الثلاثاء ، 21 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / من حديث الصحافية والشرطيّ..

من حديث الصحافية والشرطيّ..

نور الدين الغيلوفي

1. لست أميل إلى التعميم، لأنّ التعميم غالبا ما يحول دون فهم الأمور وإدراك ملابساتها والغوص في تفاصيلها.. والتعميم غالبا ما يعكس كسلا في الفكر وقصورا في الفهم وعجزا عن التأويل.. لذلك فإنّني عندما أتحدّث عن الشرطة لست أعني جميع العاملين في مجال الأمن.. لأنّني أعتقد أنّ من بين هؤلاء كثيرا من الشرفاء والأسوياء..
وعندما أتحدّث عن أهل الصحافة فلست أقصد كلّ العاملين بالصحافة.. ولكنّني أظنّ أنّ الأمن والإعلام من أكثر المرافق التي فسق فيها المخلوع واستعملها زبانيته في إرساء منظومة الاستبداد والفساد التي عشّشت في البلاد زهاء ربع قرن من الزمن التونسيّ.. لذلك نرى أنّهما من أشدّ الجهات مقاومة للثورة واستحقاقاتها وحرصا على إعادة عقارب ساعة الوطن إلى الخلف مستغلّيْن مناخ الحرية الذي استفاد منه أعداء الثورة أكثر من أنصارها..

2. من روايات الفذّ عبد الرحمن منيف (الآن… هنا أو شرق المتوسّط مرّة أخرى)، وقد صدّرها بنصّين تراثيين جاء في أوّلهما “… عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ النبيّ قال: أُدخلت الجنّة فرأيت فيها ذئبا فقلت: أذئب في الجنّة؟ فقال: أطلتُ ابن شرطيّ. فقال ابن عبّاس هذا وإنّما أكل ابنه فلو أكله رُفع في عليّين”.. وجاء في التصدير الثاني “رًوي عن سفيان الثوريّ: “إذا رأيتم شرطيّا نائما عن الصلاة فلا توقظوه لها فإنّه يقوم يؤذي الناس”.. ولقد حفل أدب السجون بقصص واقعيّة مفزعة تحكي توحّش الشرطة في أنظمة عربيّة قامت على جماجم شعوبها واعتاشت من التنكيل بمعارضيها.. ولمن لم يذق ويلات الشرطة داخل المعتقلات ولم يلق صنوف التعذيب في الزنازين ولم يقرأ من روايات السجون، أن يقرأ ما كتبه هذا الشرطيّ المجرم على صفحته ليعرف درجة الإجرام التي بلغها بعض المنتسبين إلى قطاع الأمن من الذين تربّوا في حجر المخلوع وزبانيته وأكلوا من سُحت موائدهم.. سيعرف معنى الاستهانة بالحياة وبالقيم وبحرمة البشر من أعوان يُفتَرَض أّن وظيفتهم تأمين حياة الناس لا تهديدها واحترام القضاء لا الاعتراض على أحكامه.. إنّك لن تكون في حاجة إلى قراءة أدب السجون ولا إلى سماع شهادات المعذَّبين حين تقرأ لهذا المعتوه الذي لو كان يملك ذرّة من ذكاء لما فضح مزاجَهُ الإجراميَّ ولما كشف عن قبحه للناس بمحض إرادته وبكامل وعيه.. ولو كان يحمل ذرّة من رجولة لعرف شرف الخصومة…

3. وإذا كانت الشرطة تلهب ظهور البشر بسياطها وتدمّر الأجساد وتحطّم الأنفس فإنّ الإعلام المصنوع على عين السلطة كان يدمّر العقول ويفسد الأمزجة ويلوّث الذائقة وينتهك الحُرُمات.. ولن يفلح إعلاميّ لم يكن يعرف قبل الثورة غير إحصاء الأغاني وترتيب المغنّين ومحاورة الغثاء.. لن يفلح في أن يكون نافعا للوطن بعد الثورة أو صائنا لكرامة الإنسان.. لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.. وإلّا كيف نفهم تعليق الصحافيّة على دعوة الشرطيّ إلى القتل بقولها ” أساند هذا الرأي وبشدّة” ؟…

4. كتب الشرطيّ على صفحته كلامًا بالعامية مفاده أنّ الحكم على المدوّن ماهر زيد بأربع سنوات سجنا لا يُفرح خصومه.. ويقترح، حتّى يُشفى غليله، أن يُؤخذ المحكوم إلى ميدان الرماية ليكون هدفا متحرّكا يتدرّب عليه المستجدّون.. كما كان هذا الشرطيّ يفعل عندما درّبه سادته وكُبراؤه على اصطياد أبناء الشعب في زمن المخلوع.. وعلّقت الصحافية باللغة العربيّة: “أساند هذا الرأي وبشدّة” !!!

5. هل يعلم هذا الشرطيّ أنّه رجل أمن؟ وهل يفهم معنى عبارة أمن؟ وهل يدرك مغزى ما كتب؟ أم تراه خارج مدار التكليف والفهم؟ لست أظنّ ذلك لأنّه بادر إلى حذف ما كتب خوفًا ممّا قد يناله من تتبّعات.. هل يدرك أنّه بما كتب إنما يعترض على حكم القضاء بل يتجاوزه ليتّخذ الحكم بدلا منه؟ فهل يُعقَل أن يعترض عون أمن مأمور على حكم آمره؟ وهل تدرك تلك الصحافية أنّها بما كتبت قد تجاوزت أخلاقيات الصحافة ومعايير التعبير إلى ضرب من الإجرام والتحريض على القتل خارج القانون؟ أليس في ما كتب الشرطيّ والصحافيّة دعوة إلى القتل والاحتراب؟ أليس في ما أبديا من رأي انتهاك لحرمة الإنسان ولحرية التعبير وتجاوز للسلطة القضائية التي نراها تتعافى بعد ثورتنا المجيدة؟

6. لو أنّ عون الأمن هذا يملك القدرة على الفعل هل كان يكتفي بالكتابة على جداره الفيسبوكي؟ هل كان سيترّدد لحظة في القتل خارج القانون؟ وهل يمكن أن يُستأمَن مثل هذا الشخص على أمن الناس وحياتهم وأرزاقهم؟ وماذا يعني الإرهاب غير هذا الذي صرّح به هذا الشرطيّ في لحظة غابت فيها مائزته فأدان نفسه بنفسه؟ أليس لنا أن نستنتج انتساب هذا الشرطي إلى القنّاصة الذين أتعبَ التونسيين البحثُ عنهم؟ أليس أنّ القنّاصة مجموعة تدرّبوا على الأجساد البشرية أهدافا متحرّكة لهم فكانوا هم الذين قنصوا شهداء ثورتنا؟

7. لقد ترجم لنا هذا الشرطيّ الأحمق الشعار الثوريّ الذي يقول “وزارة الداخليّة وزارة إرهابيّة”.. وإذا كان أعوان الأمن يتّخذون من الناس أهدافا متحرّكة يتدرّبون عليها فقد كانت بحقّ وزارة إرهابيّة.. وهل يعني الإرهاب شيئا غير ترويع الناس وبثّ الرعب فيهم والعبث بحياتهم؟ إنّ هذا الشرطيّ وأمثاله لا يكادون يختلفون في شيء عن أيّ إرهابيّ أدمن الذبح استخفافا بالحياة واستهانة بالدم وإفسادا للحياة.. وذلك هو الإرهاب عينه…

شاهد أيضاً

إلى جماعة “الحجّاج”

أحمد الغيلوفي أولا: كم مرَ علينا من حجاج: من حمورابي الي ابي العباس السفاح الي ...

اترك رد