السبت ، 18 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الصراعات في دار الإسلام

الصراعات في دار الإسلام

أبو يعرب المرزوقي

الصراعات في دار الإسلام منزلتها في التاريخ الكوني أبعادها الروحية والمادية

مقدمة

كيف نفهم الصراعات الجارية في دار الإسلام باعتبارها حصيلة كلية لتاريخ الحضارة الإنسانية ببعديها الروحي والمادي بصيغتيها الدينية والفلسفية؟

الزمان التاريخي الإنساني

ينبغي أن يستند العلاج إلى مسارين:

1. أحدهما مستمد من فلسفة التاريخ وهو الذي يرينا أعراض الظاهرة
2. والثاني من فلسفة الدين لرؤية حقيقتها العميقة

ويصل بين الفلسفتين أبعاد الزمان التاريخي كما حاولنا تحديدها في نظرية الزمان التاريخي المخمس:

• بعدا الماضي
• وبعدا المستقبل
• وبؤرة الحاضر

فبخلاف الزمان الطبيعي الزمان التاريخي مخمس:

• الماضي حدث متقدم وحديث تال
• والمستقبل عكسه حديث وحدث
• والحاضر بؤرة اللقاء بين الحديثين والحدثين

والصراع في الحاضر من حيث هو بؤرة الحديثين والحدثين صراع بين الحديثين بوصفهما مؤولين للحدثين أي حاصل الممكن وقابل الحصول شرطيا وفعليا.

وخاصية زمان التاريخ الإنساني المخمس هذا هي أن الحديث فيه أكثر فاعلية من الحدث لأن الحدث لا يؤثر بذاته بل بتأويله الذي هو مضمون الحديث.

لذلك فنحن لا نستطيع الكلام على أحداث الماضي الحاصلة وأحداث المستقبل المتوقعة إلا من خلال قراءة الأحاديث المتعلقة بهما ذكرا في الصراع وتوقعا.

فإذا انطلقت من الأحاديث الجارية في الإقليم خاصة وفي دار الإسلام عامة فإننا نجد خمسة أحاديث كلها ذات نفس إمبراطوري تتصارع على دار الإسلام.

النزعة القومية والنزعة الاستعمارية والنزعة الإمبراطورية

في إطار تحدده دعوى تأسيس الشرعية على فكرة الوطنية الإثنية محاكاة للدولة الأوروبية الحديثة بعد تفكك الوحدة المسيحية الوسيطة ونشأة أمم أوروبا.

وفي هذا الإطار نجد:

• النزعتين الساعيتين لاسترداد إمبراطورية متقدمة على الإسلام في إيران وإسرائيل.
• والنزعتين الاستعماريتين الأمريكية والروسية.

ورغم أن النزعتين الأوليين قوميتان تؤسسان دعواهما على الدين (التشيع الفارسي والصهيونية اليهودية) فإن الأخريين ورثتا الاستعمار الأوروبي حديثا.

أما أنظمة بقية المسلمين ونخبها فقدت الحس الإمبراطوري (تركيا الحالية لها شيء منه) فإن معارضتهم ذات الميل الإمبراطوري الإسلامي متهمة بالإرهاب.

وبذلك يمكن القول إن النزعة الإمبراطورية الخامسة في دار الإسلام هي نزعة المعارضات الإسلامية التي تحن إلى الاستئناف والتي تجاوزت القومية.

وهذه النزعة هي التي مجرد وجودها يفقد النزعات الأربع الباقية كل شرعية ويجعلها خطرا عليها كلها وهي مؤلفة من كل الإثنيات التي تدين بالإسلام ثم هي حركات شعبية ليس لها دول بل هي ظاهرة ثقافية وتاريخية مشكلها ليس في مطالبها بل في استراتيجيتها البدائية وفقدانها لوحدة القيادة الفكرية.

وحتى لا نخطئ في التحليل فإن أمريكا وروسيا وريثتي الاستعمار الفرنسي والإنجليزي في الإقليم خاصة ليستا كما تدعيان بعيدتين عن المؤثر الديني.

فالمسيحية الصهيونية في أمريكا والمسيحية الأرثودوكسية في روسيا تضيفان إلى العامل الاستعماري المؤثر الديني الصريح وهو يعلل الانحياز التام.

وطبعا لا أنكر أن للمصالح السياسية والاقتصادية والجيوسياسية الدور الأول في العلاقات الدولية لكن المؤثر الديني والحضاري ليس مما يستهان به.

ذلك أن المصالح -على الأقل القريب منها- لو فحصناها موضوعيا لكان -لولا هذا العداء- من مصلحة الغرب الصلح مع المسلمين بدلا من محالفة إيران أو إسرائيل.

والأنظمة العربية التي تحكم بالإسلام في فهمه المتخلف هي التي تخشى أكثر من غيرها هذه النزعة الإمبراطورية الإسلامية المعارضة وخاصة الحديثة.

الإرهاب ورد الفعل

أما الأنظمة العربية العسكرية التي تدعي القومية العربية أو بأسماء قومية عربية أو قطرية (مثل الجزائر وتونس) فإنها فاقدة لكل شرعية تاريخية.

فنفهم أن النزعات الإمبراطورية الأربعة مع الأنظمة العربية بصنفيها تتحالف ضد النزعة الإمبراطورية الإسلامية المعارضة ذات الشرعية التاريخية وهي بإرهابها ضد شعوبها والشرعية التاريخية تتهم بالإرهاب معارضات لا تسمح لها بالمشاركة السياسية السلمية فتضطرها للدفاع العنيف عن الوجود.

ولا أحتاج لاستدلال طويل على ذلك: فالتجربة بينت في المغرب والمشرق أنه كلما ربحت حركة سياسية الانتخابات وقع الانقلاب عليها بالعنف المسلح.

لكن العنف المسلح حتى من دون التصدي لحركات معارضة ذات مرجعية إسلامية سواء كانت سلمية أو لجأت للعنف بارز في مجرد الحكم المستبد والفاسد.

فالحكم المستبد غير شرعي وفساده يجعله غير عادل ومن ثم فهو العلة الحقيقة لخمسة أصناف من الانتحار الجماعي المفروض على شباب الأمة مشرقا ومغربا.

وهذا هو الإرهاب الحقيقي الذي أثمر خمسة أنواع من رد الفعل.

الإرهاب المعارض أحدها وهو أدنى أشكال رد الفعل على الإرهاب الرسمي المحلي والدولي.

وردود الفعل هي:

• تحمل نتائج معارضة الاستبداد (الحرمان من الحقوق السجن والتعذيب)
• الهروب بالهجرة
• الهروب بالمخدرات
• الانتحار الفعلي
• الجهاد

فإذا ما استثنيا بعض القيادات من ذوي الإيمان أو الميول السياسية المنافسة للحكام فإن باقي الشباب لا ندري بصورة علمية توزيعه على هذه الردود.

فبوعزيزي انتحر وكثير مثله

والذين ارتموا في البحر للهجرة السرية أقدم الكثير منهم على الانتحار أو الوصول لجنة هروبا من جهنم الاستبداد والظلم.

والأغلبية وجدت المهرب في المخدرات وإجرام الحق العام أو الجريمة المنظمة يستخدمهم أرباب المافيات الحاكمة والقلة القليلة تجاهد إيمانا أو يأسا.

ذلك هو مجمل ردود الفعل على الإرهاب المنظم ضد الأمة من قبل النزعات الإمبراطورية الأربعة والأنظمة العميلة المتحالفة معها لحماية كراسيها.

فالسيسي وبشار وحفتر وصالح والحوثي وميليشياتهم والأنظمة العميلة التي تمول الثورة المضادة كلها أدوات بيد النزعات الإمبراطورية الأربع ضد الأمة.

هذا ما يبرز من الأحاديث عن الأحداث الماضية قبل الإسلام وبعده سعيا لمنع ثورتيه الروحية والسياسية من توحيد البشرية بقيمتي الأخوة والعدالة.

المدافعون عن ثورتي الإسلام وضعف التأطير الاستراتيجي والسياسي

لكن الأخطر على ثورتين الإسلام بقيمتيه (النساء 1 والحجرات 13) ليس هؤلاء فحسب بل كون المدافعين عن ثورتي الإسلام متخلفون استراتيجيا وسياسيا.

ذلك أن ما كان ينبغي أن يعرض على أنه مستقبل الإنسانية جعلوه مجرد حنين لاسترجاع ماض درس لأنه لم يحقق قيم القرآن بل حرفها بسبب الانحطاطيين.

فكم من قضية عادلة يخسرها أصحابها بسبب حمق قياداتهم وعقم فكرهم الاستراتيجي.

وسأقسم أصحاب القضية إلى صنفين:

السياسي السلمي والسياسي الحربي.

• والسياسي السلمي ومثاله الإخوان هم مقدمو التربية والمشاركة السلمية في الحكم.
• والسياسي الحربي هم اليائسون من حل السياسي السلمي: الجهاديون.

لكن كلا الفريقين لم يدرك جوهر الثورة الإسلامية فبقي يعمل بتأويلها الذي استقر في عصر الانحطاط:

أعني لم يفهموا أن الأمر يتعلق بطبيعة الوصل.

وقد خصصت لقضية الوصل خمس فصول بينت فيها أنها تتعلق بقراءة الوسيطين (الطبيعة والتاريخ) بين القطبين (الله والإنسان) في المعادلة الوجودية.

لذلك فالإخوان (عين من العلاج السياسي السلمي) والجهاديون (عين من العلاج السياسي الحربي) لتوحيد الأمة أصبحوا تماما من جنس من يعارضون.

• الإخوان يريدون المشاركة في الحكم القطري لو بالتنازل عن حلم الاستئناف ووحدة الأمة.
• والجهاديون صاروا أمراء حرب كل يريد دويلة كالأنظمة لا فرق.

صار الهم السياسي المباشر مغنيا عن المشروع نفسه وأصبح إغراء الحكم سواء كان الوصول إليه بربع كرسي مع أنظمة الفساد والاستبداد أو بربع جهاد.

ومع ذلك فأنظمة الفساد والاستبداد ليست مستعدة لمقاسمة الإسلامين في السلطان السياسي سلميا ويتهمونهم بالازدواجية فيضموهم إلى الجهاديين.

والجهاديون يزايد بعضهم على البعض فيصبحون في اقتتال دائم وبذلك يضيعون المشروع أكثر من السلميين.

وهمي هو البحث عن مخرج من هذين المأزقين.

منطق السياسة المحمدية

أعلم أن هدفي عسير المنال لكني لست في عجلة من الأمر.
فيكفي أن يقتنع أحد الشباب بأن الثورة الإسلامية لا تصبح مستقبل الإنسانية إلا بعمل على علم وليدرك الشباب أن العلم على علم هو جوهر التربية الإسلامية كما طبقها الرسول الخاتم:
لذلك تكلمت في التفسير على منطق السياسية المحمدية.
فالسنة هي السياسة المحمدية وهي اجتهاد لفهم القرآن وجهاد لتحقيق قيمه في التاريخ الفعلي.
والعلاقة بين القرآن والسنة علاقة استراتيجية وتكتيكية.
وبصورة أدق هي علاقة بين استراتيجية وتكتيك حددهما القرآن لبيان طبيعة الوصل السوي والمحرف وتكليف الخاتم بتعليمهما قولا وفعلا لأمة الشهادة.
تلك هي علة شروعي في التفسير “استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية”.
وقد أنجزت منه ستة أجزاء ولله الحمد فقد صدر نصفها بعد.
والآن ها هي الأحداث تؤيد ما وصفنا من الأحاديث.
ما تعلق منها بأحداث الماضي لا يكاد أحد يشك في مطابقتها للأحاديث بمعنى أن الحلف ضد الأمة حقيقة.
الأفعال تؤيد الأقوال لأن إيران وإسرائيل وأمريكا وروسيا والأنظمة العربية العميلة وبنخبها وميلشياتها لا تخفي عداءها للإسلام ولعودة دوره خاصة.

فالأحداث الماضية بينة.
وهي تتعلق بعداوة الباطنية والصهيونية والمسيحية الصهيونية والمسيحية الأرثودوكسية والمصلحة في استعمار دار الإسلام.

خاتمة

ما يعنيني هو الأحداث التي أتوقعها مآلا لأحاديث المستقبل:

كيف أفسر تفاؤلي بأن المستقبل للإسلام رغم كل دواعي التشاؤم؟
هل أنا أعزي النفس؟

كان موقفي المؤمن بدور الإسلام ولا يزال مصدر موقف أدعياء الحداثة العرب عامة والتونسيين خاصة مني ومن محاولاتي فهم تاريخ الإقليم ووزنه عالميا.

وأحمد الله
أن ما تثبته الأحداث هو تكذيب التاريخ لفلسفتي التاريخ الهيجلية والماركسية.
وأن دور الإسلام والمسلمين بدأ يتجاوز الانفعال إلى الفعل.
ومهما حاول العملاء التقليل من هذا الدور وحصره في رد الفعل الدال على نهاية الإسلام السياسي. فإن ما يحصل هو عودة فعلية ومؤثرة للتاريخ الكوني.
وبمنطقهم الجدلي فإن اجتماعهم دليل على أن فعله هو بقوتهم جميعا عملا بقاعدة المساواة بين الفعل ورد الفعل من حيث القوة مع التقابل في الاتجاه.
لكنه بمنطقنا القائل بوحدة الإنسانية والتناسق الوجودي فإن الله يدفع الناس بعضهم ببعض.
فما يحصل هو دفع الله المسلمين لمنع الفسادين: سر الجهاد.
فالدفع الإلهي كما يحدده القرآن علته منع الفساد في الأرض عامة وحماية الحرية الدينية رمزا بمنع تهديم المعابد التي ذكرها القرآن ومنها المساجد.

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد