الأربعاء ، 20 سبتمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الثورة مستمرة ولو كره الكارهون

الثورة مستمرة ولو كره الكارهون

محمد بن رجب

إن ما أراه ونحن نحتفل بثورة 14 جانفي هو أن الثورة مستمرة رغم محاولات دفنها منذ لحظة هروب المجرم زين العابدين بن علي…
إنها متواصلة فينا رغم أن كمشة من المجرمين ما إن استشعروا الخطر من هذه الثورة التي انطلقت في سيدي بوزيد لتمتد على كامل البلاد… خطر دمارهم الكلي… فسارعوا بالتخطيط لإزاحة بن علي بكل الطرق… وتمكنوا من إجباره على الهروب وتعيين من أرادوا عوضه لضمان استمرار نظامهم ومنع الثورة من اقتحام القصر…

وللعلم إن كل الذين أطاحوا ببورقيبة يوم سبعة نوفمبر 1987 هم انفسهم الذين أطاحوا بزين العابدين…
ولم يكن محمد الغنوشي الذي اصبح رئيس تونس لبضعة ساعات مساء 14 جانفي سوى طرطور الجماعة الضامنة لنظام الحكم بتونس وهو نظام جهوي… وقد تم تعيينه رئيسا بخلاف ما ينص عليه الدستور لا لانهم لا يعرفون الدستور إنما كان الجماعة في عجلة من أمرهم وهم في حاجة إلى تهريب ما يمكن تهريبه من أشخاص… ومن أموال… ومن وثائق… ثم عادوا إلى تطبيق الدستور أي أن يتسلم السلطة في حالة الشغور رئيس البرلمان… واقنعوا فؤاد المبزع بتسلم الرئاسة بعد مفاوضات طويلة نسبيا قادها حامد القروي والهادي البكوش وكمال اللطيف الذي قيل بانه تكفل بأرشيف زين العابدين بن علي لأنه مع جماعته طرف فيه ولا يجب أن يطلع عليه احد فهل تساءل احد من النافذين… أين كمبيوتر بن علي وهو الجهاز الذي يتضمن كامل أسرار بن علي…

فؤاد المبزع على ما يبدو كان رافضا للحكم  بدعوى انه مريض بالقلب… وفي الواقع كان خائفا من الثورة… وكان مقتنعا بان ما حدث هي بالفعل ثورة… وعندما احس أن الذين يحيطون به وان الذين يتفاوضون معه يعرفون البلاد جيدا واكثر منه… وهم على ما يبدو قادرون على إيقاف المد الثوري مهما كلفهم الأمر… ولذلك تواصل القتل إلى غاية بداية شهر فيفري… فقبل المنصب… ولو كان بالفعل غير قادر على العمل بسبب مرضه فلماذا لم يظهر عليه ذلك لما كان رئيس مجلس النواب… ولا احد قال بانه مريض… وهذه مسالة أخرى…

وتولى فؤاد المبزع تعيين محمد الغنوشي رئيسا للحكومة بعد أن أتم الجماعة قضاء وطرهم منه… وقد شكل الغنوشي حكومته من التجمعيين في اهم الوزارات والاحتفاظ بوزارات السيادة لشخصيات من جهته كما عين بعض روائح من المعارضة في وزارات لا تأثير فيها على النظام… إلا أن اعتصام القصبة واحد والقصبة اثنين اجبره على الاستقالة لأنه فشل فشلا ذريعا ولم يقدر لحظة واحدة أن البلاد في ثورة… وعلينا أن نؤكد إن هذا الاعتصام هو الذي أنقذ النظام من هيمنة جهة واحدة وحقق قفزة نوعية في سياسة الحكم وفتح الباب للعاصمة وجهات أخرى للمشاركة فيه… وها أننا اليوم نتحدث عن هيمنة العاصمة… والمرسى بالذات… بعد تعيين يوسف الشاهد رئيسا للحكومة… وهو خطا فادح… لا بد من تصحيحه…

إثر سقوط محمد الغنوشي جاء الباجي… رئيسا للحكومة بعد أن فرشت له نسمة الأرضية بالحرير والواضح وان من دعاه إلى تسلم المنصب هم أنفسهم الذين قلبوا بورقيبة وأطاحوا بزين العابدين بن على ولو لم تكن الثورة متواصلة لفرضوا شخصية منهم لتسلم رئاسة الحكومة.

نعم إن الثورة مستمرة على طريقة الثورة الفرنسية وسينتصر فيها الشعب الذي ثار على الظلم والاستبداد والفساد الذي لم ينعم بثورته إلا بضعة ساعات إذ قام المتمرسون بالحكم… من عهد بورقيبة بافتكاك الثورة منه… وأعادوه رغم الشهداء إلى المربع الأول.

