الثلاثاء ، 17 يناير 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الخلود لروح رانية والمجد لثورة الياسمين

الخلود لروح رانية والمجد لثورة الياسمين

ليلى الهيشري

مثلت الثورات لغة الشعوب الرافضة لنمط عيش مبني على جملة من الممارسات العقائدية والسياسية والاجتماعية الجائرة، وسجل تاريخ شعوب العالم تنوعا ثوريا اقتلع جذور الاستعباد القائم على نواميس الانتماءات العرقية والطبقية.

أما الدول العربية فقد شهد تاريخها فترة زاخرة بالثورات عرفت بحركات مقاومة شعبية استبسلت في مواجهة العدو الغاصب آنذاك ونجحت في هزيمته وإخراجه من ترابها، فكان القرن العشرين شاهدا على دور الثورات الشعبية العربية في المقاومة للاستعمار.

وعقب فترة الاستقلال، انشغلت هذه الدول العربية بإعادة الإعمار وإطلاق برامج التنمية، فأسست تلك المرحلة لواقع دولي مستقر تزامن مع العقود الأخيرة للقرن العشرين، يقوم على وجود دول متقدمة وقوية تبسط نفوذها على بقية دول العالم الأكثر فقرا وذات الموارد المتواضعة، فتكونت علاقة عمودية بين الدول الغنية والدول النامية تقوم على المديونية والتبعية.

ومع مرور الزمن وتطور المجتمعات، تغيرت إنتظارات هذه الشعوب التي لم تعد تكتف بتلك الآفاق المحدودة وبشح الموارد كما عبرت عن رفضها للقمع الممنهج ضدها، من خلال تنظيم العديد من التحركات الثورية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين ولكنها باءت بالفشل.

استمر الوضع المحموم بين شعوب تعاني ويلات الفقر والقمع مقابل تغول تلك الأنظمة المستبدة التي صنعت بينها وبين شعوبها حاجزا من الظلم والنقمة سقط يوم 17 ديسمبر 2010. ذلك اليوم الذي انطلقت فيه شرارة الثورة التونسية وكان لصداه مفعول السحر على الخضراء، فانتفض الشعب بكل مكوناته ومؤسساته معربا عن رفضه لواقع مريض ومتداع، وحطم نظاما ديكتاتوريا دام 23 سنة، وكان ذلك يوم 14 جانفي 2011.

تنساب المشاعر مع ذكريات وأحداث استثنائية شكلت الصدمة في المنطقة وفي العالم، فولادة الثورة كانت بالنسبة للشعب التونسي الثائر فرصة جديدة للحياة، لقد ساهمت وحدة الشعب في فك قيود العبودية وتدمير سجن الاستبداد، بداية لتاريخ جديد من التصورات المستقبلية لدولة المساواة والحرية والمدنية. وها نحن نعيش أجواء الاحتفال بالسنة السادسة للثورة تخليدا لتحول تاريخي استثنائي، وفي الخاطر تساؤلات أثارتها الأحداث الاجتماعية الأخيرة التي شكلت صدمة إنسانية في قلوب المواطنين، أهمها البحث في جدوى قيام هذه الثورة في ظل هذه الإخفاقات الحكومية في تحقيق مطالب المواطنين؟

لقد تسببت موجة البرد التي اجتاحت التراب التونسي في موت العديد من الأشخاص ومنهم فتاة التاسعة ربيعا، وتركتنا رانية ورحلت عن أبويها المؤمنين بتدابير القدر، الذي أراد لها مكانا أفضل من ذلك الكوخ المتداعي في أقصى مناطق الشمال الغربي حيث الثلوج الكثيفة التي تغطي المنطقة، فضلا عن التضاريس الجبلية التي يصعب فيها التنقل من تلك المنطقة النائية إلى المناطق الحضرية لتوفير العلاج أو الطعام لمن يحتاجه.

وانطلقت بائعة الكبريت التونسية في رحلتها الأخيرة إلى السماء تاركة حسرة كبيرة في قلبي والديها حزنا على فقدانها، تنطق اللوعة من أعينهم المتأملة في شهاداتها المدرسية، كتبها المبعثرة، محفظتها، لباسها وفراشها المتهرئ، فتنساب دمعة الأب لتزيد من حرقة دموع الأم فتدمي مآقي كل من وصله نبأ شهيدة البرد والفقر والجحود البيروقراطي المقيت.

فراش وغطاء ولباس، تلك هي قيمة الفقير في بلادنا. حتى بعد مرور 6 سنوات من قيام الثورة، تتواصل تلك النظرة الفوقية التي عانى منها المواطن  طيلة 23 سنة ونيف، فتراهم يعيدون علينا بوجوههم العابسة ونظراتهم المتعالية ممارسات مأسوفة الذكر، وهم يتحدثون في قنوات الإعلام عن إجراءاتهم الاجتماعية المثيرة للشفقة والمتمثلة في “علبة كارتونية” متكونة من مواد غذائية بسيطة، فضلا عن مشاريعهم الخيالية لبناء المساكن الاجتماعية، وكأن الزمن يعيدنا إلى لوبيات الفساد الإداري التي اعتادت التآمر على الجائع والفقير فتحاول إسكاته بمنة شحيحة لا تكفيه زاد يومه، هذا ما عبرت عنه تلك الصور المفزعة لشريحة من المجتمع قد تمثل حسب بعض الأرقام الإحصائية 100 ألف أسرة، ولم تتمكن الدولة نقلا عن تصريح ممثل وزارة الشؤون الاجتماعية من توفير الإحاطة الاجتماعية إلا لـ10 ألاف أسرة فقط، ليبقى مصير الأسر الباقية مجهولا.

وفي قراءة لتلك الأحداث، تقودنا بعض الإشارات إلى إحدى مزايا الثورة، التي ساهمت في فتح الطريق لنصرة من هم في حاجة للمساعدة، ولولاها لما علمنا بوجود كل تلك الوضعيات الإجتماعية الحرجة، ولما تحدث الإعلام عن سكان المناطق المعزولة كالأراضي الغابية وأعالي الجبال، ولما تعالت الأصوات الغاضبة لهذا التقاعس في سماع طلباتهم ولما نظمت الحملات والتبرعات لفائدة ضحايا البرد في المناطق الجبلية.

ست سنوات والشعب التونسي يعيد إحياء  ثورة الياسمين، فقد شكلت الانتفاضة الشعبية فارقا مفصليا عبث بقواعد الزمن المتصدئ، لم يعد فيها ذلك النظام المهترئ العجوز قادرا على إخماد حريق القلوب ولهيب الحناجر، فكل محاولات التسوية باءت بالفشل فحتى ذلك الخطاب المشهور بخطاب »فهمتكم «يوم 10 جانفي 2011 كان محاولة بائسة من شخص مهدد بخسارة عرشه لم يلقى استجابة تذكر، ولم يشفع له ذلك الوعد الوهمي بتوفير 300 ألف موطن شغل ولا حتى ذلك التحوير الوزاري ولا مناورة التخفيض في أسعار المواد الغذائية، وكأنه لا يريد الاعتراف بأنه احترق وانتهى في أعين العباد سادة البلاد الحقيقيين وانهم قرروا مواجهته بقيمته الحقيقية المجردة النكرة عقابا له على جحوده وقهره للمواطنين.

وككل ثورة، عرفت الدولة التونسية منذ ذلك التاريخ تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية متفاوتة الأهمية ومختلفة النتائج، فتتالت الانجازات كما النكسات ولكن بقي مسار الثورة قائما ومحميا من تشتت السياسيين وغدر الإرهاب وأزمة الاقتصاد الخانقة، بل لازال الشعب التونسي مصرا رغم ذلك على الخروج من تداعيات الفوضى التي افرزها الضعف المؤسساتي المستمر وغياب قرارات حكومية مستقلة عن الولاءات الحزبية طيلة فترة ما بعد الثورة إلى يومنا هذا.

وفي انتظار استفاقة حقيقية لمؤسسات الدولة والحكومة الحالية، أتمنى لكم عيد ثورة سعيد ملؤه الوفاء لشهدائنا والأمل في مستقبل أفضل لتونس.

شاهد أيضاً

ليلة الهروب

بشير العبيدي #رقصةُ_اليراع كان اليوم يوم خميس. أنهيتُ دوامي في مكتبي جنوبي باريس، ولم أعمل ...

اترك رد