الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / الشمال الغربي اليوم: أعد إلينا ريفنا

الشمال الغربي اليوم: أعد إلينا ريفنا

كمال الشارني

تعالوا أقول لكم عن الشمال الغربي اليوم: لا تحمل إلينا قفة ولا دبوزة زيت صانغو ولا بطانية مصنوعة في الصين، أعد إلينا ريفنا.

ففي هذه الربوع، كنا منذ مئات السنين نصنع أجود أنواع الأغطية الصوفية (العبانة) واللباس (القشابية والبرنوص) من صوف أغنامنا، ونأكل خبز القمح الصلب البربري من أرضنا بزيت زيتوننا التاريخي الذي ننضحه في مياه الوادي الطيبة ونفطر على حليب أبقارنا وأغنامنا وندخر منها الزبدة والدهان وعلى بيض دجاجنا العربي وعلى عسل النحل الذي نربيه مواجها لشروق الشمس قرب ديارنا، ولا نتردد في ذبح برشني أو خروف لأول ضيف، ولم يكن بيت ريفي يخلو من حديقة صغيرة، فيها الطماطم والفلفل والبصل والقرع، ولم يكن بيت يخلو من دالية عنب وكرمة، شجرة رمان أحيانا. عندما تزورنا، نحن لا نتركك تغادرنا دون أن نملأ قفتك بالبيض العربي، ودجاجة عربي مذبوحة، وقنينة زيت زيتون مبارك، وخبز الطابونة القمحي، وشيئا من شربة الشعير الأخضر المقطوف بالأيدي والمشوشط على الموقد، وإذا كنت عزيزا، فقد تأخذ معك عبانة من الصوف مزينة بأشكال بربرية تدوم جيلا كاملا فتفتخر بها بين سكان المدن، كان لنا أيضا غناؤنا الجميل، تراثنا الذي حفظناه وتوارثناه منذ مئات السنين، ولم نكن نحتاج إلى شيء من الدولة، فقط أن تتركنا في حالنا، فقد كان “النيف” (أنف الكبرياء) في السماء.

لكن اليوم، لم يعد هناك صوف، الأغنام انقرضت لأن المراعي اندثرت، والأعلاف المدعمة من مال الشعب لا تباع إلا في السوق السوداء بأضعاف سعرها، وحليب الأبقار لم يعد مجديا بسبب توريد “الحليب الغبرة” الذي تدعمه أوروبا لكي نسكب حليبنا في الوادي، أما القمح البربري الصلب فقد عوضته بذور الفارينة المحورة جينيا، والتي تتطلب الرشوة والوقوف المضني في الانتظار كل موسم لأنها لا تقبل التخزين في المطمورة ولا إعادة الزراعة، أما الدجاجة العربي، فهي حمقاء تتطلب عاما كاملا لكي تكبر، لذلك خسرت المواجهة مع دجاج الماكينة الذي يكبر بالدواء في ثلاثة أشهر.

أصلا، هو السكن في الريف أصبح عنوان المحنة والشقاء، فقدان الماء الصالح للشرب بعد أن تلوثت الأودية والعيون، البعد عن المدرسة والمستشفى، العزلة وانقطاع وسائل النقل، دون اعتبار ما كتبه تلميذ في الابتدائي في مادة التعبير يوما: “وكان عبد الباسط الشارني حيوانا بريا لأنه يسكن في الجبل مثل الذئاب”.

شاهد أيضاً

السيد رئيس الحكومة المستهلك يسمعك بـ”جيبه” المثقوب وليس بعقله

عبد السلام الزبيدي عندما يفتخر رئيس الحكومة باهتراء المقدرة الشرائية، ويعلّق خيبة السياسات على أزمة ...

اترك رد