الخميس ، 30 مارس 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / تونس “زيتونتنا” المتسامحة

تونس “زيتونتنا” المتسامحة

ليلى الهيشري

يعتبر المجتمع التونسي نموذجا عربيا متميزا وذا خصوصية ترقى إلى مستوى الأيقونة في نظر المجتمعات العربية لما مثلته من صورة حداثية لمجتمع عربي إسلامي لم تشهدها المنطقة قبل ذلك. حتى وان كان من الصعب تجاهل الانجازات التي حققتها بعض الدول الإسلامية الأخرى وخاصة ماليزيا في تطوير بنيتها التحتية وتحسين المستوى المعيشي للمجتمع الماليزي، قد نستطيع الدفع إيجابيا بما نتميز به عنها رغم كل انجازاتها التاريخية على المستوى الاقتصادي، فقد عجزت كغيرها من دول العالم العربي والإسلامي عن تكريس جملة من المبادئ التحررية الفكرية التي اطلق عنانها في المجتمع بسلاسة استثنائية دعمتها أسس بنوية مترسخة تاريخيا في المجتمع التونسي، الزاخر بالتنوع الفكري والمنسجم مع الحضارات المجاورة له والمتقبل للاختلاف العقائدي مما اكسبه رقيا ثقافيا اثر على طبيعة المجتمع وقدرته على بذل مستوى من التسامح والتفتح على كل العالم بمسافاته القريبة والبعيدة دون استثناء.

ورغم بعد المقاربة بين هاتين الدولتين، وحتى مع تسجيل غياب للإرادة الحقيقية والموارد الضرورية لتحقيق قفزة اقتصادية كتلك التي من الله بها على ماليزيا، يكمن التميز التونسي في بساطة مواردها ودفء شواطئها ونقاء عمقها التواصلي والمنبهر بمبادئ التسامح والانفتاح على كل الحضارات، حيث تمكنت من فهم جوهر الإسلام ودعوته إلى الانفتاح على الاختلافات العقائدية الأخرى بما يتناسب مع أدنى متطلبات التسامح المبني على مبادئ التوحيد واحترام الذات الإنسانية.

شكل هذا الفارق ميزة أطلقت العنان لركب الحرية والتميز وخلقت من النموذج التونسي سابقة في الحضارة العربية الإسلامية المطلة على البحر الأبيض المتوسط والمجاورة للقارة الأوروبية حيث لا تفصلها عن شبه الجزيرة الإيطالية سوى أميال قليلة، لم تنجح المسافات الحدودية في وضع الفواصل الثقافية التقليدية المفروضة بين النمط الغربي والنمط الشرقي، لان تونس حسب تركيبتها الإيديولوجية والاجتماعية المنبثقة عن نمط عيش أفرادها، لم تعتمد مبدا التقليد الأعمى ولا التبعية الجرداء والخاوية.

تونس هي “زيتونتنا” المعمورة المتسامحة والمعتدلة، هي ذلك التاريخ الزاخر بالمواقف والأزمات والحروب والتضحيات، فهل من المجدي بعد 6 سنوات من التحرر والتبادل الفكري الحداثي أن نحتفظ بممارسات إقصائية ومتعنتة نرمي بها كل معارض لأفكارنا بكل ما تخلقه هذه الممارسات من عوائق في الوضع الراهن والتي قد تؤثر تداعياتها سلبا على المستقبل؟

هناك سعي مستمر لتدمير رموزنا السياسية واتخاذهم هدفا للتشهير والانتقادات المرضية، وأنت تواصل ذلك فسيكون سلوكا مدمرا لتاريخ تونس الحديث، وسيكون ذلك من خلال العمل على بناء صورة قاتمة تقوم على التشهير بالشخصيات السياسية التي أنصفها التاريخ بإيعاز من بعض الأطراف الخفية نحو مصالح وبرامج بعيدة المدى لا تخدم المصلحة العامة بقدر مراعاتها للمصالح الضيقة لفئة معينة.

لذلك يتوجب البحث عن أسلوب منطقي في التعاطي مع تصريحات خارجة عن المألوف عودتنا بها شخصية سياسية معينة واكبت على طريقتها التاريخ السياسي التونسي والعالمي من خلال اعتلائها منصب رئاسة الجمهورية بانتخابات ديمقراطية كانت سابقة تاريخية لتونس في زمن يختلف عن مرحلة الاستقلال، تلك المرحلة التي تحققت بجهود جبارة بذلت في سبيل بناء الجمهورية الأولى والتي عرفت هي أيضا موجة من العداء والتشهير للتقليل من شأن صانعي الاستقلال من سياسيين ومجاهدين منحوا كل نفيس لتحقيق نقلة نوعية في فترة الخمسينات من القرن العشرين ونعني بالذكر النخب السياسية، فمنها التي قادها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ومنها التي أعلنت عن ولائها للزعيم بن يوسف، فضلا عن الفلاقة المرابطين في الجبال والوديان والذين شكلوا الجبهة الأولى والمباشرة الميدانية للذود عن تراب تونس والضغط على المستعمر الفرنسي للرحيل. وكانت لهذه الحملات المتبادلة في تلك الفترة أثرا سلبيا على الوحدة التونسية، ولدت انقسامات ساهمت في إضعاف الشعب التونسي وتقسيم وحدته إبان الاستقلال وأسست لقيام الأنظمة القمعية فيما بعد.

تعيش تونس بعد أكثر من نصف قرن حدثا مهما، ربيعا واعيا ومتحضرا ساهم في وضع اللبنة الأولى لبناء الجمهورية الثانية التي دعا إليها محمد المنصف المرزوقي باعتبارها احدى قناعاته التي تمخضت عن تنظيره الشخصي لجملة من التصورات السياسية في الشأن التونسي، ولقد نجح في اكتساب ثقة بعض الأحزاب الحليفة التي كونت بمعيته تحالف الترويكا الشهير ونجح من خلال هذا التقارب الإيديولوجي والاستراتيجي في الحصول على منصب رئيس الجمهورية في الفترة الممتدة بين 2012 و2014.

وتواصل ذلك الإحساس أو تأكد مع عدم قدرة النخبة السياسية المنتخبة، سواء تعلق الأمر بفترة حكم الترويكا والتي كان فيها المرزوقي طرفا فاعلا أو في فترة نداء تونس الحالية والتي تشهد تباطؤا في تنفيذ وعودها الانتخابية نتيجة العوائق المحيطة بنشاط الحكومة وخاصة تلك المتأتية من التجاذبات داخل الحزب المبتلى بقواعد وكوادر متكالبة على اقتسام المناصب القيادية باعتبارها تركة شرعية للباجي قايد السبسي والملتفين حوله من سياسيين ونخبة فكرية ورجال أعمال نافذين، وأفرزت هذه الأحداث المذكورة عن تشكيل تحالفات متصارعة أضرت بعمل الحكومة التي تعددت ولاءات أعضائها وتفرقت بين الجموع المتناحرة على قيادة الحزب.

أردت من خلال الحديث عن التشهير الإعلامي لشخصية سياسية عامة متمثلة في محمد المنصف المرزوقي عبر وسائل الإعلام ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي، استشعار ردة الفعل الفاقدة لأبجديات النقد الحضاري المطلوب في مواجهة أي تصريح صحفي قد يصدر من شخصية سياسية ما مهما كانت طبيعة التصريح، وخاصة أن ما قيل على لسان المرزوقي ليس سوى طرحا شخصيا جاء في صورة مقارنة، تعرض فيها لجانب من الحقيقة، عبر توصيفه لجملة من التحديات السلوكية التي يواجهها المجتمع التونسي والذي كان ضحية لمراحل تاريخية سوداء في سجل الحريات الفكرية، عجزت عن التعايش مع مفهوم الحرية والمواطنة وعمدت إلى قمع المواطنين فكريا، فخلقت ذلك المحيط الذي فرض نفسه سجانا لشعب بأكمله، اجبر المجتمع على الانصراف إلى مشاغله الحياتية من خلال الاعتماد على غريزة البقاء في الطبيعة الغابية التي افرزها الواقع، مقابل التخلي عن حقوقه السياسية وحريته في اختيار مصيره.

فقد كان تصريح محمد المنصف المرزوقي بمثابة الخطيئة التي ارتكبت في وضح النهار أمام مرآ ومسمع بعض الفئات الاجتماعية المتخلية غصبا عن عادات القمع ومحاسن الاستقرار السلبي، ولقد اعتبر تحليله إهانة للشعب التونسي وكأننا بذلك نستبيح أسلوب مجاملة مغلوط يقتضي رمي الورود على تجربة فتية لم تلق ثمارها بعد، لنترك المجال نحو جمود فكري يرفض المقارنات والنقد والتنظير الصحي الذي يجب أن يكون قاعدة لبناء المستقبل، وقد أتمادى في دعم رأيه من خلال قراءة للوضع الاجتماعي التونسي ومعاناته الكبرى في معالجة بعض الجوانب السلوكية والتواصلية بين الأفراد، بجنوح الأغلبية إلى اعتماد وسائل التهكم والسخرية والشتم لكل تصريح يرونه مختلفا عن توجهاتهم الفكرية والسياسية وحتى الرياضية، وتعد شخصية المرزوقي من ابرز ضحايا هذه السلوكات الهجينة التي تعمل على تشويه التاريخ التونسي من خلال العمل على تهميش أفكار المنظرين السياسيين والتشهير بالشخصيات السياسية العامة التونسية.

لذلك ومن منظور محايد وغير متحامل على الأفكار والأشخاص وجب التعريف بأبرز ضحايا الممارسات الشعبوية الموجهة في تونس. يعد محمد المنصف المرزوقي مواطنا تونسيا، متحصلا على شهادة الدكتوراه في الطب، وهو ناشط متميز في مجال حقوق الإنسان وله صولات وجولات في التعاطي مع بعض تلك الملفات الحقوقية الحارقة. كما عرف في الأوساط السياسية والحقوقية العالمية كمعارض بارز من بين النخبة المتماسكة والقوية في مواجهة المستبد والتي نجحت في إرباك النظام القديم وأسست لتحالفات خارجية فعالة خارج تونس جمعت العديد من التيارات المتنافرة والتي استطاعت التشكل تحت لواء الوطنية التونسية للتعريف بفظاعات الممارسات القمعية في الداخل التونسي ومعاناة الشعب.

في الأخير أود أن أعرب عن امتناني للثورة التونسية التي سمحت بتجسيد واقعي وعملي لمبدأ صنّف ضمن الحريات الأساسية للمواطن في العالم وهو مبدا حرية التعبير، لذلك وان كان الحديث عن الشعب التونسي في اطار مقارنة بين مجتمع غربي أسس لديمقراطية متجذرة عبر قرون طويلة، دعمت وجودها من خلال نزعة استعمارية حرمت بها العديد من الدول ومنها تونس من خيرات مواردها لتجعل من نفسها دولة ديمقراطية تثير إعجاب العالم على انقاض شعوب ظلمتها وقمعتها متناسية الدساتير الغربية المدججة بالحقوق والحريات “ذات النزعة السكيزوفرينية” المقيتة التي تواجه بها الرأي العام العالمي والتي أسست إلى تلك الواجهة المشرقة لتبهر بها السياسيين في العالم ولا سيما اللاجئين السياسيين لنفس تلك الشعوب التي عملت على قمعها طويلا، وهو ما قد يحط وجوبا من قيمة تلك المقارنة غير المتكافئة بين شعب فرنسي مدلل ومتطور ومبني على انقاض الشعوب المستعمرة والتي تعد تونس احدى ضحاياها في الفترة الممتدة من 1881 إلى 1956، بل هي في الحقيقة مقارنة تعدو أن تصل إلى المظلمة الحقيقية في حق المجتمع التونسي ولكنها مقارنة قد أجد في طرحها بصيصا صغيرا من النور قد يحفز المجتمع التونسي على مزيد من التطور ولو كان بنسق بطيء.

تسجل عملية الخروج من بوتقة القالب الذي فرضه النظام السابق على المجتمع إجراء صعبا ويتطلب مراحل عدة خاصة وان النظام السابق وما سبقه من أنظمة ساهمت في دس السم البطيء في المجتمع التونسي، بتشريع جملة من الممارسات البغيضة انتشرت بفعل الواقع المعاش تحت طائلة الظروف المفروضة دون أن تنجح تلك العيوب، التي ذكرها المرزوقي، كالنفاق، الكذب، والمحسوبية في المجتمع التونسي في تدمير المجتمع التونسي. فقد نجحت مجموعات كبيرة من الشعب التونسي في الانعتاق من هذه العيوب وهو ما ساهم في بلورة ثورة بذلك المستوى من التحضر والسلمية كدليل قاطع على فشل المخطط التدميري للمجتمع التونسي من قبل نظام بن علي عبر تشجيعه لمنظومة الفساد واحتضانها لتركيز حكمه، ولقد أسس ذلك الرفض لتلك التعاليم الكهنوتية الظلامية في إخراج القمع من بلد الياسمين الأبيض.

وفي الختام، أتمنى على السيد المرزوقي أن يفيدنا بنظرياته المعتدلة والعلمية المتعلقة ببناء الدولة الديمقراطية النموذجية والتي دعا إليها في كل المناسبات المتاحة له، خاصة وانه يصنف، حسب العديد من المحللين السياسيين، ضمن نخبة من المنظرين السياسيين ذات التوجه المعتدل والمتوازن، والداع لبناء الدولة الديمقراطية الناجحة والقاطعة مع عودة الاستبداد في تونس، ولكن أدعوه في المقابل وبكل احترام أن يرى في الشعب التونسي كيانا قادرا على استيعابه كوحدة كان لها  الفضل في جعله شخصا مهما وأيقونة سياسية وحقوقية ذات شأن دون أن يسقط في مطبات المعادلات الحسابية غير المدروسة. علما وان كان العديد من السياسيين يفضلون تطبيق النماذج الديمقراطية التقليدية الناجحة بصفة حرفية، فقد أثبتت العديد من التجارب السياسية فشل هذه القوالب الجاهزة في التعايش مع محيطات لا تناسبها، ففي تجاهلها لذلك العنصر الذاتي المتمثل في خصوصية المجتمعات المعنية بالتغيير نحو نمط ديمقراطي، تبقى التجارب حول العالم أبرز شهادة على ضرورة تجنب عمليات الزرع الفاشلة لنماذج ديمقراطية في محيط اجتماعي وسياسي غير مناسب.

شاهد أيضاً

كنت في الرقة: هارب من الدولة الإسلامية

وائل زميت هذا عنوان كتاب خرج قبل ايام، من اصدار دار نقوش عربية… للكاتب والصحفي ...

اترك رد