الجمعة ، 20 يناير 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / نكتة بلحسن الطرابلسي وزين العابدين بن علي

نكتة بلحسن الطرابلسي وزين العابدين بن علي

عبد اللّطيف درباله

في آخر عهد بن علي كانت هناك نكتة متداولة عن بلحسن الطرابلسي.. وهي واحدة من مئات النكت التي تداولها الناس عن بن علي وعائلته وأصهاره والطرابلسيّة..

تقول النكتة أنّ بن علي قرّر يوما أن يقوم بجولة في العاصمة بمفرده وبسيّارته الخاصّة دون مرافقين أو حرس.. وذلك كأيّ مواطن عادي..
وعندما كان يسير بطريق المرسى في اتّجاه وسط العاصمة أوقفته دوريّة رادار لشرطة المرور لتجاوزه السرعة المحدّدة..
وتوقّف بن عليّ بالسيّارة بعد أن أشار له عون المرور..
فلمّا جاء عون الأمن لأخذ أوراق السائق.. فوجئ بأنّه رئيس الدولة شخصيّا.. وأخذ وقتا ليصدّق بأنّه أمام بن علي بشحمه ولحمه وبمفرده..
وبعد أن أفاق من الصدمة وسلّم عليه بن علي.. قدّم عون الأمن اعتذاره للرئيس وقال له ما شاء من المجاملات..
لكنّ بن عليّ سأله لماذا أوقفه؟
فقال له عون الأمن أنّه تمّ ضبط السيّارة في مخالفة مرور بالرادار.. لكن طبعا القانون لا يسري عليه..
ففاجأه بن عليّ بأن قال له: “لا لا بالعكس.. أنا اليوم قرّرت نخرج وحدي كأيّ مواطن عادي.. لذا نحبّك تعاملني كأيّ مواطن تونسي عادي.. اعمل الإجراءات القانونيّة اللاّزمة كيف العادة..”
عون الأمن طبعا اضطرب وتلعثم.. لكنّ بن علي أخرج له بطاقة تعريفه ورخصة سياقته وقال له: “اخدم خدمتك”..
عون الأمن هرول مسرعا ومضطربا إلى الضابط رئيس الدوريّة وأخبره بالواقعة..
هرول رئيس الدوريّة إلى بن علي ورحّب به وطلب منه مغادرة المكان موضّحا له أنّه لا يمكنهم عمل محضر مرور ضدّ سيادته وفخامته..
لكنّ بن علي أصرّ وقال له وللعون: “اخدمو خدمتكم”..
تمتم الضابط رئيس الدوريّة “حاضر سيّدي الرئيس”.. وابتعد عن سيارة الرئيس ثمّ اتّصل فورا برئيس فرقة شرطة المرور وأخبره بالمأزق..
اضطرب رئيس الفرقة واتّصل مباشرة بمدير الأمن.. وأخبره بالواقعة وبإصرار رئيس الجمهوريّة نفسه على أن يحرّروا له محضر مخالفة مرور لتجاوز السرعة كما أثبته الرادار..
وسأل مدير الأمن رئيس الفرقة: “انت متأكّد أنّه هو شخصيّا سيادته رئيس الجمهوريّة زين العابدين بن علي بنفسه؟”
فأجابه رئيس الفرقة: “هو بنفسه.. ومصرّ باش نعملو محضر ضدّه.. وقالنا عاملوني كأيّ مواطن عادي..”
هنا أجابه مدير الأمن بلهجة حازمة: “يا ولدي أمّا مواطن عادي؟ سيّبه يروّح وما تعمل شيء.. هاذاك زين العابدين بن علي.. راهو نسيب سي بلحسن..”..

طبعا تعكس هذه النكتة المخيال الشعبي التونسي في ذلك الوقت.. وما وصله بلحسن الطرابلسي من مكانة استثنائيّة.. بدت للكثيرين قويّة وقائمة بذاتها.. ورّما أصبحت تستمدّ وجودها من شقيقته ليلى بأكثر من الرئيس نفسه..
وهي مكانة كان لها أساس من الحقيقة والواقع.. وكلّ الشعب التونسي يعرفها.. وأهل السلطة والإدارة عاينوها وخبروها..
وتظاهر بلحسن الطرابلسي في أوّل حوار مباشر له على قناة “التاسعة”.. بعكس ذلك.. وإنكاره تماما لأيّ دور له في السلطة وفي الحكم في عهد بن عليّ.. نافيا أيّ نفوذ استثنائي له.. أو أيّ سلطة أو امتيازات وتسهيلات.. هو مردود عليه..
ذلك أنّ الجميع كان يعلم بأنّ بلحسن وخاصّة في السنوات الأخيرة قبل الثورة.. وبمرور الوقت وتنامي شبكة علاقاته الشخصيّة.. ومع صعود نفوذ شقيقته ليلى.. وتراجع حضور بن علي.. ومع تكاثر أمواله وتكوينه لوبي تابع له يبدأ من مستشاري الرئيس الأسبق بن علي في قصر الرئاسة بقرطاج وينتهي في كلّ الوزارات والإدارات.. بما في ذلك الداخليّة والأمن.. أصبح جزء من منظومة الحكم ويملك سلطة معتبرة.. مكّنته حتّى من التأثير في تعيين وعزل وزراء وكتّاب دولة وقيادات أمنيّة ومسؤولين قضائيّين.. ومديرين عامّين ومديري بنوك ونحوه..

وتقول نكتة شهيرة أخرى بأنّ بلحسن الطرابلسي أنكر أمام صهره الرئيس بن علي كلّ التهم المنسوبة إليه في الاستيلاء على أراضي وعقّارات ومصانع ومشاريع وغيره بتونس.. وأنّه نفى تلك الإشاعات مؤكّدا أنّه لم يشتر إلاّ منزلين اثنين واحد في بنزرت والثاني في الرمادة.. وأنّه قام فقط بهدم الجدران بينهما ودمجهما معا ليوّسع منزله.. في إشارة إلى أنّه بذلك امتلك فعليّا كامل الجمهوريّة من الشمال للجنوب !!!

وعموما فإنّ النكت السياسيّة التي كانت متداولة في تونس في السنوات الأخيرة قبل الثورة.. تعكس الواقع الذي كان يعيشه التونسيّون وحقيقة مكانة بلحسن الطرابلسي في أعلى هرم السلطة.. والتي أصبح ينكرها الآن للتهرّب من جرائمه ومن اختراقه عبر ذلك النفوذ للمنظومة الاقتصاديّة في تونس وثرائه الفاحش في زمن قياسيّ بلا وجه حقّ..

ومن النكت الأخرى مثلا.. النكتة التي انتشرت عندما توفيّ “المنصف بن علي” شقيق الرئيس في ظروف غامضة.. وسرت إشاعات باحتمالات قتله أو تصفيته.. وكان الأمن الفرنسي قد اتّهمه في وقت ما ورسميّا في التورّط أنشطة إجراميّة مشبوهة منها ترويج المخدّرات..
وتروي النكتة أنّ ملك الموت “عزرائيل” كان يحضر كعادته صباح كلّ يوم لوزارة الداخليّة بتونس لقبض أرواح المعتقلين السياسيّين الذين توفّوا ليلا تحت التعذيب في معتقل دهاليز الداخليّة الرهيب.. وفي يوم وجد وجوه الأمنيّين والضبّاط والجلاّدين مكفهّرة وغاضبة.. وبعد أن أخذ أرواح ضحايا التعذيب واستعدّ لمغادرة المكان كعادته.. التفت كبير الجلاّدين قائلا لعزرائيل بلهجة ارتياب وحنق:
“استنّى.. في بالك ألّي سي المنصف خو السيّد الرئيس مات؟”..
فأجابه عزارائيل بسرعة: “واللّه خاطيني مانيش أنا..”..!!
وطبعا تحيل النكتة في نفس الوقت على أعمال التعذيب البشعة التي كانت تجري في تونس.. وإلى التقديس المطلق لرجال أمن وجلاّدي بن علي لسيّدهم وكأنّ شقيقه فوق الموت ولا يجب أن يموت.. وإلى “خوف” حتّى عزائيل من أن توجّه له تهمة قتل شقيق الرئيس بقبض روحه كما يفعل عادة مع كلّ المتوّفين.. فيقع حينئذ اعتقاله وتعذيبه من أجل الاعتراف بذلك وإرضاء الرئيس بالقبض على المسؤول عن قتل أخيه..!!

والجميع يعرف النكتة التي تقول بأنّ مسابقة جرت بين ثلاثة فرق من ثلاثة دول تونس وأمريكا وفرنسا.. وتتمثّل في إطلاق أرنب برّي وسط الغابة.. ثمّ قيام كلّ فريق بالبحث عنه.. والذي يمسكه في أقلّ وقت يكون فائزا..
وقد قبض الفريق الأمريكي على الأرنب في ساعة واحدة..
وقبض عليه الفريق الفرنسي في ساعتين..
وخرج الفريق التونسي للبحث عن الأرنب لكنّه استغرق وقتا طويلا إلى أن حلّ الظلام بعد ثمانية ساعات كاملة.. فخرجت لجنة التحكيم وبقيّة الفرق للبحث عن الفريق التونسي وسط الغابة.. وأخيرا عثروا عليه وهو يمسك بقطّ وقد قيّدوه وعلّقوه في شجرة وكانت الدماء تنزف منه وهم يجلدونه ويطلبون منه الاعتراف بكونه أرنب.. !!

وتتعدّد النكات ولا تنتهي عن عهد بن علي..

والمعلوم بأنّ النكت السياسيّة التي يتداولها الناس سرّا وعلانيّة تعكس المخيال الشعبي وتعكس حقيقة الواقع في البلاد.. والتي يحوّلها المواطنون تلقائيّا لنكت وروايات وتعليقات ساخرة للضحك.. وللهروب من المطاردة حتّى لا يظهر ما يقولونه خطابا سياسيّا معارضا في زمن القمع وتكميم الأفواه..

ويتّفق الكثير من المؤرّخين والباحثين بأنّه يمكن تحليل كلّ فترة سياسيّة من خلال النكت التي تصدر فيها ويتداولها الناس.. وهناك في الخارج كتب تعنى بجمع ذلك النوع من النكت..
وتستعمل النكات حتّى في الحرب النفسيّة سواء ضدّ الأعداء أو ضدّ المنافسين السياسيّين..
وتؤكّد بعض المصادر في حملات المرشّحين الأمريكيّين للرئاسة بأنّ المتنافسين عادة ما ينتدبون ضمن فريق الحملة الانتخابيّة كوميديّين وكتّاب اخرين للعمل على السخرية من منافسيهم ونشر النكت الساخرة والضاحكة عنهم.. لأنّ أقصر طريق لرسالة ما هي أن تجعل المتلّقي يضحك..

وفي تونس كانت فرق الإرشاد تعنى بجمع كافة المعلومات وما يتداوله الناس ويحكون فيه ويناقشونه في الشارع وفي المقاهي وفي منازلهم وجلساتهم الخاصّة والعامّة.. وتسمّى تلك التقارير قياس الرأي العام..
وكان بن عليّ يحرص على أن تصل إليه تلك التقارير دوريّا لمعرفة ما يفكّر فيه عامّة الناس وما يشغلهم ويقلقهم وما يمكن أن يشكّل خطرا على نظامه.. لذلك كان يأخذ بعض القرارات بناء على تلك التقارير بما ينفّس أحيانا حالات الإحتقان.. أو يطلب من أجهزته أو إعلامه الترويج لأخبار أو روايات مضادّة..
وكانت تلك التقارير تحتوي كلّ التفاصيل حتّى حكايات الناس ورواياتهم حوله هو شخصيّا وحول أفراد عائلته كانت تصل بن علي.. بما فيها تلك المشينة والمتضمّنة لاتّهامات أو سبّ لهم.. ولربّما كانت من بين عناصر تلك التقارير النكت المتداولة بين الناس عن النظام وعن بن علي والطرابلسيّة وشيبوب ونحوه..

ولو قدّر أن قام أحدهم بتدوين جميع النكت السياسيّة في عهدي بورقيبة وبن علي وكذلك في عهود ما بعد الثورة.. لأمكن لنا أن نأخذ فكرة صادقة عن طبيعة الأنظمة وأحوال الشعب في تونس منذ الإستقلال وحتّى اليوم..

شاهد أيضاً

المعارضة الوطنية و”ظاهرة المزروب العلقمي”

الحبيب بوعجيلة يجب ان لا نختفي وراء اصبعنا كما يقول اخواننا اللبنانيون وعلينا ان نسلم ...

اترك رد