السبت ، 18 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / علمٌ خفّاقْ وشعب صفّاقْ

علمٌ خفّاقْ وشعب صفّاقْ

منجي باكير

قد تتناول منابر الحوار وطاولات النّقاش، كما قد تكتب أقلام النّقد والجدل السّياسي عن الشّخوص المشتغلين في الحقل السياسي التونسي سواء الفاعلين منهم أو المهمّشين وحتّى الهامشيين منهم، وتتوسّع تشخيصا وتحليلا في ذات هذه الدّائرة، غير أنّه من النّادر جدّا إذا لم نقل البتّة أن تتحدّث عن ما يشكّل -ضرورة- المرجعيّة الأولى والأخيرة والمؤثّر الأكبر في كلّ تفاعلات ومستحدثات المشهد السياسي الجاري في البلاد، لا تتوجّه الإهتمامات إلى (كتلة العمق الشعبي) أو ما يعرف اصطلاحا: رأي الشّارع أو الرأي العام.

الرأي العامّ الذي -من المفروض- أنّه هو من يسطّر الخطوط العريضة للمسار السّياسي وما يقابله إجتماعيا واقتصاديّا في الدّول الديموقراطيّة من خلال صناديق الإقتراع والإستفتاءات والإستبيانات، وهو من يصنع (صدمات الرّأي) التي تصلح اتّجاهات وتوجّهات هذا المسار وترجعه إلى جادّة الصّواب كلّما انحرف به أعلام السّياسة عن المصلحة العليا للبلاد والعباد أو كلّما -لعب- به إعلام التردّي، وهو من يحرس سلامة هذا المسار أيضا وثوابت الديمقراطيّة من التغوّل والإنقلاب ومن التفريط في المكاسب والمقدّرات الوطنيّة ويحميها من السّرقة والإختطاف من طرف الأباطرة واللّوبيّات المحليّة والخارجيّة،،، لكنّ هذا العمق الشعبي في بلادنا فرّط في هذه الحقوق وترك الأمور على عواهنها ولم يكلّف نفسه لا مراقبة ولا متابعة ما يجري على السّاحة السياسيّة علنا فضلا عمّا يُحاك سرّا وفي مطابخ مغلقة…

هنا تستحضرنا نكتة نُسبت إلى المقرىء عبد الباسط عبد الصّمد، أنّه أثناء استقباله في مطار قرطاج وعلى نحو ما جرت عليه العادة (السيّئة والمقرفة) حينها وحتّى الآن بأن يصرّح الضيوف وخصوصا منهم الفنّانون بالجملة المعهودة والممجوجة -أنا في بلدي التّاني، شعب تونس شعب سمّيع، شعب زوّاء- غير أنّ ما نُسب إلى الشّيخ أنّه خرق المعهود وقال: علمٌ خفّاق وشعبٌ صفّاق !

بقطع النّظر عن الصّحة من عدمها في ما رُوي، إلاّ أنّ هذه الجملة -الإعتراضيّة- تلخّص وقتها بأنّ حال الشعب المحكوم بدكتاتورية الرّجل الأوحد لا يكون إلاّ شعبا خانعا ويزيدُ خنوعُه مع رضائه بالأمر الواقع وانصرافه إلى حيثيّات حياته اليوميّة مسلّما مقاليد أمره إلى الحاكم الأوحد والمجاهد الأكبر والشّهيد الحيّ، هذه الحالة وبعد عصر الدكتاتوريّة الثانيّة والتي كانت أشدّ وطأة عليه وكانت أكثر ضراوة وإجحافا فزادت من عقدة الخوف لدى نخب الشعب قبل عامّته وغرست في الشّعب فوبيا سياسيّة زادها عناء مشاكله اليوميّة وصعوبة لقمة العيش عمقا وحوّلتها إلى لامبالاة مزمنة لم تقدر حتّى تحولات ما بعد الثورة أن تشفيه منها الشفاء التام، فبعد انقضاء (فوْرة) الثورة انسحب هذا الشعب من ساحة المشهد السياسي ولم يعد يحرّك ساكنا، لم يحرّكه ما تقترفه الأحزاب والمنظّمات من تلاعب بمصالحه وهويّته ودينه وطمس لأعرافه ولا ما يمارسه كثير من السّاسة من متاجرة بالمصالح العليا للوطن ومقايضة بمكاسب الثورة، ولا يعنيه من حاد من نوّابه بالمجلس عن العهود والمواثيق وما تفعله أيدي الشركات المتعددة الجنسيّات في ثرواته من نهب.

هذا الشّعب لا يعنيه ما يقوم به أباطرة التهريب من سرقة لقوته اليومي وتصديره ولا ما يدخلونه من سموم وموبقات إلى البلاد، بل يتعاملون معهم في السّوق السّوداء -جهارا- وبكل رضى ليساهموا في ثراء وبروز طبقة جديدة من البرجوازيّة الوسخة أبطالها (خلايق وخريجي سجون) يزيدون الطين بلّة، شعب ترك أيقونات رعناء تعربد في المشهد الإعلامي ليُعملوا كلّ أسباب الفتن ويزرعوا الفساد الأخلاقي صبحا ومساء ويلمّعوا لصوص ومجرمي العهد السّابق. شعب من بعد ما قام بثورة نموذجيّة أدهشت الشعوب والقادة وباغتت أعتى المخابرات انتهى به الأمر بأنّ فوّض أمره إلى وُكلاء هم بدورهم أوكلوها إلى آخرين يأتمرون بأجندات لا ولن تتقاطع أبدا مع مصالح البلاد والعباد وسلّم نفسه إلى إعلام يعبث بولقعه وتاريخه وهويّته ويميّع مستقبله،،

فهل لم يعد لهذا الشّعب إلاّ أن يكون (صفّاقا) أو خانعا مستسلما لما يقرّر له ؟!

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد