السبت ، 18 نوفمبر 2017

“بلوكانامو”

عبد اللطيف علوي

مررت عرضا بقائمة البلوك لديّ، فهالني ما رأيت…
صفّ طويل يكاد يصبح أطول من قائمة أصدقائي نفسها… طبعا لا بدّ أن يكون لذلك معنى، وأسهل المعاني المريحة، أن يكون كلّ هؤلاء غير قادرين على التّعايش الفايسبوكي معي وليس العكس…

بمقتضى السّلطة الشّرعيّة التي خوّلها لي زوكربيرغ، فإنّه يحقّ لي، أنا القائد الأعلى لجمهوريّتي الزّرقاء المستقلّة، أن أحارب الأعداء والشّذّاذ والمخرّبين ومفسدي العقول والأذواق وأن أحشرهم في معتقل سرّي لا تصل إليه عيون المنظّمات الحقوقيّة أو وسائل الإعلام بجميع أنواعها…

أحيانا أتخيّل ذلك العدد الكبير من “المحظورين” وهم يتجوّلون داخل “الآرية” في معتقل كبير كغوانتنامو، أو كبرج الرّوميّ الذي أعرفه جيّدا، بملابسهم البرتقاليّة (التي لا أعرف لماذا يجب أن تكون برتقالية بالذات؟) يجرّون السلاسل الثقيلة في أرجلهم ويتحرّكون ببطء ومن حين لآخر يتوقّفون ليوشوشوا بشكل يوحي بأنّهم يخطّطون للهرب الجماعيّ والانتقام منّي… أستشعر المؤامرة فأشدّد الحراسة وأطلق الكلاب المدرّبة حول الأسوار تجوس وتنوس…

بعض هؤلاء مجرمون ثبت إجرامهم، ساندوا بصريح اللّفظ سفّاحين كبشّار والسيسي وثبت تآمرهم على الحرّيّة وعلى الثّورة، وبعضهم تورّط في جرائم حقّ عام كالسرقة الموصوفة: يسرق التدوينة، ولمّا تؤاخذه على ذلك يقول لك بصفاقة: وهل تظنّ نفسك كتبت الدّرّة اليتيمة؟ فتلقي به غير آسف في معتقل “بلوكانامو”، وبعضهم اقتحم خلوتك وأنت تتجوّل عاريا في بيتك، وبعضهم لا يميّز بين النّقاش العاديّ الطّبيعيّ وبين التّبوّل اللاّإراديّ، وبعضهم تعوّد أن يتسكّع في شوارع الفايسبوك، وحين تفاجئه الحاجة يتغوّط تحت أقرب جدار، وبعضهنّ اعتقدن أنّ حائطك هو حائط مبكى، أو ظننّ خطأ أنّ صاحب البيت “مقطّع السّمكة وذيلها” فجرّبن حظّ التّعيسة، وبعضهم لا ذنب له سوى أنّه جاء في ساعة غير سعيدة بالنّسبة للحاكم بأمره، فلقي نفس المصير…

هذا الصّنف الأخير بالتّحديد هو الّذي يشغلني، باعتباري حاكما ديموقراطيّا لا يرقى إلى ذلك شكّ، وأفكّر أحيانا في أن أصدر عفوا رئاسيّا على هؤلاء، وحتّى على سيّئات الحظّ، لا مانع… لكنّ المشكلة أنّني نسيت السبب الذي أدين به كلّ واحد منهم، وليس لي ملفّات لأعود إليها، لأنّني، رغم أنني ديموقراطي كما هو معروف، إلاّ أنّ أحكامي عرفيّة، ولا تقبل الطّعن أو النّقض من أيّ جهة كانت… لذلك أحتار فيمن هم جديرون حقّا بالسّراح الشّرطيّ، إضافة إلى أنّ قوانين “مارك” تقتضي بأنّني لا أستطيع إعادة أيّ مسرّح إلى البلوك قبل مضيّ 48 ساعة… وما أدراني أنا ماذا يمكن أن يحدث في خلال تلك المدّة الطّويلة… 48 ساعة يمكن أن تحدث فيها ثورة… أنا أتذكّر أنه في نفس هذه المدة عرفت تونس ثلاثة رؤساء : بن علي والغنوشي والمبزّع… فكيف أأمن على عرشي ورعيّتي من هؤلاء إذا أخطأت في التّقدير وعرّضت الأمن العامّ للخطر ؟

أفكّر أن أستعملهم كرهائن، وأبادل بها قائمات أخرى من الطّيّبين وقعوا هم أيضا في الأسر، لدى أشخاص أو مجموعات أخرى من الأعداء، أثناء حربنا الفايسبوكية المقدّسة… ثمّ سرعان ما يخطر ببالي أنّني أنا نفسي سجين في معتقلات كثيرة… كثيرة جدّا لدى أعداء أعرفهم وآخرين لا أعرفهم..

وتنسرب على خدّي دمعة… حين أتذكّر أنّني الآن أيضا معتقل وسجين، بنفس ذلك اللباس البرتقاليّ الحزين… في قائمة البلوك… لدى لذلك الّذي كان صديق عمري…
تحرن الفأرة… وتضيع النّقرة…

شاهد أيضاً

هل يقبل القوادون برفع الوصاية عن المساجد ؟؟

الأمين البوعزيزي • على مدار عقود طويلة مارست مقرات حزب الحاكم اللصوصية (عدم خلاص فواتير ...

اترك رد