تعصف بثلث بلدانه. فتن طائفية تمزق شعوبه. دول تتنازل عن سيادتها طوعاً أو إجباراً. بلاد تتداعى، في عالم عربي لا عربي، يصنعه الآخرون ويفرضونه على أهله بقوة السلاح. أما الناس فيخيّرون بين السيئ والأسوأ، بين جور الدولة وجور غيابها، بين ظلم الوطن وظلم المنفى، بين الموت والمذلة.

في هذا التقرير محاولة للبحث عن العلة في هذا كله. فالخراب الذي تشهده المنطقة سببه الظلم؛ الظلم الذي يقع على أهلها، أفراداً وفئاتٍ وشعوباً بأكملها، على أيدي نخبٍ حاكمة، وقوىً أجنبية اعتادت على استباحة المنطقة وأهلها، وفي السنوات الأخيرة على أيدي
مجموعات إجرامية ما كانت لتبزغ وتقوى لولا ظلم هؤلاء وأولئك.

إن كثرةً من نظم الحكم العربية لم تنبثق من إرادة شعوبها فاحتمت بالخارج وسيّدت مصالحه على مصالح ناسها. ولما اتسعت الهوة بينها وبين الناس لجأت هذه النخب إلى القمع والفساد للسيطرة عليهم. وقد تصاعد غضب الشعوب عندما لم تنجز هذه النخب ما وعدت به من حرية ورفاه. فالأوطان لم تنعم باستقلال حقيقي بل تعمقت تبعيتها للخارج؛ وفلسطين المحتلة لم تتحرر، ولا عاد لاجئوها إلى ديارهم، بل احتلت بلاد عربية أخرى، وازداد اللاجئون. وفي ظل الاستبداد والفساد، عانى المواطنون من شتى أشكال العنف المعنوي والمادي. وفي ظل اقتصاد تابع وريعي، ازداد الفقير فقراً والثري ثراءً.

أما الظلم الخارجي فتعود جذوره إلى قرن مضى، عندما قسّم الاستعمار المنطقة إلى دويلات تابعة، ووهب جزءاً عزيزاً منها لغرباء اقتلعوا أهلها وسكنوا بيوتهم وشرّدوا معظمهم، ثم لاحقوهم على ما تبقّى من وطنهم، فاحتلوه بقوة السلاح. ويستمر هذا الظلم إلى يومنا هذا، حيث ما يزال الفلسطينيون يعانون تحت الاحتلال الإسرائيلي من مصادرة حقوقهم، لا سيما حقهم في تقرير مصيرهم على أرضهم وعودة لاجئيهم إلى ديارهم. ويزيد من معاناة الفلسطينيين تمييز عنصري ضدهم من سلطة احتلال تؤمن بعلو فئة دينية على سواها، فتجيز لنفسها الخروج على القانون الدولي وإقامة دولة تميّز بين الناس على أساس الدين.

وفي العقود الراهنة تنوعت أشكال الظلم الخارجي، فمنها الحروب المدمرة التي شُنّت على بلدان المنطقة خارج الشرعية الدولية، ومنها الحصار والعقوبات التي فرضت على أكثر من بلد عربي وأضرت بكل الناس ما عدا الذين كانت هذه العقوبات تستهدفهم.

والظلم، بوجهيه الداخلي والخارجي، ولّد غضباً أسكتته الخشية من البطش إلى حين. ولكن سكون الناس الظاهر في أول الأمر، لخوف بعضهم من الأسوأ ولأمل بعضهم في وفاء أولي الأمر بوعودهم الإصلاحية، لم يمنع قيام تحركات جماهيرية بين الحين والآخر تطالب بالإصلاح والتغيير. ولمّا فقد الناسُ الأملَ بقيام السلطات الحاكمة بالاستجابة لمطالبهم المحقة، اندلعت انتفاضات عام 2011 في محاولة أخيرة لتحقيق حلم تأجل في الحرية والكرامة، بالوسائل
السلمية. فكان من الأنظمة العربية ما استجاب ولو جزئياً لمطالب الناس، وحصّن بلده بدرجات مختلفة من الإصلاحات الدستورية، وكان منها ما واجه الناس بالحديد والنار، فأقحم بلده في حروب أهلية طاحنة لا تقيم عدلاً، بل توقع خسائر بشرية ومادية جسيمة.

وحروب الاستبداد في منطقتنا أدت في السنوات الخمس الأخيرة، إلى سقوط قرابة نصف مليون قتيل أغلبهم من المدنيين، والملايين من الجرحى والمفقودين، وولدت موجات لجوء ونزوح لم يشهد مثيلتها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ومن لم يُقتل في هذه الحروب، لم ينجُ من آثارها المدمرة. فقد تضاعفت نسب الفقر، وتدهورت مؤشرات الصحة والتعليم خاصة للأطفال، الذين ابتلتهم النزاعات بما ابتلت به بلدانهم من تقزّم وهزال.

ولا يبدو أن الأزمة في طريقها إلى الانفراج خاصة وأن السياسات التي لجأت إليها بعض الدول للتعامل معها هي ذات السياسات التي خلقت الأزمة أصلاً. فإن التصدي لاحتجاج الناس على الظلم بمزيد من الظلم والبطش، لا ينسي الناس تعرضهم للظلم بل يدفع مجموعات منهم نحو التشدد والخروج المسلح على الدولة. وإن تفريق الناس طوائف ومذاهب وأعراقاً ليظهر الحاكم بمظهر صمام الأمان للمحكومين الذين يخاف كل واحد منهم أخاه، لا يبقي على الحكم
بل يفتت المجتمعات ويولّد الثارات والاقتتال الداخلي ويودي بالحاكم والمحكوم معاً. كما أن استخدام التعبئة الطائفية لحشد الناس ضد خصم متوهم وحرفهم بعيداً عن الصراع الحقيقي مع الاحتلال والاستعمار والاستبداد يغرق الأمة والمنطقة برمتها في معارك عبثية الكل فيها خاسر إلا ذلك العدو الذي يستهدفهم جميعاً، ولا يفرق بين طائفة وأخرى منهم.

ولم تتعلم النخب الحاكمة ولا بعض معارضتها من سقطات الماضي. فرغم ما صنعته قوى الخارج بالعراق وفلسطين وغيرها من البلاد العربية، ما زال البعض، دولاً ومنظمات وأفراداً، يأملون منها الخير ويستدعونها لحمايتهم أو لحسم الصراع لصالحهم. والأطراف الخارجية لا تحمي إلا ذاتها ولا تحسم المعركة إلا لصالحها إن استطاعت، ولا تعبأ بحال الناس أو معاناتهم، فيعم القتل والدمار. ولما أصبحت المنطقة ساحة مستباحة للجميع، انتشر فيها التوحش واتخذ أشكالاً لم ترها منذ أيام الاستعمار.

فهناك الحصار والتجويع لمئات الآلاف، وقتل الفارين من الجحيم أو تعذيبهم، وقصف المدنيين بأسراب من الطائرات المقاتلة الآتية من البحر والبر ومن الغرب والشرق، وبقذائف وبراميل متفجرة تنزل عليهم من السماء لا تفرق بين مقاتل ومدني ولا بين منشأة عسكرية ودار عزاء أو مدرسة للأمم المتحدة يحتمي فيها الأبرياء من جنون القصف. وهناك نساء تسبى وتباع في أسواق النخاسة، ونساء يغتصبن في أقبية التحقيق والسجون، وتنظيم يحرق أسراه ويغرقهم في أقفاص، ومستوطنون استجلبتهم دولة الاحتلال الأجنبي يحرقون أطفال أهل الأرض وهم نيام في بيوتهم.

وتتكرر أخطاء الماضي أيضاً في التعامل مع ما سميَ بالإرهاب. فيصر الخارج على توسيع تعريفه ليشمل حركات التحرر من الاحتلال، وتصر بعض النخب الحاكمة العربية على توسيعه ليشمل كل معارضة وازنة تشكل تحدياً لها. فلا يعود الإرهاب سبّة، ولا الحرب عليه، وقد قتلت من المدنيين أكثر مما قتل الإرهاب نفسه، شرعية. كما يخطئ القائمون على هذه الحرب، جهلاً أو تجاهلاً، في تحديد أسباب لجوء البعض إلى العنف. فعندما يُسأل العرب عن
أهم سببين يؤديان إلى انضمام الشباب والشابات إلى جماعات متشددة، يشيرون بلا تردد إلى «حكومات فاسدة قمعية لا تمثل الشعب»، و «الاحتلال الأجنبي لأراض عربية». ولكن النخب الحاكمة تقرر أن لا هذا ولا ذاك هو السبب، وإنما هو فكر معوجّ لا بد من تقويمه، بينما يصر بعض الساسة الأجانب على أن السبب كامن في طبيعة العرب والمسلمين، فيصبح مليار ونصف المليار هدفاً لحربهم. والخطأ في التشخيص يؤدي لا محالة إلى الخطأ في العلاج، ما
ينذر باستفحال المشكلة لا بانحسارها.

إن الظلم والاستمرار في تجاهل الأسباب الحقيقية التي جلبت الفتنة والدمار، والإصرار على سياسات أثبتت فشلها أوصلنا إلى ما نحن فيه. مسار لم يكن حتمياً على هذه المنطقة وشعوبها. فما كُتب على هذه البلاد أن تكون حقول قتل ومصانع لاجئين، ولا كتب على سمائها أن تكون معرضاً لاختراعات العالم من الأسلحة، ومدنها حقلاً لتجربتها. ولكن، رغم قتامة الواقع، لا يزال المستقبل مفتوحاً على أكثر من احتمال. وإن أخطر هذه الاحتمالات على الإطلاق هو أ لّ
تستجيب النخب الحاكمة العربية لدعوات التغيير بإصلاحات جذرية وعاجلة تمكّن من إنهاء الصراعات حيث اندلعت، وتحول دون اندلاعها حيث تكمن أسبابها عميقة ومخفية تحت ركود قلق يتوهّمه البعض استقراراً. فإن موجة أخرى من الثورات العربية على وشك الاندلاع. لن يحمل الثوار الورد واللافتات والهواتف النقالة هذه المرة، بل سيحملون السلاح؛ ولن ينظفوا الميادين ويصبغوا الأرصفة بعد المظاهرات، بل ستصطبغ خرائط المنطقة كلها بالدم. وإنْ
استثقل البعض أمل الناس، فليستعدوا لأن يأس الناس أثقل من أملهم بما لا يقاس.

وعليه فإن هذا التقرير، عن الظلم في العالم العربي، هو محاولة لبحث سبل الخروج مما نحن فيه في ضوء تحليل علمي ومحايد لما أدى إليه. ولا يرى كاتبوه سبيلاً لدرء الظلم وإعادة الحق إلى نصابه إلا بإزالة أسباب الظلم من تبعية سياسية واقتصادية للخارج، وعقد اجتماعي فرض بالإكراه على الناس، واحتلال ثقيل لفلسطين لا يقتصر أثره السلبي على أبنائها بل ينتشر ليهدد الأمن الإنساني في المنطقة بأسرها.

وإن تحقيق ذلك متاح رغم صعوبته إذا ما غيّر العرب تغييراً جذرياً في البنية السياسية والاقتصادية لدولهم، وإذا ما عملوا مجتمعين على إنهاء الحروب الأهلية وبنوا أوطاناً تساوي بين جميع مواطنيها ولا تميز ضد أحد بسبب دينه أو عرقه أو جنسه. ولا فرصة لأي من الدول العربية بتحقيق هذه الأهداف بمفردها، ما يقتضي منها جميعاً السير على نهج التكامل الإقليمي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، والتعاون على إحداث نهضة ثقافية تقضي على الفتنة الطائفية وتطلق التفكير الحر فتفضي إلى حداثة غير مأخوذة عن الاستعمار ولا مأخوذة به، لكنها لا تنعزل عن العالم أو تغلق بابها دونه. فالعالم أكبر من بعض
الساسة الذين يستبيحون بلاد العرب، وأرقى من بعض العنصريين الذين فشلوا في إنقاذ أنفسهم من أحقادهم فلجأوا إلى أطروحة صراع الحضارات علاجاً لهواجسهم ولمشكلاتهم الداخلية. العالم هو شعوبه في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب، التي وقفت بمفكريها وناشطيها وأدبائها وفنانيها مع الحق العربي، فقاطعت الغاصب والمحتل، وعرّت جرائم المستبد، ومدّت يد العون للمظلوم.

والإصلاحات الشكلية لم تعد تجدي والعرب ليس أمامهم خيارات كثيرة، فالتغيير آت على المنطقة، والخرائط التي تمزقها على أسس عرقية وطائفية تُرسم إما في غرف مغلقة في عواصم بعيدة أو على الأرض في ساحات المعارك. الخيار الوحيد أمام العرب اليوم هو بين أن يكونوا صنّاع هذا التغيير أو أن يكونوا ضحاياه. وما يقدمه التقرير من توصيات يرجح الخيار الأول، انحيازاً لحق الإنسان العربي في حريته وفي العيش الكريم والآمن، وحقناً للدماء التي قد تسكب في المقبل من الأيام نضالاً ضد هذا الترتيب الاستعماري الجديد.

ويقدم التقرير توصياته لأصحاب القرار والمعارضين لهم، للكهول والشباب نساءً ورجالاً، ولجميع القوى الحية في العالم العربي لينظروا فيها، قبولاً أو رفضاً أو تعديلاً. ومعدو التقرير يدركون أن جهدهم كأي جهد إنساني يحتمل التصحيح والتشذيب، وما هدفهم إلا فتح حوار غايته التوافق حول سبل النهوض بالعالم العربي من عثرته واستعادة الكرامة لجميع أبنائه. وفريق التقرير متنوع بتنوع الأمة سياسياً وجغرافياً وديمغرافياً، وبين أعضائه من الاختلافات الفكرية ما بينهم، ولكنهم تمكنوا بالجهد والحوار أن يتوصلوا إلى حد أدنى من التوافق كان هذا التقرير ثمرته.

ولن أستطيع هنا أن أفي جميع الذين عملوا على إنجاز هذا التقرير حقهم. فلزميلاتي وزملائي في الإسكوا الذين ساهموا في إنجازه كتابةً وإعداداً ومراجعةً وترجمةً وتحريراً وإدارةً كل الشكر والتقدير، وأخص من بينهم بالشكر الدكتور تميم البرغوثي، رئيس فريق المساهمين من الإسكوا، على تفانيه وجهده المبدع الذي أثمر تقريراً قد يختلف البعض مع ما ورد فيه ولكن لن يختلفوا حول جودته وجرأته. كما أزجي الشكر للمجلس الاستشاري الذي ضم كوكبة من المفكرين العرب الذين قدموا مساهمات مكتوبة أثرت محتوى التقرير، وآراء ومشورة نيرة أضافت إليه رجاحة وعمقاً. وأهدي هذا التقرير لثلاثةٍ كبارٍ أوحوا إلينا بموضوعه وبدأوا معنا مسيرته، وشاءت الأقدار ألا يكملوها معنا، الروائية الأديبة الناقدة الدكتورة رضوى عاشور التي «هزمت بفكرها ونورها البلطجي وسيد القصر »، وسفير العرب الدكتور كلوفيس مقصود الذي وهب عمره للحق وفلسطين، والسيد هاني فحص نصير الضعفاء والسيف المصلت على التنابذ والطائفية. لهم منا عهد بالسير على الدرب الذي خطّوه، وإليهم وإلى جميع أبناء هذه الأمة وبناتها هذا التقرير، صرخة في واد ممتلئ بالدخان والركام، ومحاولة لمسح الدم والغبار، كمحاولة صبي أنقذوه من تحت الحطام، أن يمسح أثر الحرب عن خده ويده، ويواصل البقاء رغم كل شيء.

ريما خلف
وكيلة الأمين العام
الأمينة التنفيذية
اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا

لتنزيل التقرير كاملا اضغط هنا

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد