الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / بصماتٌ وذكرياتٌ

بصماتٌ وذكرياتٌ

مها المطيبع (Oum Chady)

محاولة سردية لطالبة عسكرية في العشرين

1. اللحظة الصفر
ككل إنسان شهدت حياتي محطات مختلفة كانت مسارح لأحداث هي التي جعلتني المرأة التي هي أنا اليوم، امرأة بعنفوانها الأربعيني تنظر إلى عنفوانها العشريني نظرة تقييم، نظرة فيها مباعدة بين الذات والأنا. سنوات العشرين علامة فارقة وإعصار من الطموح الجارف الذي حملني -بعد حصولي على شهادة البكالوريا آداب سنة 1992- إلى تونس، إلى معهد الصحافة وعلوم الأخبار، كان يراودني حلمٌ بأن أكتسح العالم من بوابة الإعلام وعلّمَتْني حرب الخليج التي كنتُ حين اندلاعها تلميذة أنَّ من يملكِ الإعلامَ يملك العالم، وأن بطولات العساكر لا تكون لها قيمة إذا لم تُرَوِّج لها في الإعلام المنابر.

الحق أن طموحاتي كانت بركانا يمكن أن يثور في أي لحظة. اشتهيتُ أكثر من علم وأكثر من كلية ورأيتُ نفسي في أكثر من اختصاص لكني رأيتُ الإعلام صمَّامَ أمانها جميعا. وصلت تونس مع والدي وبحثنا عبثا عن سكن جامعي فلم نظفر به لأن والدي كان ميسورا. لم يغضبني السبب إن كان فعلا متكررا مع كل الموسرين بل ربما أفرحني ذلك لأن العاصمة لم تفتنِّي ولم تُبْهرني رغم “وهم الحرية” الذي قد أناله فيها، ضوضاؤها وصخبُها كانا كافييْن لنفوري وكان ذلك أول بوادر الفشل في مجال الإعلام لأن الإعلام لا يعيش إلا في الضوضاء والصخب.

عدنا إلى سوسة عازمين على الرجوع مرة أخرى لتونس وكان القدر ينسج حكاية أخرى، فبمجرد عودتنا تلقيتُ رسالة من الأكاديمية العسكرية تدعوني للالتحاق يوم كذا على الساعة كذا، تذكرتُ أنني شاركت في مناظرة الالتحاق بضباط الجيش التونسي في فترة شعرتُ فيها أن وطني مهدد مثل العراق، أو هكذا خُيّل إليَّ من سحر فترة الشباب وفورته. أذكر أنني أفقتُ مع حرب الخليج الثانية أو “عاصفة الصحراء” في سنة 1991 على توجس وخوف كبيرين، ظهر لي العالم مختلفا والذئاب المنتشرة على كل حدود بدأت تكشف شراستها. كنتُ صادقة إلى الحد الذي جرفني فيه تيار الطموح إلى امتلاك العالم بالعساكر لا بالإعلام.

حملتُ حقيبتي وما أمْلتْه الأوامر في الرسالة وتوجهتُ إلى الثكنة التي لم تمنعني منعةُ سورها من القفز على الزمان بالحلم. كنتُ طفلةً في ثوب شابة وكان اليوم الأول بالثكنة يوما لا كغيره من الأيام لأنه يوم الرهان الأول.

2. الرهان
لم يُعارض والدي ليلتها قراري بالالتحاق بالثكنة وترك لي حرية الاختيار، كل ما قاله “جربي ولك الوقت قبل موعد الجامعة” كان مترددا في الاقتناع بقدرتي على تحمل فترة التدريب، كان يراني من موقع البنت المدللة نسبيا رغم تاريخها الكشفي و الرياضي الذي يسمح لها بشيء من ممارسة المشاق والصعوبات. مرت الليلة تلك طويلة كليلة مشتاق، تذكرت أني بقراري هذا سأخذل صديقتيَّ “جميلة” و”هند” اللتين تخيرتا شعبة الإعلام لأجلي كي لا تفارقاني، بدأتُ أفكر في جمل وتعليلات تخفف الخذلان ففشلت إذ كيف للمخذول أن لا يفهم تخلي إنسان عنه خذلانا… وتوالدت الأسئلة والتساؤلات ولكنَّ شيئا ما في داخلي هو أقرب للتحدي يحملني على المواصلة في الطريق إلى الثكنة.

