الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / على درب التّنازل عن سيادتنا !

على درب التّنازل عن سيادتنا !

ســامــي بللّعج

لاحظت أنّ القدوم الجلل لحضرتها، مستشارة الألمان الأولى السيدة “أنجيلا ميركيل” قد أعاد وضع النّقاط فوق أحرف دستورنا الّذي بدأ يهترئ بفعل دوابّ الرّجعة الرّئاسويّة.. لذلك استبشرت خيرا من زيارتها وعاد لي بصيص أمل في التشبّث ببعض معالم النّظام البرلماني وببعض آثار محتشمة لاحترام الدّستور.
ونكاد للمرّة الأولى نتنعّم برؤية البساط الأحمر الخاصّ بالتّشريفات وقد ازدانت به واجهة القصبة الّتي تعبّر عن بعض الدّلائل المحتشمة لطبيعة نظامنا السّياسيّ البرلمانيّ الصّفة.

وكم بدا تأثيث الملتقى من قبل المستشار التّونسي الأوّل ! ونظيرته الألمانيّة والّذي جمع رجالات أعمالنا بجهابذة رأس المال الألمانيّ، شديد الرّمزيّة حين غابت عنه العيون المترصّدة لرئاسويّة “بيرصة”،،، هذا على الأقلّ ما أسعفتنا به عيوننا الكليلة ونحن نتابع أنشطة “أنجيلا ميركيل” عبر وسائل إعلامنا المرئيّة والّتي بدت غير راضية على طغيان الطّابع البرلمانيّ على مجمل الزّيارة لأعلى مسؤول في ألمانيا.

وقد ظهرت سيّدة الأعراف الأولى “وداد بوشمّاوي” وهي في كامل حيويّتها وبخاصّة أنّ حضرة المستشار الأوّل التّونسيّ لسعادته الرّئاسويّة المؤبّدة كان كالظلّ الملازم لإشعاع سلطانة الإتّحاد الأوروبّي وقد بدا كتلميذ يتلمّس تزكية أستاذته “أنجيلا” قبل كلّ تدخّل توحي به استكانته الطيّعة وبخاصّة أنّ العيون لا يجب عليها البتّة التّسامق عن حاجب المستشاريّة الجرمانيّة العريقة في هيمنتها الإقتصاديّة وسبل إبسالها لديمقراطيّات ناشئة كمثل الّتي هي عليه ديمقراطيّتنا المتخبّطة بين الحنين لعمالقة التّغيير المنخلع والتّسليم المرفوض لعباقرة العدالة والكرامة في التّقنين!

وكم بدت السيدة العجوز في وقارها الجرمانيّ قاطعة في رفض بلدها لاحتواء كلّ التّونسيّين المتمكّنين من التسرّب إلى حرمته من بعد هجرتهم الإختلاسيّة النّمط عبر حوض البحر الأبيض المتوسّط،، وقد ألـقـت بهذا الرّفض من على منصّة سلطتنا التّشريعيّة وكأنّها تـشـرّع بذلك إلى نفاذ قانون قوّة عظمى على رقعة تراب صغيرة لدولة لم تفتأ تصارع القدر لاحتواء فلذات أكبادها الفارّين منها نحو مجهول قارّة عجوز رأوا فيها رؤومة أمّ تفضل حليب المرضعة بلادهم !

المستشارة الذكيّة خاطبت السيّدات والسّادة النوّاب بمنطق الزّمالة وكأنّها تغزل بالحرفيّة السّياسيّة الفذّة غطاء الإملاء الأوروبّي فوق بساط ما سيكون من قوانين توافقيّة في مستقبل أيّام وسنوات مجلس الشّعب التّونسيّ فظهرت هذه المستشارة العبقريّة في تلميحاتها وكأنّها ملكة ملوك العالم وهي تؤسّس لخارطة طريق اقتصاديّة وتشيّد بنيان المعالم السّياسيّة الّتي يجب أن تحكم دويلة تونس في تعاملها المستقبليّ مع عملاق السّوق الأوروبّيّة المشتركة وأذرعه التّنفيذيّة المتوزّعة عبر ما يزيد عن العشرين من دول القارّة العجوز.. فكانت هذه الحاكمة الأوروبّيّة تختزل البعد التّنفيذيّ من حيث السّطوة السّياسيّة وكذلك المغزى التّشريعيّ من حيث قوّة الإملاء المتعلّق برفض قاطع لأيّ حامل للجنسيّة التّونسيّة ممّن يقدمون عبر مسالك الهجرة الغير القانونيّة، وقد جهرت بها داخل قبّة التّشريع التّونسيّ لتقيم الحجّة علينا وفي عقر دارنا، وكلّ ذلك تمهيدا للتّسفير القسريّ لمئات الحالات المشابهة لسيّء الذّكر الدّاعشيّ المقزّز “أنيس العامري”.. وحتّى إن خلت ذمّة أولئك التّونسيّين المتحصّنين بدولة ألمانيا من شبهات التّدعيش ومصائب التّصنيف الإرهابيّ، فإنّهم غير مرحّب بهم بحسب المستشارة الألمانيّة “أنجيلا ميركيل”، لذلك وجب على قبّة التّقنين التّونسيّ استيعاب استحالة تعاطف مستقبليّ مع أيّة حالة تونسيّة للهجرة الغير الشّرعيّة، بل والعمل على المصادقة على ترسانة من القوانين الرّادعة، جدّا، لتجّار وحتّى للمشاركين في قوارب التّرحيل اللّصوصيّ باتّجاه الحوض المتوسّطي الجنوبيّ لقارّة أوروبّا.. فأقامت المستشارة الألمانيّة حجّتها البالغة على ذهول بالجملة أصاب نوّاب مجلس شعبنا المنبهر بقوّة شخصيّة هذه الحاكمة الأوروبّيّة المتعدّدة المناقب من حيث هيمنتها المعلومة على اتّحاد والسّوق المشتركة للقارّة الّتي جاءت منها وكذلك من حيث جرأتها على نواميس أيّة دولة أجنبيّة تحلّ بها، وليس المثال المصريّ ببعيد جدّا في الزّمن وفي رمزيّة التّأنيب لحاكمها العسكريّ الّذي تخلّل خطاباتها هنالك.

كلّنا يعلم بهذا التّزامن الغير البريء بين تضييقات صندوق النّقد الدّولي على وطننا المتهالك من أثر السّلف والقروض المتراكمة والمتتالية، وبين زيارة المستشارة الألمانيّة المحتدّة اللّهجة فيما يتعلّق بالخيارات المقبلة والمتاحة لبيادق الحوكمة في هذا الوطن المعمور بالشّغب العارم لمرضى “الإسلاموفوبيا” أو للمتعبين من داء “الهويّفوبيا” !

ومادامت مستشاريّة القصبة لسعادة الصّوريّ عليها والّذي يأتمر بإملاءات المتسلطن عليها، قد ارتأت التّعويل على الحلول السّهلة المتلخّصة في التّهافت على طلب القروض من “الآف-آم-إي” أو صندوق النّقد الدّولي مقابل الإقلاع نهائيّا عن الخوض في الإمكانيّات الذّاتيّة لرساميل تونسيّة كانت لها القدرة على إخراج البلد من عنق الزّجاجة.. فإنّ خيار الوأد التّدريجيّ لملفّات الفساد العالقة بالبارونات المتنفّذة في بلادنا الموهومة بالنّشوة الثّوريّة البائدة، لهو الخيار الأوحد والأسلم والأكثر طبيعيّة والأشدّ ملائمة لنظامنا الرّئاسويّ الباذل لقصارى جهوده من أجل حلّ المطاولة مع مقتضيات الحقيقة والعدالة الإنتقاليّة كبديل عبقريّ عن وجوبيّة المقاومة المأمولة من السّواد الأعظم من شعب تونس المحكوم باجترار خيبات التستّر على الفساد والفاسدين.

لكن ما لم تكن تعلمه المستشارة الألمانيّة القويّة الشّكيمة أنّها كانت تمثّل حجر الزّاوية المخفيّ لبنيان المتنفّذين في بلادنا التّونسيّة وما لم يدر في خلدها هو حقيقة استجلابها من قبل القائمين على رئاسويّة وطننا العملاقة، لغرض تـبــيــيـض صورة حوكمتنا السّياسويّة المحضة والنّائية بمليارات السّنين الضّوئيّة عن الحكمة في التّعاطي مع أزمتنا الإقتصاديّة الآهلة باحتمالات استرقاق الأجيال القادمة في تونس لعظماء الرّساميل الغربيّة !

وصفوة القول أنّ قدوم هذه القامة الأوروبّيّة لبلادنا هو استهلال لضياع نهائيّ لسيادة قرارات دولتنا التّونسيّة وهو تكريس لباكورة انقضاض صقور المموّلين الغرب عبر صندوق النّقد الدّولي على الإقتصاد المريض لبلدنا، ومعظم هذه الكواسر المنقضّة تتوزّع بين الجنسين الجرمانيّ والأنقلوسكسونيّ.. وما تناثر من فتات فهو تناصف بين الفرنسيّين و”الطّليان”..

كلّ هذه المطبّات والمهالك من أجل عيون أباطرة الفساد المالي والسّياسي وحتّى الأخلاقي في بلد الرّبيع المأسور من هنا فصاعدا في طبيعة مناخ صندوق النّقد الدّولي !

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد