الأربعاء ، 22 فبراير 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / مصير مؤتمر الإستثمار بين الوعود المغرية وإكراهات الواقع

مصير مؤتمر الإستثمار بين الوعود المغرية وإكراهات الواقع

ليلى الهيشري

شهد 2016، أهدافا جديدة وواقعية لحكومة الشاهد، تمثلت في إعلانها عن خطة اقتصادية واضحة المعالم عبر تنظيم مؤتمر الاستثمار الدولي تونس سنة 2020، كما عملت أمنيا على تجفيف منابع الإرهاب وتراجع عدد العمليات الإرهابية المنفذة على التراب التونسي، وهو ما قد يشكل الأرضية المناسبة لبعث مخططات استثمارية تنموية قد تنهض فعليا بالاقتصاد التونسي.

لقد اعتبر العديد من المحللين الاقتصاديين أن النتائج المنبثقة عن أشغال مؤتمر الاستثمار المنعقد في تونس ليومي 29 و30 نوفمبر 2016 كانت إيجابية للغاية، فقد أسفرت دعوة 70 دولة و40 وفد رسمي عن إبرام العديد من الاتفاقيات الاستثمارية قدرت بـ 34 مليار دينار تونسي، بين معاهدات شراكة وتعهدات مالية.

وفي ظل هذا النجاح الاقتصادي المعلن حسب المؤشرات الرقمية الرسمية، وذلك الاستقرار الأمني المشهود طيلة 2016، شهد العالم في نهاياته تطورا في نسق الأحداث، كان له الأثر الكبير على الرأي العام الدولي والتونسي تحديدا، حيث انطلقت شرارة التوتر من خلال تداعيات عملية برلين، إذ أعلنت الحكومة الألمانية أن منفذ الاعتداء هو مهاجر تونسي وعنصر منتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية ولم يتسنى للعالم معرفة الحقيقة فدفنت نهائيا بقتله بعد محاصرته في أحد شوارع ميلانو. وتزامنا مع تلك الأحداث القائمة في أوروبا، عرفت منطقة الشرق الأوسط، تغيرا في معادلة القوى في سوريا، نتج عنها موجة من النزوح البشري من منطقة حلب بين مدنيين ومقاتلين خرجوا من العديد من المناطق السورية.

لقد شهدت هذه الفترة ولادة مرحلة جديدة، تميزت أساسا بتزايد المخاوف من العمليات الإرهابية في المعسكر الغربي عموما وفي دول الاتحاد الأوروبي بصفة خاصة، وتجسدت تلك المخاوف على أرض الواقع حيث عمدت العديد من الحكومات الأوروبية إلى إطلاق حملة تفتيش في حق المهاجرين غير الشرعيين المتواجدين على أراضيها قصد تجميعهم والتحضير لترحيلهم إلى مناطقهم الأصلية. ورغم أن إجراءات الترحيل، لا تعد بالحدث الجلل أو المثير للاستغراب إذا ما تمت في ظروف مغايرة لما هي عليها الآن، لذلك تعتبر الإجراءات المتخذة في حق هؤلاء ثمرة أجندات سياسية حزبية يترأسها التيار اليميني، يتبنى نظرية التطهير المبنية على ضرورة التقليص من النفوذ العربي في دولهم لما يمثلونه من خطر داهم على أمنهم وهويتهم.

ولعل تصريح رئيس حكومة ولاية بادن-فورتمبورغ الألمانية “فينفرد كرتشمان” لأيام مضت لجريدة ألمانية، أبرز مثال على هذه التوجهات السياسية الغربية، إذ أعتبر في تصريحه، أن منطقة شمال إفريقيا وخاصة بمثلثها التقليدي تونس-الجزائر والمغرب، هي عبارة عن محضنة لشباب يتمتعون بطاقة إجرامية خطيرة وجب مكافحتها لضمان الاستقرار في الدول الأوروبية.

وفي نفس هذا التوجه، أعلن وزير الداخلية التشيكي في تصريح إعلامي أيضا عن إمكانية تمرير مشروع قانون يمكن المواطنين من التسلح بصفة شخصية في محاولة لتدعيم الاستراتيجية الأمنية في مواجهة الإرهاب في الدولة التشيكية، وهو اختيار نتج عن الأحداث الدامية على غرار أحداث نيس وبرلين.

كل هذه التصريحات الإعلامية للعديد من السياسيين وممثلي الحكومات الأوروبية ليست بمعزل عما قد يحصل في تونس، ها نحن الآن في خضم أزمة أفرزتها نهاية الحرب في سوريا، هاهي وسائل الإعلام التونسي تتحدث من جانبها عن عودة 2995 مقاتلا إلى دولتهم الأم يتواجد جزء منهم  في سوريا ويتوزع الجزء الآخر على العديد من الدول الأخرى في العالم، وقد تزداد الأوضاع سوءا بعودة المهاجرين الذين شملتهم حملة “الترحيل” القائمة ضدهم في الاتحاد الأوروبي والناتجة عن مخاوف من ارتكاب أعمال إرهابية اقتداء بالأخوين كواش المنفذين لعملة شارلي ايبدو، واقتداء بأنيس العامري منفذ عملية برلين كما يصور للرأي العام من طرف أحزاب تسعى لاعتلاء كرسي الرئاسة والحكومة في دول أوروبا الغربية خاصة.

وبذلك قد تسجل ظاهرة الهجرة إلى الداخل التونسي، إما بدافع الإرادة أو بموجب إكراهات الواقع، عبر رضوخ الدولة التونسية للضغط الغربي من خلال قبول هذا الكم من الوفود البشرية بمختلف تصنيفاتها، ظرفا مؤثرا على الاستقرار المطلوب في الدولة، ولا شك أن منتدى الاستثمار الذي أسفر عن وعود مالية من طرف العديد من الدول الأوروبية، ومنها الدولة الألمانية التي وقعت اتفاقية بـ 260 مليون دينار تونسي عن طريق احدى مؤسساتها المالية KFW كان حدثا مبنيا على شرط أساسي وهو ضمان الطرف التونسي للاستقرار الأمني.

لذلك وجب إعطاء هذه الفرضية الأهمية التي تستحقها، والتي تنبني على تناقض في المواقف السياسية الأوروبية تجاه تونس تحديدا، فإن كانت المشارك الفاعل في عملية التنمية والداعم للحكومة ضد الإرهاب، فكيف لها أن تساهم في إعادة من قد يكونون سببا في تدهور الوضع الأمني والاقتصادي في تونس؟

إن الغموض المسجل في موقف الحكومات الأوروبية يثير الكثير من الشكوك خاصة وأنهم كمستثمرين بالأساس، يعدوننا بمبالغ كبيرة فكيف لهم أن يجازفوا بضخ تلك المبالغ في دولة قد تعجز عن تحقيق الاستقرار المطلوب، وتجعل من تلك الأموال المستثمرة هباء منثورا؟ كل الخشية اذا من حصول المحظور المتمثل في إمكانية تراجع شركاء الاستثمار عن الوفاء بالتزاماتهم اذا ما سجلت أية أحداث إرهابية مستقبلية على الأرض التونسية.

شاهد أيضاً

وللحداثة أيضا تكفيريوها وكهنتها ومحاكم تفتيشها

عادل بن عبد الله لو حاولنا استكشاف البنية العميقة للخطابات الحداثية المهيمنة على تونس منذ ...

اترك رد