وتصورت هذا الجماعة انهم الغوا الثورة يوم 14 جانفي لما سيطروا على القصر الرئاسي واطردوا بن علي بتخويفه… وهو يعرف انهم جادون وهو يعرفهم جيدا وهو على يقين من قدرتهم حتى على قتله… الم يخطط معهم من قبل على اغتيال بورقيبة بتسميمه للسطو على الحكم ثم غيروا التكتيك وقاموا بعملية انقلاب امني وطبي عليه… كما انهم تمكنوا من غرس الرعب في قلب زوجته ليلى المجرمة التي تصورت أن البلاد ملكها ولا احد قادر على إيقافها… وهي التي حسب بعض الأقوال شجعته على ترك القصر لضمان امنها وامنه على امل العودة بعد أن تهدا الأمور…

وما تأكد مع الأيام والسنوات هو أن رشيد عمار والسرياطي كانا قد خططا كل واحد منهما على حدة لافتكاك الحكم من زين العابدين… الأول بتحريك الجيش والثاني باعتماد نفوذه المطلق في القصر بصفته مدير الأمن الرئاسي إلا أن الجماعة إياها كانوا اسرع إلى القصر وتمكنوا من السيطرة على الحكم باعتماد الدستور… ولذلك لم يتمكن رشيد عمار من دخول القصر بعد أن تأخر قليلا في اتخاذ القرار وهو الذي تولى إصدار الأمر بإيقاف السرياطي في مطار العوينة العسكري اثر تحليق طائرة بن علي الهارب نحو السعودية ليخلو له الجو… ولم يعد أمامه أي منافس.

وربما كان رضا قريرة وزير الدفاع آنذاك يتابع الأمر عن بعد ليدخل القصر معززا بفريق عسكري إثر تأكده من أن طائرة بن على قد غادرت الأجواء التونسية… وربما كان أيضا متفقا مع رشيد عمار على امر ما… وتبقى الدقائق الأخيرة هذه سرا كبيرا ما لم يتحدث السرياطي وعمار بصدق عنها… أما إذا غادرا الحياة فلن يعرف التاريخ صورة واحدة حقيقية وستبقى المسالة محاولات لإعادة تركيب الصورة كلما اكتشفنا معلومة صغيرة جديدة…

لهذا السبب تمكن المنصف المرزوقي الرئيس السابق من إجبار رشيد عمار على طلب التقاعد والانسحاب بهدوء… فقد اكتشف المرزوقي ألاعيب الرجل… والطريف أن هذا العسكري صاحب الرتبة العالية لم يسانده احد… وانسحب من قيادة الجيش دون أن يحرك ساكن أي عسكري… وهذا دليل على أن لا إشعاع له ولا تأثير لا في الجيش ولا في البلاد… وانه لم يستحق لحظة واحدة صفة بطل الثورة باعتباره قال لبن علي لا لما أمره بقتل المتظاهرين في الشوارع… واشتهر بهذه الصفة لمدة اشهر ثم ثبت انه لم يرفض أي طلب لبن علي… وهو إلى آخر لحظة وهو يخطط مع مدير الأمن الرئاسي ومدير الأمن الوطني ومدير المخابرات… وطبعا معهم وزير الداخلية على إنهاء الثورة باي ثمن وفق ما كان يرغب فيه بن علي… لكن ما حدث في شارع بورقيبة يوم 14جانفي قد يكون غير موقفه وفكر في مصلحته فتصور انه قادر على افتكاك السلطة… وهذا طبعا كان ممكنا… إلا أن الجماعة إياها كانت اكثر دهاء منه لتجربتها العميقة في المؤامرات ونسج خيوط النظام من جديد في الأزمات الكبرى…

الثورة إذن متواصلة وقد حققت الكثير ولا يمكن أبدا التراجع فيما حققته من إنجازات منها الحريات الحقيقية والديمقراطية الناشئة التي ستمنع عودة الاستبداد مهما كان الحاكم ومهما كانت ميولاته… والانتخابات الممكنة بلا تدليس… والهيئات الدستورية في الإعلام والقضاء والانتخابات والدستور… والحقيقة والكرامة… وهي هيئات من أروع ما توصل إليه العقل السياسي الديمقراطي في الأنظمة الحاكمة في الدول المتقدمة…

صحيح أن هذه الهيئات تجد صعوبات حاليا في العمل بسبب غطرسة التجمعيين الذين يسعون بكل الطرق لمنع تحركاتها لأنها تفضحهم وتعري مفاسدهم… وقد تتسبب في محاكمتهم… وإجبارهم على إرجاع ما نهبوه…

الثورة متواصلة لإنهاء كل علاقة مع نظام الاستبداد والفساد وكل الذين كانوا يدعمونه… ويعيشون بأنفاسه مع تحقيق الثروات وممارسة النهب والابتزاز وتجاوز القانون… والثورة متواصلة وستجعل الديمقراطية ثقافة أساسية… وممارسة يومية… وستجعل الهيئات الدستورية أمرا لا بد منه في حياتنا العادية… وستنهي منظومة الفاسدين المحترفين…
وغدا تكون تونس أجمل… يحلو فيها العيش خاصة بالنسبة للشباب فلا “حرقان” ولا إرهاب…

شاهد أيضاً

البوليس والإعتقال على الهوية

ناجي عبد الرزاق البارح الصباح (15/09/2017) قصدت ربي ماشي نخدم، وقفتلي سيارة الشرطة وطلب مني ...

اترك رد