الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / في ذكرى ميلاد الثورة… إنّ في البلاد ثورة…

في ذكرى ميلاد الثورة… إنّ في البلاد ثورة…

نور الدين الغيلوفي

1. يوم 14 جانفي.. سيّد الأعياد عندي.. ذكرى ميلاد الثورة التونسية المجيدة.. هي ثورة رغم أنف المرجفين والمشكّكين من أصحاب الكاتالوغات العتيقة الذين أربكهم ما حدث بتونس وساءهم ألّا يستفيدوا من ريعه فعبثوا بتسميته وتوعَّر عليهم وصفُه ولم يسعفهم تَقَعُّرُهُمْ..

2. في مثل هذا اليوم قبل ستّ سنوات فرّ رئيس العصابة التي كانت متحكّمة في تونس في استجابة اضطرارية لصرخات التونسيين أمام مقرّ وزارة داخليّته ورشة التعذيب الكبرى.. يومها صرخت الجموع “ارحل”.. وقد نطقوها بلغة فرنسية Dégage.. فكانت كما لم ينطقها من قبلُ فَرَنْسِيٌّ.. نطقها التونسيون تجريبا لقول يأتي لاحقا في وجه كل مَنْ رُوحُهُمْ فرنسا.. Dégage فالأرض “بتتكلّم عربي”.. ولقد رحل الجبان فانتشرت برحيله فرحة لم نجرّبها من قبلُ.. فَرِحْنَا كما لم نعرف الفرح.. “غمّة وانزاحت”…

3. اليوم نهضتُ كما ينهض الأطفال في الأعياد.. بي شوق إلى ما لم يأت من زمني.. أطللت من النافذة حذَر الغيوم المنذرة بنزول سماء قد تبطل ترجمة الشوق فضحكت لي السماء وغمزت لي الشمس وبادرتني بقوس قزح لم أر أكثر إغراء منه بالخروج.. خرجتُ على عجلة الشوق…

4. شارع بورقيبة.. الشارع الرهيب.. كان بالأمس منصّة رقابة على كلّ من هبّ من التونسيين ودبّ.. عَبَرْتُ نصب الساعة المتبقّي من آثار من هربوا ودنوتُ الهوينى.. فكنتُ قاب قوسين أو أدنى من الحلم الحقيقة.. كان كلّ المكان يحتفل كأنه اختزن أصوات الثائرين منذ سنة 2011..

5. الشرطة ترحّب بالوافدين المحتفلين بالثورة تُيَسِّرُ عبورَهم والخروجَ.. ممرّ للداخلين وآخر للخارجين.. الشرطة في خدمة الشعب والشعب يحتفل بذكرى ثورته.. الشرطة التونسيّة هي، فيما أعلم، الشرطة العربية الوحيدة التي ترفع قبّعاتها للثورة ومريديها طوعًا أو كرها.. لايهمّ.. فلا صوت يعلو فوق صوت الثورة رغم المتحذلقين وتشكيكهم…

6. دنوتُ.. فتراءت لي دكاكين السياسيين بألوان طيفهم.. جاء كلٌّ يعظّم حزبه.. ياليت شعري ما الصحيح؟ رحمك الله يا أبا العلاء:
في اللاذقية فتنةٌ ما بين أحمد والــــمسيح
هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يــــــــــــصيحُ
كلٌ يعظِّم دينه يا ليت شعري ما الصحيحُ ؟
قباب علت وأخرى لا يزال أهلها يقيمون قواعدها.. تعلو القباب مع الشمس والصباحُ في أنفاسه الأولى…

7. يوم 14 جانفي 2011 اجتمعوا وتوحّدت قبضاتهم في Dégage التاريخيّة.. فبثّوا بتوحّدهم الرعب في عدوّهم فطار في الجوّ على غير منهج وإلى غير غاية.. أمّا اليوم فقد استيقظت فيهم نعراتهم القديمة وعادت إليهم هويّاتهم القاتلة ونبتت لهم قرون وحوافر ومخالب لِيَسُوءَ بعضُهم وجوهَ بعض..

8. هنا حانوت صغير كتب على بوّابته “الحزب الاشتراكي اليساري”.. به حركة متثاقلة وورقات بِيضٌ عليها بيان يحتفل بذكرى الثورة.. والثورة باتت أعدل الأشياء قسمة بين الواقفين على بابها.. وغير بعيد عن الدكان اليساري شباب يثيرون شفقة التاريخ يحملون لافتات تظهر منها عناوين متحجّرة تعرف من لحن خطوطها أنّها للجبهة الشعبيّة وما تبقّى من قبيلة اليسار الستالينيّ في نسختها الليبرالية المعدّلة جينيًّا في غفلة من وعيهم الكسيح..

9. اصطفّ الشباب على مدارج المسرح البلديّ كأنّهم يستكملون جرعة عتيقة تركها آباؤهم المؤسّسون مفتوحة لمّا لم يتوافقوا على قول فصل حول طبيعة المجتمع التونسيّ رغم التعاليم الماويّة التي يتلونها آناء الليل وأطراف النهار.. بدأ الشباب الذين لا يظهر عليهم فَهْمٌ لما كان يجري بين آبائهم من حوارات ذهبت بأعمارهم وأضاعت من زمن البلاد والعباد.. بدأوا صباحهم بصراخ لم يرثوا غيره وبقيّةِ رصيد من شتائم للأوّلين لم يُعَلَموا سواها في مذكّراتهم المنسيّة.. “قتّالين أولادنا” في تورية عن شعارهم القديم ” ياغنوشي يا سفّاح يا قتّال لرواح”.. تورية إيّاك أعني واسمعي يا جارة..

10. أمام المسرح البلدي رأيتُ مشهدا من ثمانينات القرن الماضي على بعض منابر كلية الآداب أو الحقوق.. يرث هؤلاء الهذيان المسرف كابرا عن كابر.. الجميع عملاء وهم وحدهم الوطنيون.. الكلّ من حولهم واهمون أمّا هم فقد اصطفاهم الفهم ليتخذ من عقولهم له محلًّا.. كائنات متحفيّة كأنّ الزمن خبّأها ليجعل منها عيّنات نجحت في التخفّي من قوانين التطوّر.. وعلى الضفّة المقابلة من شارع بورقيبة بعض الصبية من نفس العشيرة يهرولون بلافتات وهم يصيحون: “ياحكومة المافيوز خدّم خدّم المفروز”.. فتساءلتُ: كيف يطلب ثوريّ طهوريّ أن يعمل عند مافيوزيّ؟ وإذا حصل الثوريّ على العمل المطلوب هل تكفّ الحكومة عن أن تكون مافيوزية؟

11. وبين هؤلاء وأولئك كان شباب من حركة النهضة يعدّون عدّة الاحتفال.. منصّة تعلو.. وتعلو.. أدوات وآلات وفرق.. وشاشة عملاقة تنقل الورشة مباشرة… موسيقى وأطفال ومسابقات وأصوات متنوّعة تجتذب البعيد والقريب.. ولقد رأيت من يقف بينهم وهو يحرّك رأسه امتعاضا ممّا يقولون.. وبقدر ما كان صوت هؤلاء يعلو كان صوت الجيران على اليمين واليسار يتلاشى ويخفت صراخهم.. يشربه المدى.. فلا ترى منهم غير عيون مفتوحة تنظر في الفراغ وشفاه تتحرك ولا يُسمع لها همس.. تتحوّل الأصوات المتعَبَة شيئا فشيئا إلى ما يشبه الفحيح ويتحوّل أصحابها إلى أفاع متربّصة تتسلّل تباعا لتختفيَ في شارع بورقيبة الذي بدأ يمتلىء بالوافدين على يوم الثورة المعمور…

12. يتحوّل الافتراض إلى واقع.. وتنتشر الأبصار تسائل الأبصار.. وتبدأ رحلة البحث عن المعارف..
الأيقونة بسمة البلعي.. صارت عَلَمًا لا تخطئه العين.. إمامة العدالة وسيدة الأمل.. بقيت شاهدة وغاب جلّادوها.. كنستهم Dégage مع ما كنست.. وجه بسمة يختزن عمقا يرتبك المرءُ أمامه.. في عينيها رحيل لا ينتهي.. صورتها شهادة على أنّ بالبلاد ثورة تهاجمها رياح هوجاء من كلّ النواحي ولكنّها واقفة.. ثورة تحتاج صَوْنا ممّن انتظروها حتى بلغ منهم اليأس مبلغه.. وبجانب بسمة فتى القلم وشريكها في الألم.. الشاب نضال السالمي.. يلاحق مواعيد الحياة فيزرع قلمه في المدى ويبتسم في لطف يذوب الصحو منه.. منذ صرخت بسمة صرختها في شهادتها كان قلم نضال لها الصدى.. اجتمع الاسمان في الافتراض وهاهما معًا في شارع بورقيبة يحتفيان بالثورة.. أخوّة الاختيار قد تجاوز ما تجري به مقادير الدم.. ما أروع أن تعتنق الأرواح أشكالها…

13. أترك الأصدقاء في شارع بورقيبة وأنتقل إلى قمرت رفقة عبد الباسط.. خبير بالمسارب كلّها عبد الباسط.. نحضر ندوة بمناسبة الذكرى السادسة للثورة.. تلك هي الثورة.. نشوة المشاعر في الشارع وعمق المعارف في المجالس.. حضر الفكر والتحليل.. كان الحضور كثيفا.. سياسيّون ومثقّفون ونقابيون.. جامعيّون وإعلاميّون.. وزراء ونوّاب وقادة أحزاب…

14. تكلّم الدكتور هشام جعيّط وطوّح بنا بعيدا إلى الثورة/ الدولة العبّاسية.. ومنها انتقل إلى الثورة الفرنسية التي ألحّت على مفهوم المساواة أكثر من إلحاحها على مفهوم الحريّة فأدّت إلى عودة الاستبداد.. في مقابل ذلك ألحّت الثورات الأنجلوساكسونية على مفهوم الحرية أكثر من إلحاحها على المساواة.. وبعد الحديث عن الثورة الإيرانية خلص إلى الثورة التونسية التي قال إنّها بدأت انتفاضا اجتماعيًّا يطالب بالمساواة وانتهت إلى ثورة سياسية تطالب بالديمقراطيّة والحرية.. قال إنّها ثورة.. ولن يضيرها ارتباكها في مطلب المساواة.. فالسياسة هي الأسّ.. والبقية تأتي.. ذاك ما انتهى إليه من “علم الثورات المقارن”..

15. وتحدّث الشيخ راشد الغنّوشي.. وقال إنّه لا وجود للتاريخ خارج الحرية.. ولكنّ الحرية لا تكون إلّا بثمنها.. والعثرات التي تشهدها الثورة إنّما هي من مقتضيات الحرية.. وقال إنّ أساس الهندسة السياسية الذي توخّته الثورة بعد الاستحقاقات الانتخابية التي جرت هو الحكم التعدّدي.. وأشاد بالقوانين الانتخابية التي تحول دون هيمنة الحزب الواحد.. وقال: إنّنا في المستوى السياسي لا نزال نسير على جسر.. والصراع فوق الجسر خطير لأنّه يهدّد بسقوط المتصارعين أو بعضهم.. أما في المستوى الاقتصادي فإن أمر البلاد لن يستقيم إلّا متى توافق أهل البحر مع أهل البرّ وعمّت الفائدة وشاعت الثروة…

16. أمّا الدكتور عزمي بشارة فكان، في مداخلته، كأنّه يغرف من بحر: سعة في الاطّلاع ودقّة في التشخيص ومنهجية صارمة في التحليل وقدرة خارقة على التأويل.. قال أنّ خيبات التوافق أفضل من مآلات العويل والدماء التي شهدتها ثورات لم يتوافق الفرقاء فيها.. ونبّه إلى أنّ القول بالمؤامرة إنّما يعني أنّ الأوضاع كانت سليمة مُرضية والشعب كان في بحبوحة لا يحتاج معها إلى تغيير لأوضاعه.. وإذن فالثورات كانت من قبيل الأخطاء.. وبيّن تهافت من يحمّلون الضحية المسؤولية والحال أنّها مسؤولية الذي يشنّ الحرب على الناس…

17. لقد كان يوما حافلا محتفلًا شعرتُ فيه، ومن معي، بأنّ في الوطن متّسعا للحلم وأنّ الأمام أوسعُ وأن الحياة أرحب من أحلام المقتصدين وتشكيك المتربّصين وجبن الحائرين…

سلام على الثورة وأهلها…

شاهد أيضاً

حين رأى خوفي واضطرابي

عبد اللطيف علوي حين رأى خوفي واضطرابي، أحسّ أنّها الفرصة المناسبة لاقتناص فريسته، قال لي ...

اترك رد