الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / فنجان قهوة مع فتى مشاغب

فنجان قهوة مع فتى مشاغب

عبد الحميد الجلاصي

لم أقابله من قبل، ولكني أزعم انني اعرفه جيدا. فأنا أراقب الساحة، وأصنف الفاعلين، واحرص على تسجيل البصمات المميزة، اكثر من حرصي على تسجيل القواسم المشتركة. وهو كان احد الأبناء المشاغبين لليسار التونسي. هذا اليسار الذي يمثل حالة أوسع من التنظيم، بل أوسع من التيار.
لم يقابلني من قبل، ولكنه قال انه يعرفني، رجل العتمة، القادم من “الخلف”، مع ما يثيره “الخلف” من فضول ومخاوف.
تواعدنا على المقابلة وسط العاصمة.

غالب وقتي أقضيه في الضواحي، وعندما اسرق شيئا من الوقت للتسكع في شارع الثورة، احس انني انتقلت الى عالم آخر. اتذكر صبي “بوحبيب “عندما يذهب الى “البلاد”، والمقصود هنا “منزل تميم”.
لم أفوت الفرصة لزيارة بعض المكتبات. اشعر بالحسرة. هم يجدون الوقت للكتابة، ونحن لا نجد فسحة للقراءة.
أطوف بين الكتب، وأدندن: “ما أحلى الرجوع اليه”، كما قالت الاخرى.

نلتقي في احد المقاهي.
كل شيء يجمعنا.
يدخن بنهم، وامقت التدخين.
يستهلك القهوة بدل الماء، ولا أميل كثيرا للقهوة.
نحن ابناء نفس الجيل.
صيغ المجاملة تاخذ منا ثلاث دقائق. فقط.
مباشرة يطرح السؤال: كيف ترى الأوضاع ؟
يعجبني هذا النوع من التبادل.
امام شخص أقابله أقدر ان احدد، منذ الدقائق الاولى، مآل العلاقة. وغالبا ما يصدق حدسي. أحب العلاقات المباشرة، وأكره اللف والدوران.
هذا الذي أمامي سيكون صديقا. لا بأس ساقنعه يوما ان يقلع عن التدخين.
في كلمات مكثفة عبرت عن اهم خلاصاتي. عن اعتزازي بالمنجز السياسي، وعن خوفي عليه. عن ام المشاكل التي تعاني منها البلاد وهي مشكلة القيادة، عن تفهمي لغضب الناس واحساسهم بالغموض والاحباط جراء تواضع المنجز التنموي، واستشراء الفساد. لم اكن لطيفا في التعبير عن خيبة أملي من كسل الطبقة السياسية المناضلة وخاصة من يسار ضيع بوصلته وغرق في الايديولوجي على حساب الاجتماعي، واستعمل رافعة لعودة النظام القديم. ومن استمرار لجوء كل الطبقة السياسية الى اللغة الخشبية التي لم يعد يسمعها احد.
تحدثت ايضا عن مخاضات النهضة، حزب المرتبة الاولى في قسم متوسط.
صديقي كان اكثر حدية في نقد اليسار، وهو احد ابنائه، ولكنه كان ناقدا ايضا للنهضة والترويكا، ويرى ان عليها ان تكون صريحة أكثر بخصوص مسؤوليتها في ملفي الارهاب وعودة المنظومة القديمة.
موقفه اقرب للإحباط بخصوص مستقبل التجربة، واهم مخاوفه ان تتشكل ديموقراطية شكلية تتستر على أفظع اشكال التفاوت الاجتماعي، وابشع انواع الفساد.
ذكر لي الاحتجاجات الشعبية التي تحصل في رومانيا هذه الايام على نية الحكومة التغاضي على الاخلالات المالية اقل من أربعين الف اورو. وهكذا يمكن ان تشرعن الديموقراطيات الهشة الفساد !!!
كنت أكثر تفاؤلا منه. اذ طرحت سؤال العمل.
كنا متفقين على ان ثورة وقعت، وهي التي تمثل مرجعيتنا.
وكنا متفقين على ان الدولة الديمقراطية الاجتماعية هي التي تجمعنا، ومن مقتضيات ديمقراطيتها الحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد.
وكنا متفقين على امكانية الاتفاق على برنامج يجسد معاني الدولة الديمقراطية الاجتماعية الرشيدة.
شخصيا انا مقتنع ان حركتي -النهضة- يجب عليها ان تعدل بوصلتها قليلا باتجاه اليسار، بمعنى العدالة الاجتماعية، وبمعنى القوى السياسية والاجتماعية.
في رايي المباديء تقتضي ذلك، والتوازن السياسي في البلاد يقتضي ذلك، والوفاء لقاعدتنا الانتخابية، من الطبقة المتوسطة فما دونها، يقتضي ذلك.
وكنا متفقين ان من مستلزمات تحقيق هذا الامل ان تنظر الاحزاب لايديولوجياتها، في السياسة، كمنظومة قيم. وفي القيم يمكن ان نجد التقاءات واسعة، مع احتفاظ كل طرف بالإسناد الايديولوجي الخاص به.
وكنا متفقين ان النقد الذاتي ضرورة للاحزاب، وهو مطلوب من جميعها، وانه مسار يبني الثقة.
أكدت لصديقي ان جهدا جبارا يجب ان يبذل لتذويب الجليد، وازالة سوء التفاهم في الساحتين السياسية والاجتماعية، وهو ما يستلزم صبرا وبيداغوجيا مناسبة.
وعسى ان أكون على ذمة هذا الجهد.

حينما يتقابل تونسيان على فنجان قهوة لا يتكلف ذلك اكثر من ثمن تذكرة مقابلة رديئة في كرة القدم.
بالتاكيد لا يحل ذلك مشاكل العالم، ولكنه قد لبنة لتذويب الجليد وازالة سوء الفهم.
ودائما ما تتفطن ان وراء اختلافاتنا الظاهرية توحدنا أشواق جوهرنا الإنساني.

شاهد أيضاً

صراع الهمجيات الطائفية

الأمين البوعزيزي أن يجرّم كهنوت آل سعود “حزب الله” ليس مدعاة لرد فعل بافلوفي كونها ...

اترك رد