الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / كَتَبَتْ لَيلَى وقَرَأَ كشكار

كَتَبَتْ لَيلَى وقَرَأَ كشكار

محمد كشكار

كتبتْ صديقتي وزميلتي ليلى حاج عمر روايةً، برزخ العشاق، الدار المتوسطية للنشر، الطبعة الأولى، تونس 2017، 235 صفحة.
بدأتُ قراءتها البارحة الواحدة بعد الزوال وانتهيتُ منها اليوم الواحدة بعد الزوال، واحدتان يفصلهما ليلٌ ونومٌ. جنسٌ من الأدب لم أتعود عليه، دخلتُه حب اطلاع وودّعته كما يودِّع أبو نواس جلسة خمرية.

كتبت الثورة التونسية في فقرةٍ حُبلَى:
“كانت البلاد في أعماقها تغلي كمرجل، أمّا سطحها فكان باردا كقطعة ثلج.
وكان يكفي أن تلتهب النار في أحدهم ذات يوم حتى تذوب قطعة الثلج وينفجر البركان ويتراجع الدود الأسود ليختفيي في الجحور والكهوف والمغارات زمنا.
وفتحت أشجار الميموزا أوراقها جذلى ورفعت أغصانها إلى السماء. وانكسرت الزجاجات وسالت النفوس منها رقراقةة كخمرة. وانتشت الأرواح بلحظة ثورة وتجددت وأعادت ترتيب علاقتها بالوطن.
إنها هنا ولن تغادر. هذه الأرض لها وهذا البحر لها وهذه السماء لها.
ولكن الدود الأسود كان هناك ينتظر مرور البركان كي يعيد ترتيب أوراقه.
كان يتحيّنُ الانقضاض من جديد
ولمْ تكن سوى استراحة لصوص..”

وأنا أستلّ روحَ كتابَ ليلى في لُطْفٍ وكأنه مأدُبةٌ نُصِبت لي وحدي، وجدتُ نفسي في صفحة 39، وجدتُ “يامنة” اسم أمي و”ارقيّة” اسم عمتي، وجدتُ طفولتي في الفقرة التالية وكأن الكاتبة أقامت في دارنا بجمنة الخمسينيات: “الحيوانات الأليفة التي تشارك مطمئنة النساء والأطفال قيلولتهم وسط بهو المنزل الظليل (لا بهوَ ظليل في الحي إلا في حوشنا)، كتّاب الجامع حيث حفظ في صغره “جزء عمّ” ثم طاف على بيوت الجيران (وغير الجيران يا ليلى) حاملا لوحه الخشبي ليتلقّى البيض المسلوق والفول المطبوخ (نحن نقول المدمّس) هِبات الفقراء الطيّبين” (وكأنك يا ليلى كنتِ ترافقينَ خُطايَ وخُطَى أندادي في أرياف تونس وقُراها وأنتِ في الخمسينيات لم تُخلَقِي بعد. شكرًا لِخيالِك الذي حملك إلى زماننا وضمنا إلى عالمك). تماديتُ في القراءة باحثًا عن شبابي بجمنة الستينيات فوجدته صفحة 104: ” ‘هملة الڤوايل’ بين ‘الشرشارة’ و’العرق’ “.

اليوم الثاني من السفر بلا انقطاع في برزخ ليلى، توقفتُ، أغلقتُ الكتاب، قرأتها الجملة مرة ثانية، أجمل جملة في عشق الجسم بعد أن أوغلت في عشق الوطن: “شعرها نهر الكوثر وعيناها قمران والورد في الوجنتين والضوء في الجبين والقدّ جذع صفصافة…”
صفحة 196 من 235، وَلَجْنا إلى العمق والعمق عادة مجهولٌ وخطيرٌ ولكنه قد ينبئنا عن السطح: “فماذا فعل الإنسانن بالأرض؟ وما بال الله يوغل في الصمت؟ (…) يا إلهي تكلم.. ليتذكّرك البشر.. (…) الله غاب والشعر ارتحل إلى مدائنه القصيّة والفلسفة صمتت فضاقت القلوب واتسعت الأفواه. (…) وباسم الله يُصنع الغلاة لينكّلوا بالبشر. والله ينظر ويرى.”.

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الجمعة 10 فيفري 2017.

شاهد أيضاً

أشعر بالعار

خير الدين الصوابني أشعر بالعار عندما اعلم أن على بعد بضع كيلومترات من بلدي انبتت ...

اترك رد