دخلت الثكنة تعلو وجهي بسمة بلهاء تترجم عدم إلمامي بما ينتظرني… كنتُ يومها البنت الوحيدة، نظرت من حولي بحثا عن وجه “أنثى” خاصة تلك الكافية الرقيقة “ريم” التي شاركتني الامتحان.. وجهونا إلى مخزن الملابس، تسلمنا ما يلزمنا في صف منتظم … لم يجدوا لي حذاءً عسكريا مخصصا للبنات على مقاسي (أكبرها 39) وأنا أحتاج مقاس الأربعين وقد بلغتُ “أشُدِّي” بالأربعين قوة بدن. اضطروا إلى أن يعطوني حذاءً رجاليا، أحسستُ أني سأنافس الرجال في قدراتهم كما نافسْتُهم في مقاساتهم. أراحني ذلك الشعور كثيرا، عندما لبست “الكمبا” شعرت أني ارتديت الفخر لونا، وتأزَّرْتُ بالمجد الذي افتخرتْ به الخنساء في رثائها لصخر، عاودتْني تلك القصيدة التي عرفناها في مقاعد الدراسة. اللون الأخضر الممزوج بلون التراب حملني إلى عوالم الفداء والشهداء والبطولات، تذكرتُ كل الذين وهبوا دماءهم لهذا الوطن في عزم “صخر” وشدة الصخر.

نظمونا في الصف حسب الطول فسعدت أكثر أن لا أكون في الصفوف الأخيرة وهذه منافسة لم أتخيرها بل وهبني إيها القدر، نظرت إلى الذين يتأخرون عني في الصف من الذكور باستعلاء محارِبة، قبلتُ التحدي منذ اليوم الأول. بدأ ضابط السريّة “ع” في المناداة… لما وصل إلى ذكر إسمي نادى خطأً “ماهر” ولولا اللقب لما تقدمت نحوه، حييته التحية العسكرية التي كنتُ عرفْتُها وأجدْتُها في التكوين الكشفي، كنتُ أفوق في دقة أدائها كثيرا من الذكور، لا أعلمُ لماذا تميل المرأة دائما إلى استعذاب مقارنة نفسها بالرجل، قد تكون المرتبة التي أعطاها المجتمع للمرأة سببا في كثير من حقد النساء على الرجال وليس من باب الكيد الذي يرتقي في سلَّم “ريشتر” إلى الدرجة 16.

نظر الضابط إليَّ وقد أعجبه أداء التحية لكن كتمه، تفرَّس في ملامحي وقال: “إنت لن تتحملي يوما واحدا في التدريب.. ظاهر فيك فينو ودلولة. بالأكثر جمعة وتهربي”. أغضبني قوله كنتُ لتوِّي منتصرةً ببعض منافساتي للرجال فإذا به يعيدُني إلى مربَّع المقارنة بين الرجل والمرأة. كنت سأجيبه بحماس فتاة لا تزال في داخلها “مدنية” قائلة: “حتى إذا انسحبتُ لن تضيع فرصي فالجامعة ما تزال تنتظرني”… لولا تدخل الضابط “م” قائلا: “لا أعتقد… اطلعتُ على ملفها: متحصلة على عشرين في الرياضة ونجحت في امتحان التقييم البدني والنفسي باقتدار… ستتحمل”. تراهن الضابطان على الأمر، كان الرهان امتحانا لي أكثر من كونه رهانا بين ضابطين.. لم أكن أثق في قدراتي النفسية فاكتشفت -والأسبوع الأول يمر- أنني أزداد ثقة وإصرارا كلما ازداد التدريب قسوة… مرَّ الأسبوع الأول وأنا أسعى لنحت “تاء التأنيث” في مجتمع ذكوري مصغَّر…

3. تاء التأنيث
كنت أبحث بين الكم الهائل من الحضور الرجالي عن وجه يُشاركني هواجسي الأنثوية، كاد اليأسُ يتملكني إلى أن وصل إلى مسامعي صوتها الأنثويّ الرقيق وهو يُردّد مع المجموعة أهازيج العسكر. علا الصوت فصار أكثر حدّة. كدت أضحك من نشاز سُلّمه على مُستوى صوت الرجال… بين القرار والجواب لا يضيع الصوت الأنثوي أبدا فحدّته حسب التقويم الموسيقى تطغى مهما نزل القرار. هكذا كان صوتُها… على وقع خطوات منتظمة مرتبة يزداد الإيقاع ضراوة بضرب الأحذية على الأرض فيزداد فضولي لرؤيتها. وصلني الصوت ولم ألمح الوجه. أردت أن أوصل لها رسالة أنها ليست وحدها. رفعتُ صوتي على قدر جهدي في ترديد النشيد فقط لتسمَعَني، أنا متأكدة أن هناك أنثى في مكان ما، حَدْسُ المرأة لا يُخطِئ، أنثى تبحث عن أنثى وسط الرجال، لا تَسْعَدُ أنثى بمؤانسة أنثى إلا في مثل هذا الموضع… ظهر صوتي حادّا مثلها مقارنة ببقية الأصوات… هل وصلت الرسالة ؟؟

مرّت الساعات وبدأ البعض “يتساقط” كأوراق الخريف هربا من مشاق التدريب أو بسبب عائق بدني ظهر مع التدريب أو بحث عسكري أثبت -من قريب أو بعيد- وجود شُبهة “انتماء” لأحد الأقارب… غاب صوتها فتلاشى أملي في وجود من ستؤثث معي “تاء التأنيث المربوطة”… ناداها الضابط باسمها “تلميذ ضابط ريم”، خفتُ ان تكون من المغادرين فيتبدد حلمي بالمؤانسة. وقعُ الاسم على مسامعي كان كافيا لأشعر بالاطمئنان، الريم النافر في الصحراء ريِّضٌ في هذا المكان رغم المحاصرة. استرقت نظرة خاطفة فلمحت وجهها البريء الضحوك رغم قساوة الظرف… قبل أن يأخذني الفرح إلى بداياته سمعتها تردد “تلميذ ضابط…” تقديما لنفسها… أثارت غضبي… أين “تاء التأنيث المربوطة” التي ستربطُ على قلْبيْنا يا ريم ؟؟ سأحاسبها متى التقيتها… عليها أن تصرخ عاليا “تلميذة ضابطة… تلميذة ضابطة”.

كنت أصرّ دائما على أن أقدّم نفسي “تلميذة ضابطة م.م” قولا وكتابة فالبندقية أنثى والخرطوشة أنثى والقنبلة أنثى والمروحية أنثى والحقيبة أنثى… والثكنة مؤنثة أيضا، أنتنكَّرُ لها؟ ملاحظة الآمر بضرورة تدارك الأمر بأن ألتزم بــذكر “تلميذ ضابط” لم أتقبَّلها. كان عليَّ أن أنحت تائي لوحدي فقد خذلتني ريم… أن تزاحمي الرجال في قدراتهم لا يعني أن تصيري رجلا بل أن تحافظي على أنوثة قادرة على فرض وجودها. تلك الأنثى التي وهبها الله قدرة لم يحمّلها للرجال، قدرة الحمل والولادة… تماما كالقدرة على أن تحمل السلاح وتجيد المرمى.. وتحقق الهدف. وتحمل أحلامها في صدرها وأسرارها في قلبها، الحمل صفتُها الدائمة.

في مرمى التدريب على السلاح وأنا أمسكه أول مرّة ارتعشت يداي. قد أكون تأخّرت قليلا في الاستجابة للأمر بإطلاق النار. كنتُ هائمة في شكل الهدف أبحث في نقاطه الحمراء عن وجه عدو يتربص بوطني… كانت المفاجأة أني ممن أصابوا 5/5 في مقتل هدفي المُبهم (الوجه والصدر) شعوري بالفخر تضخم عند تقدّم ضابط التدريب إلى موقعي لأكتشف أنه من قال عني اليوم الأول أني “دلولة” ولن أقدر على البقاء… اكتشف أنه خسر الرهان… نظرة التحدي التي وجهتها له كانت الرصاصة السادسة في الهدف الثاني… فكانت الدهشة وكان الردّ… دهشة رجل لا يرى في تاء التأنيث فائدة في العسكر، وردّ أنثى تفتكّ موقعها عن جدارة… كنت سعيدة بهذا الفوز سعادتي بالسماح لي بأن أذكر قولا وكتابة “تلميذة ضابط ” هو نصف حلّ رضيت به و نصف نصر كان فيه للذكر مثل حظ الأنثى. قررت أن أبحث في الأيام القادمة على كسب نصفه الباقي… إلى أن جاء وقت اللباس العسكري المخصص لغير التدريب.. الهندام الرّسمي.

4. الهندام الرسمي 
في بحثي المتواصل عن ذاتي أخذني التفكير عميقا جدا نحو “من أنا ؟” الطفلة التي بدأت تكسب احترام الجميع وانبهارهم في “سجن الثكنة”… بدأت الثقة في النفس تكبر لكن الجسد بدأ يضعف.. لم أكن آكل جيدا لا لسوء الطعام وإنما لأني لم أقدر على الأكل بالسرعة المطلوبة في الوقت المحدد لها.. شركائي في الطاولة لهم قدرة عجيبة على الانتهاء قبل الوقت. في الوقت الذي أكون في البدء ينتهي الوقت.. دوي الملاعق كان يُشبه صخب العاصمة تأخذني ضوضاؤه إلى عالم الحروب والانتصار والهزيمة.. انتصرت معنويا لكن الجسم بدأ ينهزم…

“خذي التمر معك يا لبّة”… هكذا أشار علي زميل جنوبي بحنو أخ “خذي التمر معك”.. كان التمر في أيام خريفية صعبة هو المنقذ.. كان رفاقي يمدونني بمناباتهم من التمر أخفيها في جيوب بنطالي و أهديهم بقية غذائي.. واستمرت هذه المقايضة.. هو التمر يهديني حلاوة الإرادة والبقاء.. فالتمر لا ينهزم أبدا كشجرته لا تموت إلا واقفة لذلك لا أستغرب اليوم شموخ جمنة.

عندما جيئ إلينا بالزيّ الرسمي الجديد كانت فاجعتي مزدوجة.. لا أجد به جيوبا لوضع التمر كما أن الزي المخصص للبنات متمثل في تنورة.. سعدت ريم ونجاح بأناقته لكني تحرجت من قصره.. قياس طول التنورة كان سليما على رفيقتي بعكسي.. نزلت لتحية العلم بلباس التدريب عكس الجميع وكنت بذلك مُخالفة للأوامر.. طلب مني الآمر أن أكتب “ردّ خبر” عن تصرفي الذي رأوه “مشينا” كتبت إليه ومنه إلى وزير الدفاع.. كان الردّ المبدئي أن ألتزم بلباسي أو أعاقب… قامت نجاح (التي التحقت آخر الأسبوع الأول) في محاولة منها بإطالة اللباس قليلا لكنه بقي محرجا خاصة عندما أجلس.. امتثلت على مضض في انتظار الردّ الرسمي.. وكانت مبادئ الانضباط تأخذ مكانها في فكري..

بعد سنوات قليلة مرت أمامي فتيات للدورة اللاحقة من نفس المدرسة يلبسن نفس الزي مع “البنطال” كنت وقتها قد صرت محامية. نظرن إلي بفخر ونظرت للبنطال بنصر.. فقد تركت بصمتي حتى بعد رحيلي لكنه كنصر الجندي المجهول الذي لا يعرفه أحد.

اللباس العسكري النسائي ولئن خذلي في بادئ الأمر لعدم شعوري بالراحة فيه أهداني إعفاء خاصا.. لم يعد ضابط التدريب يسألني عن “حلق اللحية” في التفقد الدوري… كان عندما يصل إلي في الصف لتفقد حسن الحلاقة وقبل أن تصل يده لوجهي ولاكتشافه أنني “بنت” ترتدّ يده ويسألني بنوع من الطرافة “حجمت اللحية ؟” فإن كان ردّي “لا” أعاقب بسبعين “بومبة” لمخالفة الأوامر وحين أجيب بنعم أعاقب مائة بومبة على الكذب.. لم يكُن يدري أني كنت أمرر أداة الحلاقة على وجهي بالمقلوب لأكون صادقة.. تكرار العقاب جعلني أنفذ آليا العقوبة كلما اعترضي.. هو ذلك الضابط الذي راهن على حسن قدراتي وكأنه يقول لهم انظروا إليها فقد أكسبتني الرهان.. كانت نظرات الفخر واضحة في عينيه لم أخذله يوما.. إلى أن أثرت غضبه يوم الهروب الشهير عندما إكتشف في أسبوع تسييره أني غادرت أسوار الثكنة..

5. الهروب
توقع النجاح عند الفشل، وتوقع الفشل عند النجاح مراوحة عجيبة بين حسن التوقع وسوء التموقع. حالة قد تصاحبك مدى الحياة دون فهم لغزها.. حيرتك والنجاح يأتيك دون توقع ويُباغتُك الفشل عندما تُحسن الظن في كسب حربك الصغيرة. صفارات الإنذار المدويّة أيام التدريب على “حرب بيضاء” أصبحت في فترة ما تتكرر تباعا رغم انتهاء فترة التدريب. كان حدسي يُخبرُني أن أمرا ما يحدثُ هُناك في العراق “حرب حقيقية” بدأ وطيسُها يحمى.. التجائي لحُفرتي الفردية وانغماسي فيها بحُسن التمويه كان مُختلفا عن سابقاتها. بان “قبري” أضيق مما ظننت.. شعورك بالاختناق واقتراب الساعة يحملك إلى موت لا تريده، بطريقة لا تشتهيها في وقت لا تنتظره.. هي الحرب مرادفة للموت.. حرب قد يشعلها عدو من الداخل ويحسمها أعداء من الخارج.. لم يكن الجيش التونسي في منأى عن حرب مرتقبة قد تصير عالمية.. حالات التوجس والاستنفار تُترجم اهتمام “مجتمعي الصغير” بالقضايا الكبيرة.. كانت الثكنة كخلية النحل لا يرتاح جنودها ولا يهدأ قادتها.. عندما كان الشارع هادئا ومطمئنا كنا نعيش “حربنا الصغيرة” بكل جدية ومسؤولية.. عرفت من خلال الأصوات خارج “حفرتي” أن فصيلي انهزم وبدأ “العدو الافتراضي” يجمع الأسرى الواحد تلو الآخر “سلم نفسك” “عرف بنفسك”.. أول ما قمت به هو أن نزعت الشارة لكي لا يكتشف العدو رتبتي فيُقايض بها “جيشي” عند الأسر.. بحثت عن مكان لردمها داخل الحفرة فسقطت يدي على شيء دافي ورطب تحرك في الداخل.. صوت الضفدع كاد يجعلني أصرخ فكتمت صوتي خشية اكتشاف مكاني. ظهر لي كعدو غير مرتقب في المكان الذي يضمن حمايتي في مواجهة عدو يتربص بي في الخارج فأيّ الأعداء أرحم وأنا وحيدة في حفرة ضيقة وبأيّ عدو أبدأ لأضمن سلامتي وحياتي.

كان سلاحي أنيسي الوحيد في مواجهة عدوين تحالفا على بقائي. “البقاء” هو هاجس كل جندي مهدّد بالفناء.. كنت دائما أرى أن الرصاصة الأخيرة إن لم تصب عدوك وجِّهْهَا إلى رأسك.. فشرف الموت بسلاحك أشرف من “عار” الأسر.. تحسست بندقيتي التي التحمت بذراعي في محاولة للتخلص من عدو الداخل الذي يشاركني الأرض والمخبأ.. علا صوت نقيقه فتراجعت كنوع من تحقيق السلامة.. سمعت أحدهم يقول.. “لا يوجد هنا سوى الضفادع والحشرات لنبحث في مكان آخر”..

أنقذني عدو الداخل من عدو الخارج بنقيقه، عرفت أني بإبقائه ربحت جولة.. سعيت للخروج فرأيت أحد “الأعداء” من الخلف يأمر رفاقي بالبقاء بوضع الجلوس على الركبة وأيديهم متشابكة خلف رؤوسهم، المشهد أرعبني.. اختلط مذاق التراب بطعم مرارة الشعور بالهزيمة، مرارة لم تحملني لاتخاذ قرار الاستسلام.. في الوقت الذي تعطل فيه التفكير لمحني أحد رفاقي وتخاطبنا بإشارة خاصة.. في اللحظة التي بدأ رفيقي يسرق انتباه العدو زحفت خارج الحفرة كالأفعى المتربّصة أخذتني بهجة المغادرة إلى التقدم دون حفيف.. غافلت “العدو” بخلفية السلاح على مؤخرة رأسه.. كان رفاقي أسرع من محاولته للمقاومة… فرحة الانتصار ساعة انتظار الهزيمة على مشارف “موقعي” الصغير بدأ ينقلب في أرض الواقع. سعادتنا بنصرنا الصغير جعلت الآمر يعطينا استراحة لمدة ساعتين كاملتين.. ساعتان هي الوقت الكافي لحسم حرب تقليدية.. نصف ساعة كافية لأُعانق الشارع خارج القبر وخارج أسوار الثكنة..

رغبتي في الخروج كانت جامحة لم تُعطني وقتا لتقدير تداعياتها وتقييم نتائجها.. فقد رأيت الباب مفتوحا.. ببرودة أعصاب غادرت الثكنة من باب بناية التمريض المفتوحة مباشرة على سور المدينة العتيقة استغللت انهماك ضباط الصف الصحيين والرائد الطبيب بمعالجة جروح زملائي.. تماديت في الشارع بخطوات واثقة لأعانق الحريّة خلسة… لما دخلت مكتب أبي القريب من الثكنة “آش تعمل هنا” تخيّرت ردّا رنّانا وغامضا “خرجت في مهمّة” وسأعود بعد قليل.. عند العودة أخذني الشوق لوجه أمي استقللت تاكسي.. عندها يستقيم الزمان وتذوب المخاطر في أمان عينيها.. ماذا فعلت ؟؟ يجب أن أعود.. عند وصولي للثكنة كانت التحركات عادية لا تُظهر اكتشاف أمري لكني وجدت باب خروجي مغلقا.. لم أجد حلا سوى الدخول من الباب الكبير أمام أنظار الشرطة العسكرية بنفس البرود المصطنع دخلت: “حضرة الضابط أين كنت” كانت لفظ “المهمة” لا يزال في مخيلتي.. كررتها ودلفت دون أن أرتبك أو تتغير خطواتي إلى الأمام.. ظننت أن الأمر مر بسلام.. إلى أن طلب الآمر الالتحاق بمكتبه.. وقوفي أمامه وهو الذي راهن على نجاحاتي جعلني لا أستطيع مواجهة نظرات اللوم والخذلان قدر استعدادي التام لأن أتحمل أيّ عقوبة يتخيّرها.. “جاوبي دون أن أسألك..” كانت جملته كصاروخ سكود الذي سقط على تل أبيب.. ما زال يظن بي الخير والثقة.. تكهنت أنه يعلم بقصة خروجي ودخولي فاعترفت.. وكان تكهني في محله. انتظرت منه إصدار عقوبة قاسية أو توجيه عبارات تصف تصرفي “المستهجن” كنت سأتقبل منه أي ردّة فعل مهما كان عنفها.. “ما عادش تعاودها.. عقابك عدم الخروج لثلاث مناسبات آتية”.. لم أكن أدري أنه كتب في سجلاتي “قادرة على التمويه والقيام بعمليات فردية ناجحة لصالح المجموعة والفرار من العدو…”

6. من الدفاع إلى الدفاع لم أخطئ الطريق
وسط دويّ الرصاص وأخبار الحُرُوب والاجتياح والنصر والهزيمة كان في الهروب إلى الدرس متعة الناجي المتعطش لآستراحة صغيرة وسط كمّ هائل من المعلومات والمواد القانونية وجب إتمامها في ظرف سنتين من التعليم العسكري اختزالا لبرنامج أربع سنوات من التعليم العالي في اختصاص الحقوق.
رحتُ ألتهم مبادئ القانون العدلي والعسكري والدولي بدون هوادة.. توجهي لقاعة الدرس زحفا منخفضا على أرضية إسفلتية مُبللة كانت أو حارقة بفعل الشمس لم يعُد يُشقيني.. دخولي على أساتذة القانون -المدنيين- بمنكب ينزف دما أصبح مشهدا عاديا إذ لم أعُد أستعمل حيلي الصغيرة في حماية بدني من آثار التدريب.. لم أعد أحاول أن أنتصر للأنثى بقدر محاولتي الانتصار للإنسان.. لم تعد “حربي” موجهة لامتلاك العالم بالإعلام ولا بالعساكر فقد بدا القانون سيّدها جميعا…

كان الفكر مُنبهرا بعالم القانون العجيب أدخُل مواده مجردة من أي سلاح مُستسلمة لأحكامه كأسيرة قائد عظيم له أخلاق الفرسان المحاربين -كم أحب أخلاق الفرسان- لأخرج من كلّ درس مدججة بأسلحة جديدة متطورة.
انفتحت عيناي على عالم الحقوق والحريات..
نامت أعين رفاقي من مشاق التدريب،، وآطمأنوا لكراساتي ينقلون منها ما فاتهم.. سحر المواد جعلني لا أستهجن -كما كنت سابقا- طلبات “الأستاذ” أن “فسخ السبورة” أو “تعالي اكتبي على السبورة”.. لم أعد أرى في ذلك استنقاصا من أنثى وحيدة في فصيل أربعيني العدد يلجأ للنوم أغلبه بحثا عن استراحة محاربين شرسين في حضرة أساتذة “مدنيين”..

تشَكي أحد الأساتذة من عدم حضورهم الذهني لم يأت أُكله فالشاهدة الوحيدة تلجأ دائما لكذبة صغيرة في مثل هذا الموقف “لم أنتبه لهم.. كنت مهتمة بالدرس..”.. تختار دائما أن لا تكون الجزء المُستضعف لأنها أنثى لن تكون الذي يعتمدون عليه للوشاية -كم تكره سوء الظن- كلفها ذلك ما كلفها وهو خيارها تتحمل تبعاته حتى ولو عوقبت مُنفردة.. وفي كل الحالات صدقت أم كذبت فلن يسلم الجميع من العقوبة الجماعية..

الأمر الوحيد الذي بقيت أستهجنه هو طلب “الآمر” في بعض العقوبات الجماعية “لك أن تخرجي من الصف.. وتغادري” ولئن لم يكن أمرا بإعطائي حقّ الإختيار -وهو أمر غير مألوف في الحياة العسكرية- إلا أني أواصل بإصرار أكبر أستمدّ من غضبتي قوّة وتحديا كبيرين يضاعفان من مقاومتي للعقوبة…
نفس الآمر لما أعيته “صحة راسي” -كما يقول عني دائما- صرح في إحدى العقوبات الجماعية “لو تبكي التلميذة ضابط م.م سوف أعفو عنكم جميعا.. ولو دمعة واحدة..” بقيت لساعات الفجر في وضع الوقوف على رجل واحدة (بصراحة كُنت أُغافل القائد وأُغير للرجل الأخرى وأسترق الراحة) كنخلة متحجرة لا تُثنيها توسلات وطلبات زملائها ولا حتى وعودهم بحمل “الحقيبة” عنها أو إهدائها “كعك قليبية بالنسري” و لا “التشمر” (التمر) كما ينطقها أحد الرفاق ولا حتى بسيسة الساحل.. هي الحيل الصغيرة تجعلك قادرا على المُقاومة.. حيل يحملها دهاء الأنثى كي لا تنكسر.

لم يكن أحد يعلم أن القدرة الذهنية هي التي تجعلك لا تشعر بالوقت.. فبمقدورك وأنت تحت عقوبة الوقوف لساعات طويلة أن تغفو وتنام وتحلم دون أن تفقد توازنك.. الحُلمُ يضمن لك الاستمرار.. تخلق الراحة من قلب الألم وتخلق السلام من قلب النار.. كنت أغفو وأنا واقفة. صحوت على قول أحدهم بصوت عال “ما تنفعش دموعي آنا ؟؟” أضحكت الآمر وأدخلتنا في ضحك مسترسل خرجت في نغمة واحدة تلتها أوامر بالذهاب للغرف..
كانت دمعة واحدة كافية لأنتصر لهم جميعا.. ولم أفعل
كان موقف واحد كافيا لو قُمتُ به لفائدة المجموعة.. ولم أفعل..
هل سيدون الآمر في سجلاتي كما فعل سابقا “قادرة على التمويه والقيام بعمليات فردية ناجحة لصالح المجموعة والفرار من العدو…” ؟؟ أم أنه تصرف أناني خذل الجميع ؟؟
أم أن الطلب كان يُخفي قناعة “الآمر” المُسبقة أني لن أفعل ؟؟ فأراد أن يمتحن إصراري باستفزاز “عقدة” الأنثى في داخلي.. يُعيدونني دائما إلى مربع المقارنة بين الذكر والأنثى دون رغبتي.
“لو”.. كانت كلمة واحدة اختزلت معنى أن تُضحي من أجل المجموعة بحياتك أو بكرامتك.. ولكنتُ فضلت الأولى على الثانية..
الدمعة لو خرجت يومها لقتلت كبريائي أما الروح إن غادرت فلتغادر بكبرياء.
كبريائي منعتني من أن أكون تمثالا جميلا يزين الصف أو أن يُختزل حضوري في “منحة” أو “هبة” من الرجل وقد تقدّمت عليه باقتناص موقعي باستحقاق أسقطه التوجيه المفترض لأنثى طمحت أن تكون ذات مسؤولية لا مجرد إدارية،، اختل توازني وعاد ذهني يسوقني لمشهد حربي الصغيرة مع نفسي. شعوري بالفشل من الدفاع عن حقي في التموقع جعلني أطرق باب الاستقالة لأخرج من “العسكر” من الباب الكبير وأتمم تعليمي الجامعي دون خسارة مدة التعليم السابقة لأقتحم عالم القانون من أوسع أبوابه.

دخلت الجامعة ببدلتي العسكرية أوّل يوم تحاصرني عيون الطلبة باختلاف مشاربهم بيسارهم ويمينهم بناشطيهم ومحايديهم.. واصلت تعليمي بنجاح وبقي حذائي العسكري لا يُفارقُني..
من “الدفاع” إلى “الدفاع” لم أخطئ الطريق.. لكن الحب الجارف للعلم الذي أتقنت تحيته في التدريب مازال يمارس علي سلطانه ففي القانون أيضا عرفت كيف تنتصر للوطن وأهله وتلك قصة أخرى.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد