الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / ضرورة رفع الأميّة الدينيّة في تونس

ضرورة رفع الأميّة الدينيّة في تونس

منجي باكير

من المسلّم به أنّ العهدين السّابقين من الدكتاوريّة أسّسا لمنظومة خبيثة ومرعبة لمحاربة الإسلام والقائمين عليه، حيث اجتُثّت أكبر منارة علميّة بإلغاء جامع الزيتونة وفروعه وألغيت الأوقاف، وشدّدت الرّقابة حدّ التجريم على المؤلّفات والمراجع التوسّعيّة للعلوم الشرعيّة، وعمل الإعلام وسدنة الفرنكوفونيّة بتشجيع الحلقتين الدكتاتوريتين وتحت إمرتهما لتغريب المجتمع والتّرويج للعادات والسلوكات والعقائد الغربيّة الإستعمارية ووُضع الحِجْر على أهل العلم والدّراية والدّعوة لدين اللّه بل سعيا إلى تعقّب ومحاكمة كلّ من حاول الخروج من دوائرهما واجتياز ما رسماه من مفاهيم إقصائيّة وتجفيفيّة، كما وقعت علمنة المناهج التعليميّة وغيرها من الإٍستحداثات الجهنّميّة لتهميش الدّين وإبعاد دوره عن الحياة العامّة والعمليّة،،،

حتّى بدا المجتمع التونسي بعد هذه العقود العجفاء، مجتمعا متصحّرا، هشّ العقيدة وخاوي العلم مليئا بالترّهات يعمّه الجهل بحقيقة الدين وجوهره، لا يتعدّى في أحسن الحالات أن يعقل بعض صفوته شيئا من معلوم العبادات، أمّا عامّته فقد حكمتهم الأهواء والإنحرافات في المفاهيم وغُمّ عليهم في كثير من أحكام الدين وشرائعه… أمّا البعض الآخر ممّن تحرّكت فيهم حميّتهم على دينهم فنشدوا الخلاص من هذا التعتيم والتجهيل ووصاية الحاكم على ما يعتنقون ويؤمنون لتفصيله على مزاجه وعلى نمط ما توسوس له به نزعاته اللاّئيكيّة وإملاءات مرجعيّاته، مال هذا البعض ليبحث عن ما يملأ له هذا النّقص، فكان له ذلك لكن بلا مرجعيّات ولا توثيقات ولا مناهج ولا توجيه، بل بمجهودات فرديّة وتوغّل مفرط في الدّين، فاختلطت الأمور وتشابهت المقاصد وتعدّدت التنظيرات بل اكتست في كثير من الأحايين طابع التشدّد والتنطّع لتلامس سوء الفهم وبالتالي ضلال الوعي والإدراك،،، ممّا أدّى هذا إلى تواجد ظاهرة الإنتماء إلى الجماعات على مختلف مشاربها والتحاق بعض الشّباب إلى بؤر القتال والمواطن السّاخنة العالميّة في اجتهادات واستنباطات شتّى، ثمّ عاودت الرّجوع محليّا لتفرز تجاربها وتسقطها على واقع البلاد مع تجنيد من تستهويهم ذات الأفكار والتوجّهات والإجتهادات.

بالمقابل هناك فئات من الشّباب -خصوصا- من طلّق انتماءه للدّين والتديّن وانغمس في متاهات بوهيمية وأصبح خاوي القلب وفارغ العقل ليكون إمّعة تتلاعب به شطحات سدنة التغريب وشذوذات النّمط وليصبح صيْدا سهلا للتيارات الشيطانيّة والممارسات المضادّة للأخلاق والقيم والمناقضة للفطرة…

الآن أصبح من أوكد الحقوق وأشدّ الاحتياجات لإقامة مجتمع متوازن أن تتجنّد كلّ الأطر المعنيّة بمجابهة المدّ الإرهابي واستئصاله وفكّ أخطاره القادمة وأن تفكّر عمليّا في ردّ الإعتبار للهُويّة وخصوصا الدّين من خلال نقض المفاهيم الفاسدة التي تسوّق للفواحش…

وفي هذا الصّدد نقول أنّ النّاشئة لابدّ لها أن تتصالح مع دينها وأن تأخذ تعاليمه على الصّفة الأكاديميّة حتّى تتكوّن في مجال العلوم الدينيّة وأصولها وفروعها ومقاصدها تحت إشراف علمي وأن تتلقّى هذه العلوم على أيادي أساتذة اعتداليين مشهود لهم بالخبرة والإختصاص والكفاءة الأكاديميّة.

إضافة إلى الضرورة القائمة لإصلاح البرامج التعليميّة العامّة وجب بالأخصّ إدراج العلوم الشرعيّة كشعبة قائمة بذاتها تضاهي باقي الشعب التي تتناول علوم الحياة وتكنولوجيتها وأن تُدرج لها المناهج وتوفّر لها المراجع والمتطلّبات من المراحل التعليميّة الأولى، حتّى يكون لها تخرّجها الخاصّ وشهائدها العليا التي تساهم لاحقا في تنوير المجتمع وتنقية مفاهيمه واستئصال العنف والتكفير وما شابه والرّجوع به إلى معين العقائد وصحيح العقائد وقويم الإجتهادات.

هذا الحلّ هو أهمّ وأوكد الحلول أمام الحكومة ومن استقام من المجتمع المدني للمضيّ بجدّية نحو مجابهة الإرهاب للقطع مع أسبابه ومسبّباته وللتضييق على تطرّف الدواعش والفواحش سويّا، كما أنّه الحلّ الأمثل للقطع مع الإنحرافات والشذوذات وكل الأمراض الإجتماعيّة التي تنخر المجتمع وتؤسّس للعنف والرّذيلة وتنذر بالخطر الأكبر، هو حلّ إستباقي يؤسّس لثقافة اسلاميّة قويمة الرؤى وبيئة اجتماعيّة واضحة المعالم.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد