الجمعة ، 17 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / التوَافقُ… صناعة الكبار

التوَافقُ… صناعة الكبار

بحري العرفاوي

“التوافق” لا يُحتاج إليه للتقريب بين المتفقين المتجانسين وإنما يُحتاج إليه بين المتخالفين المتعارضين وهو ما يحتاج مقادير من التنازلات وإعادة ترتيب الأولويات وحتى تقديم وتأخير مواقع بعض الوجوه والرموز في الأحزاب والحركات المعنية بـ”التوافق”.

نتائج الانتخابات أربكت الجميع وأفرزت أسئلة يجب البحث بجدية وعمق عن أجوبتها: كيف استطاع رجل كبير اعتزل السياسة منذ عقود أن يؤسس حزبا يكون في سنتين فقط القوة السياسية الأولى في بلد “الثورة” فيحصد أكثر الأصوات في مجلس النواب ويكون زعيمه رئيسا للجمهورية؟ كيف انجذب التونسيون بهذا القَدر إلى خطاب لا علاقة له بالثورة ولا بتاريخ النضالات والتضحيات؟ كيف استطاع الباجي قائد السبسي “دهس” أسماء كبيرة مشهود لها في النضال وفي مقارعة الاستبداد مثل نجيب الشابي وحمة الهمامي وخاصة الدكتور المنصف المرزوقي لما حظي به من دعم جماهيري كبير ومن اصطفاف أغلب قواعد النهضة معه؟ كيف لم تفلح محاولات استثمار “سَقطَات” الرجل المسن في تنفير الناخبين منه ومن حزبه؟.

الشباب الغاضب من تمشيات قيادات النهضة وتخفيضها من سقف الخطاب بل وتنازلها عن كثير من الشعارات والمفردات عليه أن يتحسس الأرضية التي يقف عليها وعليه أن ينظر في ما حوله في الدوائر القريبة والبعيدة وعليه أيضا أن يتأمل خصوصيات البيئة الإجتماعية والثقافية والأخلاقية التي يتحرك فيها.

كثير من الشباب وحتى من الكهول والشيوخ يتعاملون مع السياسة كما لو أنهم في سباق رياضي أو في “عركة أحياء” حيث تكون الغلبة للأكثر حماسة وصخبا وطاقات بدنية ولا يتحركون وفق قاعدة الجدوى وفقه المآلات: ما الذي يمكننا تحصيله من منافع -بمقياس المصلحة- مقابل ما نقدمه من تضحيات؟ ما الذي يمكن أن يترتب من مضار ومخاطر عن تمشياتٍ وخيارات معينة؟ ما هي المسافة بين الشجاعة والحماقة وبين الاستشهاد والانتحار؟

الشجاع الذكي لن يدخرا جهدا في خدمة المبادئ التي يؤمن بها ولن يتردد في تقديم نفسه قربانا في محراب الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، ولكنه أيضا لن يقبل بأن يكون “فريسة” للسباع والذئاب.

أتذكر أني كتبت في عمودي بجريدة الفجر سنة 1990 هذه الجملة:”لا أقبل بأن أموت في سبيل الحرية ولكنني أفضل موت أعداء الحرية” وفلسفة هذه القولة تتأسس على ألا أكون لا “ضحية” ولا “فريسة” ولا مداسا للانتهازيين والمجرمين والمتآمرين المتحالفين مع طاحونة عصير اللحم الحي وألا أكون “سَطْحةً” يجلس عليها أوباش الايديولوجيا ومقاولو حقوق الانسان ومتسخو الإعلام لعقد صفقاتهم وتقسيم غنائمهم… الشجاع الذكي يحترس لنفسه حماية للمبادئ السامية التي يؤمن بها وحين يتأكد من أن تضحيته ستكون في مسار التحرر ومن أن مِن بعده ثمة من سيقتفي أثره فإنه لن يتردد في اتخاذ قراراتٍ “استشهادية” وفي “اقتحام المهالك” كما يقول جمال الدين الأفغاني.

طبعا ثمة من يبالغ في إبداء خيبة الأمل في حركة النهضة لا ثورية منه وإنما تلبيسا على الناس وتشكيكا لهم في قياداتهم وربما سَوقًا لهم إلى وجهة أخرى تريد لنفسها موقعا أكبر في المشهد السياسي مستقبلا.

إن الثورة تُبنى في الأفكار والمعاني والقيم وفي مراجعة العلاقات والخطاب والمعاملات ولا تتحقق بالهتافات والصراخ وسد الطرقات وإثارة الدخان والغبار. مشروع الثورة هو مهمة النخبة الثقافية المبدعة المنتجة للأفكار والقيم، المحاربة للزيف والتضليل والفساد، المقاومة للجبن والخوف والطمع والنفاق، نخبة تجعل الثورة وعيا ورؤية وفلسفة ومشروعا و”عقيدة” يتجند الناس من أجلها ويستميتون في الدفاع عنها ويبدون تضحية واصطبارا في سبيل توسيع دائرة تحققها وفي سبيل اقتحام أكثر ما يمكن من مفاصل المشهد القديم… حين تكون “الثورة” في تصور الكثيرين ضربةَ حظ وفرصة لتحقيق المكاسب والمغانم والمناصب وحين ترتفع أصوات الغنائميين ويسكت أصحاب الفكرة والمعنى فلا يمكن توهم حصول ثورة ولا يمكن التعويل على كثرة الصراخ والتهريج لإنتاج واقع جديد وبناء مستقبل مختلف.

إذا نجح “كبار الحومة” كما قال مرة الأستاذ عبد الفتاح مورو -والكبار إقليميا ودوليا- في بناء “توافق” بين التونسيين لا فقط لتقاسم الحكم وإنما لخدمة الوطن والخروج من دائرة العاصفة فإن ظروفا جديدة ستتهيأ للمراجعة وللتقييم ولطرح الأسئلة الحقيقية عن معنى “الثورة” وكيفيات تحقيقها وعن مساراتها وعوائقها وصُناعها وخصومها. وقبل ذلك إعادة فهم الشخصية التونسية بعيدا عن خطاب الامتداح والتعظيم وبعيدا عن السطحية وعن التعبيرات الجهوية وحتى الايديولوجية… ثمة منهج أعمق على علماء الاجتماع وعلى السياسيين والمثقفين البحث عنه… لماذا يُهزمُ المناضلون في معركة الديمقراطية؟

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد