الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / المخدّرات في تونس: بين الدواعي الإنسانيّة.. والضرورة الوقائيّة..

المخدّرات في تونس: بين الدواعي الإنسانيّة.. والضرورة الوقائيّة..

عبد اللّطيف درباله

من أجل قانون مخدّرات أكثر عقلانيّة وإنسانيّة ومرونة.. مع النجاعة والقدرة على الردع والحدّ من الإنتشار.

مشكلة المخدّرات في تونس هي مشكلة خطيرة ومحيّرة ومعقدّة فعلا..
وهناك آلاف الموقوفين سنويّا..
وتشير الإحصائيّات بأنّ حوالي ثلث المساجين في السجون التونسيّة تهمتهم هي استهلاك المخدّرات.

في الواقع.. يمكن أن نتفهّم تماما أنّ هناك الكثير من الحالات الإنسانيّة والاجتماعيّة لشباب صغير في السنّ، بل ولتلاميذ وطلبة، أوقفوا وسجنوا من أجل استهلاك ما ينظر إليه باعتباره المخدّر الأخفّ تأثيرا والأقلّ ضررا والأكثر انتشارا.. وهو “الزطلة”..
شبّان ربّما أودت بهم سيجارة واحدة إلى السجن وغيّرت مستقبلهم وحياتهم.. وشبّان آخرون تعوّدوا الإستهلاك بنسب متفاوتة حتّى وجدوا أنفسيهم خلف القضبان وأثّرت التجربة القاسية على شخصيّتهم وحياتهم ومستقبلهم.. خاصّة بفعل ظروف السجن الكارثيّة في تونس.. كما تحوّلت نسبة منهم إلى مجرمين بعد دخولهم للسجن..

وطبقا للقانون عدد 52 المتعلّق بالمخدّرات فإنّ عقوبة الاستهلاك تتراوح من السجن لمدّة سنة إلى خمس سنوات.. ويسحب قانون المخدّرات من القاضي إمكانيّة تطبيق آليّات التخفيف التي يتيحها المشرّع في أغلب الجرائم الأخرى على المحكوم عليهم في حال ثبوت الإدانةّ، وهو ما يجعل القاضي مجبرا حتّى في حالة رغبته في مراعاة ظروف المتّهم والتخفيف عنه إلى القضاء بسجنه لمدّة عام مع خطيّة ماليّة بألف دينار في أدنى الحالات..
لذا بات القانون في حاجة إلى مراجعة أكيدة لإدخال المرونة والنجاعة عليه.. وأنا مع فكرة مراجعة القانون.. وجعله أكثر إنسانيّة وعقلانيّة.. لكنّني ضدّ الرأي الذي ينادي برفع العقاب عن مستهلكي “الزطلة” تماما باعتبارهم ضحايا.. والتشديد فقط على المروّجين..
أوّلا لكونه من غير العقلاني أن يعتبر القانون أنّ استهلاك مواطن لمادّة معيّنة هو عمل قانوني ولا يشكّل جريمة وغير موجب للعقاب.. وفي المقابل يعتبر القانون أنّ توزيع وترويج تلك المادّة هو عمل غير قانوني ويشكّل جريمة ويستوجب العقاب..
وثانيا لأنّه لا يمكن فعلا اعتبار جميع مستهلكي الزطلة مرضى وضحايا.. لأنّ الكثير منهم على اطّلاع كامل بأضرار المخدّرات على صحّته وعقله وجسمه وشخصيّته وعلى أمواله ومكانته الاجتماعيّة ومستقبله.. وهو على دراية تامة بعواقبها وبكونها عملا غير قانوني وقد يؤدّي به إلى السجن.. وبرغم ذلك يختار استهلاكها عن وعي وقناعة ورغبة.. دون إكراه.. ودون تغرير أو جهل بالأمر.. وبالتالي فهو يستحقّ المحاسبة على ما بدر منه من أفعال واعية وقصديّة مع العلم تماما بعواقب ما يفعله.. ولا مبرّر والحالة تلك لاعتباره ضحيّة أو مغرّرا به..

لكن في المقابل يمكن مراعاة ظروف بعض المستهلكين ووضعيّتهم الاجتماعيّة وضرورة الحفاظ على مستقبلهم وإعطائهم فرصة أخرى للتدارك.. خاصّة بالنسبة للمستهلكين الجدد أو لمن لا سوابق قضائيّة له في الإستهلاك.. ولا يكون ذلك بإعفائه تماما من العقاب والسجن.. لأنّ الواقع أنّ عدد مستهلكي المخدّرات في تونس يقدّر بمئات الآلاف بحسب كلّ الإحصائيّات والدراسات من جهات مختلفة حكوميّة وجمعيّاتيّة وخاصّة..
ناهيك أنّه وبرغم علم المستهلكين أنّ عقوبة بالسجن لا تقلّ عن سنة وألف دينار خطيّة في انتظارهم.. حتّى عند إستهلاك المخدّر الأخفّ وهو “الزطلة”.. فإنّ ذلك لم يشكّل رادعا لمئات آلاف الأشخاص على الإقدام على استهلاك المخدّرات بأنواعها.. بل وبإعادة الإستهلاك حتّى بعد الخروج من السجن لنفس الجريمة..
فإذا ما أصبح الراغبين في الاستهلاك مطمئنّين تماما إلى أنّهم لن يتعرّضوا للتتبّع والمحاكمة والعقاب عندما يقبض عليهم للمرّة الأولى من أجل استهلاك “الزطلة” فسيشعرهم ذلك بوجود “هامش” كبير من الأمان.. وبأنّهم في “فسحة” تخوّل لهم استهلاك المخدّر باطمئنان تامّ طالما لم يقبض عليهم للمرّة الأولى..
وإذا ما علمنا آنّ آلاف الموقوفين والمسجونين سنويّا من أجل استهلاك المخدّرات لا يتجاوزون على الأغلب 5 بالمائة من جملة المستهلكين الفعليّين “للزطلة”.. أمكن لنا تفهّم وتوقّع ما سيشهده واقع استهلاك المخدّرات من “إنفجار” عظيم في أعداد المستهلكين بفعل “التطمين القانوني” الجديد المقترح.. وسيقفز بذلك رقم المستهلكين من مئات الآلاف إلى الملايين خلال سنوات قليلة فقط.. بعد أن ينضمّ إليهم الراغبون سابقا في الاستهلاك ولكنّهم امتنعوا خوفا من العقاب..

المخدّرات اليوم وخصوصا “الزطلة” تشهد إنتشارا واسعا في تونس لعدّة أسباب.. وهي تباع بجميع الأماكن وحتّى في محيط المدارس والمعاهد والجامعات.. وبأماكن تجمّع الشباب مثل الملاعب والملاهي الليليّة.. وبأسعار أصبحت نسبيّا في متناول شريحة هامّة وعريضة جدّا من المجتمع..
وبحسب الإحصائيّات فإنّ نسبة هامّة من الأطفال ومن التلاميذ ما بين 12 و18 سنة تستهلك اليوم المخدّرات أو جرّبتها على الأقلّ لمرّة واحدة.. ونسبة الفتيات فيها مرتفعة جدّا.. ونسبة المستهلكين منهم بانتظام وبكثافة تعدّ هامّة جدّا..

كما أنّ أغلب الدراسات أثبتت أنّ نسبة هامّة من مستهلكي مخدّر “الزطلة” ترتفع وتيرة إستهلاكهم له بمرور الوقت ويتحوّلون إلى مدمنين حقيقيّين.. ثمّ عادة ما يبحثون بعد تعوّدهم عليه على مخدّر آخر أقوى تأثيرا.. وهو ما يجعل استهلاك “الزطلة” هو الطريق السريعة نحو إستهلاك المخدّرات الأخرى الأكثر خطرا وضررا وفتكا مثل الهيروين والكوكايين والشيرة والأقراص المخدّرة..
وهي أنواع من الإدمان لا تضرّ بمتعاطيها فقط.. وإنّما تضرّ بالمجتمع وبالآخرين.. إذ يقدم الكثير من الواقعين تحت تأثير المخدّرات على جرائم خطيرة مثل العنف والاغتصاب والسرقة بالإكراه والقتل.. عدا عن التسبّب في حوادث المرور القاتلة.. وتسجّل تونس سنويّا مئات وربّما آلاف الجرائم الخطيرة التي ارتكبها مدمنون واقعون تحت تأثير المخدّرات.. أو ارتكبوها لأجل الحصول على المال لشرائها..

ترتفع نسب إستهلاك المخدّرات في تونس وبحسب الأرقام الرسميّة الحكوميّة نفسها بوتيرة تصاعديّة سريعة ومخيفة.. خاصّة بعد الثورة.. نظرا للفوضى الأمنيّة التي دامت عدّة سنوات.. ونظرا لعوامل أخرى عديدة منها ضعف الرقابة على الحدود.. وضعف إمكانيّات الأمن المخصّصة لمقاومة المخدّرات ومطاردة المروّجين والمهرّبين.. وكذلك لانتشار الفساد وتورّط عدد من الأمنيّين أيضا في شبكات ترويج المخدّرات بحسب ما كشفته الأبحاث في عديد المناسبات..
كما أنّه ليس هناك إرادة سياسيّة قويّة وصلبة.. ولا أيّ مجهود جدّي لإغلاق منافذ التهريب المفتوحة على مصراعيها عبر الحدود.. والتي لا تمرّر منها البضائع التجاريّة فقط.. وإنّما أيضا السلاح والمخدّرات.. كما أصبح الجميع يعرف اليوم وأوّلهم الحكومة..
علاوة على ذلك فإنّ مافيا تهريب وترويج المخدّرات داخل تونس والمرتبطة بمافيات أجنبيّة.. أخذت عن هذه الأخيرة خبرتها وأساليبها في التهريب والترويج.. وأصبحت أكثر تنظيما واختراقا لكامل المنظومات خاصّة لامتلاكها المال والقوّة وشبكة العلاقات.. وهو ما يجعلها فاعلة وفي مأمن.. وقادرة على نشر بضاعتها المخدّرة على نطاق واسع جدّا.. ولا تشكّل الكميّات المحجوزة والمهرّبين المقبوض عليهم إلاّ قطرة من بحر المخدّرات المروّجة حقيقة في بلادنا.

كلّ ذلك.. ولسنا هنا في حاجة إلى التذكير بمضار المخدّرات بجميع أنواعها حتّى الخفيفة منها مثل “الزطلة” على الصحّة الجسديّة والعقليّة للأشخاص وأضرارها على المجتمع والإقتصاد الوطني.. كلّ ذلك كان يفترض أن يدعو إلى مقاومة إنتشار الظاهرة والخطر الداهم على مجتمعنا وبلادنا.. ويستنفر جميع القوى لبذل مجهود إستثنائيّ وخارق.. وإتّخاذ إجراءات وقرارات للحدّ منها.. وليس إقرار وإصدار قوانين جديدة من شأنها أن يكون لها آثارا جانبيّة تؤدّي إلى تغييب الردع وذلك بسبب رفع العقوبة نهائيّا.. أو ولو بمجرّد الإعفاء منها للمرّة الأولى.. بما سيؤدّي إلى تشجيع من بقي من المتردّدين والخائفين إلى الانخراط في الإستهلاك مطمئنّين إلى أنّ أمامهم فرصة للإفلات من العقاب عندما يقبض عليهم للمرّة الأولى..
والقبض على المستهلكين للمرّة الأولى هو الأمر الذي يمكن أن يتأخّر لسنوات.. ويمكن أن لا يحدث أبدا على الأرجح.. باعتبار أنّ نسبة المقبوض عليهم فعليّا من أجل الإستهلاك لا تتعدّى 5 بالمائة من العدد الجملي للمستهلكين..

أعتقد أنّ أفضل الحلول لمقاومة آفة المخدّرات وبقطع النظر عن تشديد الملاحقة ضدّ المروّجين والمهرّبين وأيضا تشديد العقوبات القانونيّة ضدّهم.. يكمن أوّلا في تنقيح الفصول الخاصّة بالقانون عدد 52 المتعلّق بالمخدّرات وذلك بتمكين القاضي من تفعيل آليّات التخفيف القانونيّة المعروفة والمعتمدة في الجرائم الأخرى للتخفيف من العقوبات وملاءمتها مع الوضعيّات المطروحة أمام القاضي والمحكمة حالة بحالة.. وذلك بالنظر إلى سنّ المتّهم ووضعيّته الاجتماعيّة ومستقبله وسوابقه في المجال وملابسات قضيّته وغيرها من العوامل الأخرى..
كما يمكن وعوض أن يقع إعفاء المستهلك للمرّة الأولى من العقاب تماما.. الإكتفاء بعقوبة سجنيّة قصيرة وسريعة للغاية مثل أن تكون لمدّة شهر واحد في المرّة الأولى.. ولمدّة تترواح بين 3 و6 أشهر في المرّة الثانية.. ولمدّة لا تقلّ عن سنة إذا ما عاد للاستهلاك لاحقا.. كلّ ذلك مع إعطاء القاضي سلطة تقديريّة للأمر بحسب الحالة وظروف المتّهم.. مع إجباريّة خضوع المستهلك المحكوم عليه لحلقات تكوينيّة من أجل الإقلاع عن التعاطي والإدمان أو للعلاج الطبّي عند الإقتضاء.. وذلك بحسب الحالات..
كما يمكن إقرار عقوبات بديلة أو تكميليّة مثل الخدمة العامّة وغيره..
وبالنسبة للمحكوم عليهم بالسجن من أجل الإستهلاك في المرّة الأولى والثانية.. فيمكن بعث أجنحة خاصّة لهم في المؤسّسات السجنيّة وذلك حتّى لا يختلطوا بباقي المسجونين من مجرمين خطرين.. وأن تكون أقسام السجن تلك خاضعة لإشراف مكثّف من طرف أطبّاء وأخصّائيّين نفسيّين واجتماعيّين وقانونيّين.. وأن يمكّنوا من زيارات مكثّفة من طرف أقربائهم ومن يملكون سلطة معنويّة عليهم.. بما في ذلك متابعة أقربائهم للإحاطة بهم من طرف المعالجين والأخصائيّين..

أعتقد أنّ القول بأنّ حماية المجتمع وحماية الشباب الصغير سنّا المستهلك للمخدّرات تقتضي إعفائهم من العقاب ولو للمرّة الأولى.. لن يؤدّي في الواقع إلى حمايتهم وتقديم لمسة إنسانيّة لجريمتهم.. وإنّما سيؤدّي على العكس من ذلك إلى تشجيعهم على المغامرة والمخاطرة باستهلاك المخدّرات.. وبالتالي إلى مزيد إنتشار ظاهرة الإستهلاك وارتفاع نسب المستهلكين.. وعمليّا إلى التغرير بالشباب الصغير وإغراقه في المخدّرات عوض حمايته وإنقاذه من تبعاتها القانونيّة والقضائيّة والإجتماعيّة..

إنّ الحلّ في رأيي لا يكمن في الرفع الآلي للعقاب بالنسبة للمقبوض عليهم للمرّة الأولى.. لأنّ القبض عليهم للمرّة الأولى قد لا يعني بالضرورة انّهم استهلكوا المخدّرات للمرّة الأولى.. بل قد يكونون من المتعاطين والمدمنين لفترات طويلة..
إذ يجدر التنبيه إلى ضرورة التفرقة بين الإستهلاك لأوّل مرّة.. وبين القبض على المستهلك لأوّل مرّة..
فالفرق كبير وشاسع.. والمقبوض عليه لأوّل مرّة قد يكون مستهلكا لفترة طويلة.. وبالتالي ليس مجرّد شخص زلّت به القدم ووقع بين يدي الأمن عند أوّل أو ثاني تجربة..

ولكنّ الحلّ في رأيي هو أنّ العقاب بالسجن لمستهلكي المخدّرات يجب أن يبقى قائما ولو لمدّة زمنيّة رمزيّة وقصيرة جدّا بالنسبة للمحكوم عليهم للمرّة الأولى.. حتّى يبقى دائما عامل الردع موجودا وبارزا.. ويحدّ من إنتشار الظاهرة.. ولا يعطي إشارة خاطئة بأنّ الدولة لا تعاقب على إستهلاك المخدّرات.. وأنّ استهلاك المخدّرات هو “مرض”.. وأنّ المستهلك هو “مريض” و”ضحيّة”.. ولا يستحقّ العقاب..

#لا_للزطلة_لا_للسبسي

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد