الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / نداء تونس أو فضيحة العقل السياسي التونسي

نداء تونس أو فضيحة العقل السياسي التونسي

عادل بن عبد الله

رغم ظهور العديد من الأحزاب النيو-تجمعية بعد الحكم القضائي بحل التجمع الدستوري الديمقراطي، كان من الواضح أنّ حركة نداء تونس هي الحركة النيو-تجمعية التي “صُنعت” على عيني الدولة العميقة لتكون القاطرة الأساسية لمصالح المنظومة الحاكمة قبل 14 جانفي2011. وبصرف النظر عن العوامل الموضوعية والذاتية التي حالت دون انبثاق عقل سياسي مواكب للقطيعة النبوية التي كان من المفترض أن تحدثها الثورة التونسية، كان المراقب المحايد للشأن التونسي يستطيع أن يقول إنّ العداء الذي واجهت به أغلب القوى السياسية حركة نداء تونس -سواء في إطار ما يُسمّى بقانون “تحصين الثورة” (المقترح القادم من النهضة والمؤتمر مع تحفظ كبير من التكتل) أو في إطار المقاربة القضائية (المقترح الذي دافعت عنها القوى المعارضة أساسا)-، لا يعود إلى واقع العداء للتجمع -عقلية وسلوكا- ولا إلى الوفاء لشعارات الثورة أو البراءة من قوى الثورة المضادة التي اتخذت من نداء تونس واجهة قانونية لحماية مصالحها المادية والرمزية، بل كان ذلك العداء لنداء تونس مرتبطا أساسا بمخاوف انتهازية لا مبدئية مردها قدرة هذه الحركة على إعادة تفعيل الشبكة التجمعية بكل “خلاياها النائمة” في الإدارة والأمن والنقابات وغيرها، وتفعيل كل التضامنات الجهوية والفئوية وشبكات الرعاية المتبادلة التي استفادت من نظام المخلوع لأكثر من عقدين من الزمن. وهي شبكات كانت أغلب مكوّنات الطبقة السياسية التي تصدرت المشهد بعد الثورة ترغب في توظيفها لا في تجاوزها والقطع معها.

لإثبات هذه الفرضية التحليلية، يكفي أن نقارن بين ليونة ردود الأفعال تجاه الأحزاب التجمعية “الصغيرة” (وهي أكثر من أن تُحصى) وبين العنف المادي والرمزي الكبير الذي واجه نداء تونس رغم غياب أي اختلاف فكري أو بشري بين النداء وسائر مكوّنات العائلة النيو-تجمعية التي سُمّيت مجازا “العائلة الدستورية”. ولذلك لم يكن الحديث عن عداء التجمع -والقطع مع منطقه وخياراته- في خطاب الثلاثي الحاكم بعد انتخابات المجلس التأسيسي (أي الترويكا بنواتها النهضوية) أو في خطابات النقابات والإعلام والمنظمات المدنية (أي المعارضة بكل تشكيلاتها التقدمية اليسارية والقومية بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل) إلاّ ضربا من السفسطة أو المزايدات الشعبوية الموجّهة للاستهلاك الإعلامي، بل كانت ضربا من التغطية أوالتمويه على حقيقة العلاقات التي تربطهم جميعا -وإن بدرجات متفاوتة- بالميراث البشري التجمعي من جهة، وبعقليته الاحتكارية للمجال العام من جهة أخرى.

بعد دخوله الاستعراضي للساحة السياسية، بدأ النشاط القانوني لنداء تونس بمثابة “المفارقة” التي وضعت النهضة وحلفاءها أمام تحد سياسي وأخلاقي ذي رهانات كبيرة. فمن جهة أولى لم تكن الترويكا قادرة على منع هذا الحزب من النشاط العلني بحكم وضعيته القانونية وبحكم غياب أي طرح جدّي للمحاسبة أو لتمرير قانون تحصين الثورة، ولكن الحكّام الذين جاءت بهم انتخابات التأسيسي -لم يكونوا قادرين- من جهة ثانية -على التعامل بلامبالاة مع ما يرونه من إعادة تشغيل لـ”ماكينة” التجمع تحت غطاء دستوري-بورقيبي مغالطي. وبالطبع فإنّ المخاوف لم تكن تتوجّه إلى التجمعيين كأفراد -فمن الممكن احتواؤهم أو تحييدهم وهو ما حدث فعلا لبعضهم- ولكن الخوف كان من التجمع بما هو تنظيم أو شبكة مصالح وعلاقات وولاءات كانت قادرة  -إن تُركت لتتحرك بطريقة طبيعية- أن تعيد بناء “التجمع” بما هو شبكة من المصالح المادية والرمزية التي دفعت القوى “الديمقراطية” قبل الثورة وبعدها إلى تهميش تناقضاتها الإيديولوجية كي تتوحّد ضد عدوها الأساسي الذي لم يعد هو المنظومة النوفمبرية، بل صار ذلك العدو هو “الإسلاميين” ومشروعهم “الظلامي” المهدد للنمط المجتمعي التونسي بما هو أسطورة مؤسسة للوعي السياسي “الحداثي” أو “العلماني” بمختلف تشكيلاته اليمينية واليسارية.

كانت حركة نداء تونس منذ ظهورها العلني في الحقل السياسي  كتلة “ميتا-ايديولوجية” باعتبارها قوة جذب لـ”روافد”بورقيبية ليبرالية ويسارية ونقابية وإسلامية تنتمي إلى المؤسّسة الدينية الرسمية وإلى الزوايا الصوفية المعبّرة عن التدين الشعبي. ولكنّ النداء كان في الوقت نفسه كتلة إيديولوجية سواء أنظرنا إليه من زاوية موقفه “الصدامي” (ذي الأصل التجمعي) من العدو المشترك لأغلب القوى الحداثية  (الإسلام السياسي)، أم نظرنا إليه من منظور النموذج المجتمعي الذي يدافع عنه، أي ذلك المجتمع الحداثي الذي يتم اختزاله في مقاربة ثقافوية تركّز على الحريات الفردية وتضرب صفحا عن البنية الاستبدادية التابعة للمنظومة الحاكمة بلحظتيها الدستورية والتجمعية.

بالنسبة إلى “العائلة الديمقرطية” كانت الحسابات السياسية البراغماتية -فضلا عن”المشترك الثقافي العام” مع نداء تونس بحكم هيمنة المسألة الثقافية أو الهووية على أغلب وجوه الصراع مع الترويكا ونواتها النهضوية- تمنعها من المطالبة بجديةٍ بتحييد هذا الفاعل النيو-تجمعي رغم استشعارها لخطره المؤكّد على المسار التأسيسي للحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فالكلفة الانتخابية التي قد تنتج عن التفويت في التحالف”التكتيكي” مع النواة الصلبة للدولة العميقة كانت كبيرة ولا يمكن للقوى”الديمقراطية” أن تتحملها إن هي لم تطبّع مع  قاطرة المنظومة الحاكمة وتُشرعن نشاطها السياسي باعتبارها جزءا من “العائلة الديمقراطية”. وسواء أكانت في الجبهة الشعبية أم خارجها، فقد اختارت “العائلة الديمقراطية” التحالف الانتخابي-أو على الأقل عدم التصعيد- مع  هذا الائتلاف النيو-تجمعي لأنه أقرب إليها “ثقافيا” و”وجدانيا” من النهضة والإسلاميين عموما. وبصرف النظر عن النوايا، لم تكن إدارة الصراع على أساس ثقافوي لتحمل الفاعلين السياسيين “الديمقراطيين” إلا إلى أحضان المنظومة النوفمبرية وبالتالي إلى التحالف مع واجهتهم الحزبية الأساسية.

– قد يبدو الحديث عن التقارب الثقافي والوجداني باعتباره محددا لتحالفات سياسية استراتيجية أمرا غريبا، ولكنّ تلك الغرابة ستزول عندما نستحضر واقعا اجتماعيا هاما ألا وهو أنّ الصراع لا يُدار الآن -في تونس وفي غيرها من البلدان التابعة- بين مشروعين “اقتصاديين” مختلفين وإنما بين مشروعين “ثقافيين” يراد لهما أن يظهرا في صورة التناقض حد التنافي أو الإلغاء المتبادل، أو لنقل إن الحراك الاجتماعي الداخلي يدار بمفردات ثقافوية لا تعبّر عن المصالح أو الرهانات ذاتها. فالإسلاميون يريدون التموقع داخل الدولة والتمتع بخيراتها التي حرموا منها -كأفراد وجهات- منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا، أما القوى الحداثية فإنها تمارس -في أغلبها- دور الكابح أو المعرقل لأي دعوة لإعادة توزيع السلطة والثورة بطريقة قد تهدد امتيازاتها المادية والرمزية التي هي امتيازات ارتبطت في أغلبها بالولاء أكثر مما ارتبطت بالكفاءة.

– يعرف الجميع -رغم كل العنتريات والمزايدات-، أنهم لا يستطيعون التحرك ضد منطق العولمة وإملاءات المانحين الدوليين أو ضد مصالح القوى الإقليمية المتحكمة في الشأن التونسي قبل الثورة وبعدها، كما يعرفون أنهم يمتلكون هامش مناورة محدود جدا لأن عليهم التحرك بعيدا عن أي أفق ثوري حقيقي (أفق التحرير والتنوير) والاكتفاء بالتحرك ضمن أفق إعادة التوازن للمنظومة النوفمبرية لكن بشرعية مستأنفة، أي بشرعية لا تنكر استحقاقات الثورة -في مستوى الخطاب- ولكن لا تحقق منها واقعيا إلا الحد الأدنى اللازم لحماية مصالح النواة الصلبة للدولة العميقة. وهو ما يعني أنّ كل الفاعلين الجماعيين -وليس فقط الفاعلين السياسيين- كانوا مضطرين إلى التحرك داخل الرهانات الثقافوية للصراع وباستعمال مفرداته الهووية الصدامية. ولم يكن ذلك ليعنيَ واقعيا إلا تضخيم التقابل بين “نموذجين مجتمعيين” متخيّلين وهما: النموذج المجتمعي التونسي من جهة أولى، والنموذج المجتمعي الذي تُبشّر به حركات الإسلام السياسي -بما فيها النهضة- من جهة ثانية.

لو شئنا اختزال مسار الانتقال الديمقراطي الذي ازداد تعثرا منذ أن فاز نداء تونس في الانتخابات التشريعية والرئاسية السابقة  لقلنا: إنّ النداء هو “فضيحة” كل القوى السياسية والجمعياتية والنقابية بلا استثناء، لا لأنه “تجمعي” -فالتجمع بما هو شبكات زبونية وبنية تسلطية هو أعدل المواريث قسمة بين الاحزاب والمنظمات والنقابات-، بل لأنه استطاع أن يفرض على  كل الفاعلين السياسيين أن يتعاملوا معه باعتباره “شريكا” لا خصما أو عدوّا.  وهو ما جعل “العائلة الديمقراطية” ومن بعدها حركة النهضة يتحركون جميعا -رغم كل ادعاءاتهم- تحت سقف المنظومة الدستورية-التجمعية وأساطيرها التأسيسية (خاصة أسطورتها التوليدية الأم، أي أسطورة النمط المجتمعي التونسي)، تلك الأساطير التي ما إن قامت عليها الثورة حتى أعادها “الثوريون” إلى موضع “الخطاب الكبير” الذي تكتسب كل الخطابات الأخرى (بعلمانيها وإسلاميها) شرعيتها كلما اقتربت منه وتفقدها كلما ابتعدت عنه.

“عربي21”

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد