السبت ، 18 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الفساد مقابل الخبز

الفساد مقابل الخبز

ليلى الهيشري

اعتبر المحلل السياسي نوعم تشومسكي في إحدى مؤلفاته الشهيرة “أن الإدراك بأن التحكم بالرأي هو أساس الحكم، من أشد صوره استبدادا وأكثرها تحررا”… “فالتحكم بالرأي أهميته أكبر بكثر في المجتمعات الحرة حيث يتعذر استدرار الطاعة بالسياط، لذا كان من الطبيعي جدا أن تنشأ المؤسسات الحديثة للسيطرة على الأفكار، تلك التي تسمى صراحة “دعاية “.

لقد طغت “الدعاية الإعلامية” في المجال السياسي على الملفات الحارقة في تونس، فقد نجحت في الهاء مكونات المجتمع صراحة من أحزاب وحكومة ومجتمع مدني وشعب عن أولوية النهوض بالبلاد والخروج بها من أزمة الركود التي تعيشها مقابل صيحات حقيقية ومؤلمة لعديد الجهات التي تعاني التهميش والفقر والتي تطالب باستمرار بمشاريع التنمية ولم تلق سوى وعود خاوية الوفاض، لم تتقدم الحكومات الغابرة والمتولية قيد أنملة وسنذكر منها البعض على سبيل الذكر:

1. شهدت ولاية قابس تحركات شعبية كثيرة، انطلقت حيثياتها مع فترة النظام السابق تحديدا سنة 2010 ليتواصل الحال على ما هو عليه حتى يومنا هذا. وتميزت مطالب سكان الولاية بما يتناسب وحاجيات المنطقة الضرورية، المتمثل أساسا في بناء مستشفى جامعي في ظل حالة التردي التي يشهدها المستشفى المحلي المهدد منذ 7 سنوات بالسقوط، حيث أصدرت حكومة النظام السابق قرارا بإخلائه وسرعان ما تراجعت أمام الضغط السياسي القائم آنذاك لظروف مجهولة. أما بعد الثورة، فقد ظهرت بوادر إيجابية من طرف الحكومات التي تفهمت مطالب بعض المناطق ومنها ولاية قابس حيث رصدت لفائدة المستشفى الجهوري بقابس في ميزانية 2012 مبلغ 10 مليارات لتدعيم مقر المستشفى وتحديث تجهيزاته بما يتلاءم مع المعايير الصحية الضرورية، ولم يسجل إنجاز مهم يذكر. ولم يقع التطرق إلى هذا الملف إلا سنة 2016 عندما صرح وزير الصحة سعيد العايدي آنذاك بعد زيارته لولاية قابس، عن استصدار قرار حكومي بتغيير صبغة المستشفى المحلي إلى مستشفى جامعي وسيتم رصد مبلغ مالي مهم يتماشى مع نص القرار. وفي ظل هذه الحكومة الحالية، أبرمت وزارة الصحة العمومية اتفاقية شراكة مع مجموعة المستشفيات الدولية بالمملكة المتحدة تتضمن كأولوية بناء مستشفى جامعي بولاية قابس ترقى إلى المعايير الدولية.

2. أما في ولاية بنقر دان، شهدت مدينة بن قردان إضرابات عامة متكررة، وأجمعت مختلف الأحزاب ومكونات المجتمع المدني على عدالة التحرّك الاحتجاجي ومشروعيّة المطالب الّتي يرفعها أهالي الجهة والّتي تتركّز منذ فترة على إسقاط خيار المعبر الحدودي برأس جدير وتوابعه من تجارة موازية وفضاء السوق المغاربيّة والتمسّك بالحق في التنمية العادلة وتوفير فرص عمل قارّة ودائمة.

خاصة مع صعوبة الإبقاء على النمط القديم الذي إعتادته تلك المنطقة لعقود، فقد شهدت الأوضاع الاجتماعية توترات أكثر حدة نتيجة تداعيات الأزمة الليبية على الحدود التونسية الجنوبية، باعتبار أهمية معبر رأس جدير الذي يمثل متنفسا وحيدا لأهالي المنطقة ممن يمتهنون تجارة البضائع، حيث تقتضي أعمالهم التوجه وجوبا إلى الأسواق الليبية لتوفير البضائع ثم بيعها في الأسواق التونسية بصفة عامة، ومع توتر الأوضاع الأمنية الحدودية التي تتطلب لفترات عدة إغلاق المعبر المذكور لدواعي تقتضيها الضرورة الأمنية، فقد شكل ذلك عائقا حقيقيا أمام الأسر التي عجزت عن توفير قوت يومها خاصة مع غياب التشغيل والآفاق التي قد تشكل بديلا عن تلك الأسواق المبسوطة في بنقردان باعتبارها رئة ولاية مدنين خاصة مع تراجع العائدات السياحية مقارنة بالعشرية السابقة.

3. أما الشمال الغربي فرغم ما يتمتع به من موارد طبيعية غنية تمثل ثروة هامة لتونس، يشهد الشباب هناك حالة من الإحباط نتيجة غياب التشغيل رغم كل الوعود المقدمة ببناء مصانع في الجهات والتي لم يرى منها شيئا يذكر بل تسببت موجة البطالة في نزوح العديد من الشباب إلى مناطق أخرى وخاصة العاصمة للبحث عن مورد رزق يقيهم ظلم الجوع والفقر. ويعود ذلك إلى ما صرحت به بعض الوجوه السياسية منها النائبة سناء المرسني، حول تعطل إحداث مشروع المنطقة الصناعية بالرومانين من ولاية جندوبة نتيجة عدم توفر المثال المديري للمشروع.

فضلا عن تراجع القطاع السياحي الذي سجل فيه، حسب تصريحها، إغلاق نسبة 90 في المائة من فنادق الولاية. وهو ما أدى ببعض النواب مؤخرا إلى النظر في أولوية مشاغل التنمية لجهات الشمال الغربي (الكاف وباحة وجندوبة وسليانة)، وضرورة تسريع تنفيذ القرارات «المتراكمة» وتفعيل المشاريع التنموية الخاصة بهذه المناطق وتدخل الدولة جديا لإنقاذ المصانع المتبقية في المنطقة.

تتوالى الأزمات على تونس، ولا تحرك الحكومات ساكنا ولماذا تتحرك من اجل الفقراء، فهي لا تتحرك إلا عندما يتحفنا الإعلام التونسي بين حين وأخر بكارثة أو فضيحة أو ملف فساد أو تسريبات لمكالمات هاتفية بين سياسي أو رجل أعمال يتدافعون للوصول إلى سدة الحكم عبر طرقهم الملتوية ومخططاتهم المكيافيلية، نعم وصلنا إلى حد تبادل العنف باستعمال القبضة والركل في منشآت عمومية تمثل واجهة سيادية لتونس.

تمثل حادثة الخطوط التونسية حالة من حالات التردي التي تعيشها المؤسسات العمومية في الخفاء دون رقيب ولا مجيب، وما هم أصحاب الشأن إذا اندلعت معركة نفوذ قد يدفع ثمنها مئات المسافرين على متن طائرة قد يشكك في مردودية تقنييها أو قدرة طياريها بحثا عن المصلحة الشخصية، الم يتساءل احد عن مآل هذه المعارك ومدى خطورتها على سلامة المسافرين؟ هل أصبحت النزاعات النقابية والقطاعية في مؤسسة الخطوط الجوية التونسية أهم من الأرواح البشرية؟

وماذا إن كان هذا واقعا نعيشه في ظل حكومة، وزير بيئتها يبرم عقود توظيف بملايين الدينارات التونسية بينما يعيش الناس في أزمة خانقة، بقدرة شرائية هزيلة أو شبه معدومة وبرنامج تشغيل معلق لأجل غير مسمى، وفي ظل حملات ممنهجة لخوصصة المنشآت العمومية بحثا عن السمسرة والتطبيع مع القطاع الخاص الذي سد فيه باب المصالحة في وجه أباطرته الفاسدين مع الحملات الشعبية والإعلامية التي أعلنت رفضها الشديد لقانون المصالحة المشبوه.

هل أصبح الشعار في تونس الخبز مقابل الفساد؟ إلى متى وكيف السبيل إلى بلوغ اليابسة الآمنة ونحن نسبح ضد تيارات متنازعة لا تعير للمواطن أهمية تذكر؟ أما وقد اعتدنا التعامل مع تقنية الزوبعة الإعلامية حول بعض الملفات الحارقة وعهدنا ما عهدنا من استعمالها كواجهة لإلهاء الرأي العام عن مسائل أكثر أهمية تحاك في الخفاء بعيدا عن متناول الأيدي والآذان والألسن والصور.

لذلك اعتبر أن الأزمة المختلقة في مقر الخطوط الجوية التونسية لا تعد سوى غطاء لأزمة أكثر عمقا ومساع أكثر خطورة ممن يروج له الإعلام، فلا داع لاعتماد هذه المناورات القديمة ولنقل صراحة في بلد الكلام المباح والإنجاز الغائب، قولة ابن خلدون الشهيرة “فإني لا ألومك في دخول***ولكن ما وراءك يا عصام؟”.

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد