الإثنين ، 20 فبراير 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / كيان الستبداد في ثوبه الديمقراطي !

كيان الستبداد في ثوبه الديمقراطي !

طارق العبيدي

من المفارقات العجيبة ان نشاهد اليوم ونستمع الى ابشع خطاب استبدادي في مؤسساتنا الديمقراطية وتكريسه في آليات ممارسة الحق النقابي الذي يكفله دستور الحرية والكرامة.

ذلك هو حال البيان الختامي لنقابة الأمن الوطني الصادر بتاريخ 2016/12/24 الذي يطالب برفض عودة التونسيين من بؤر التوتر وسحب الجنسية منهم. هذا البيان وللأسف الشديد كان له صداه في مجلس نواب الشعب اهم واكبر المؤسسات السياسية لممارسة الديمقراطية في الدولة، حيث رفع نواب كتلة نداء تونس تحت قبة البرلمان لافتات كتب عليها بالخط الكبير لا لعودة الإرهابيين. هؤلاء النواب هم أنفسهم من شاركو في التصويت على القانون الجديد لمكافحة الارهاب الصادر سنة 2015 الذي كان وقتها أولى أولوياتهم بمجرد دخولهم البرلمان. وقد ضمنوه احكاما جديدة لم تكن موجودة في القانون القديم لمكافحة الاٍرهاب بمقتضاها يمكن محاكمة كل شخص تونسي يرتكب عمليات ارهابية خارج تراب الوطن وفي كل مكان في العالم.

نوابنا الكرام اللذين تفاعلوا بسرعة فائقة مع البيان الختامي لنقابة الأمنيين ورفعوا تلك اللافتات المسخرة لم يكتفوا بخرق قانون مكافحة الاٍرهاب الذي صوتو له بأنفسهم سنة 2015 وإنما استباحوا ايضا احكام الفصل 25 من دستور الحرية والكرامة الذي يحجر سحب الجنسية من اي مواطن تونسي أو تغريبه أو تسليمه او منعه من العودة الى الوطن، كما استباحوا ايضا احكام الفصل 27 من الدستور الذي يعتبر المتهم بريء الى ان تثبت ادانته في محاكمة عادلة تكفل له جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة. هذا الخطاب الذي أعلنته نقابة الامنيين في بيانها الختامي وتبناه نواب كتلة نداء تونس في مجلس نواب الشعب هو خطاب لا يحترم الدستور والقوانين وهو مبني على فكر الدولة المستبدة التي تعتبر الجنسية منة على المواطنين والوطن ملكية خاصة للمستبد بالحكم يمكن ان يطرد منه من يشاء ويقبل فيه من يشاء. الجنسية رابطة هوية مثلها مثل جينات الوراثة لا يمكن سحبها من الانسان والوطن ملك للمواطن لا يمكن افتكاكه منه، وان اجرم المواطن في حق وطنه فوحده الوطن الذي يتكفل بجرمه ويتحمل تبعة خطايا مواطنيه دون اوطان الشعوب الاخرى.

هذا المشهد الاستبدادي الغريب في ثياب الديمقراطية الوليدة في بلدنا ناتج عن اكتساح أشخاص تربوا في منظومة الاستبداد القديمة لمؤسسات الديمقراطية الوليدة فلم يستطيعوا ان يخاطبونا الا بما في عقولهم وما في نفوسهم من طبائع الاستبداد التي أنسوها ومارسوها لسنوات طويلة. اجمل ما في الديمقراطية انها تكشف لنا الحقائق من قريب، وقد اكتشفنا عبرها العقل الاستبدادي في تونس كيف يفكر وكيف يتحرك وما هي أدواته. واجمل من ذلك، ان هذه الديمقراطية ستجعل المواطن يفكر ويحلل شيء فشيء الى ان يصل الى تشكيل أدنى وعي انتخابي وهو ضرورة ان يكون كل فرد او جماعة تطلب السلطة بواسطة الانتخاب مشبعة بالديمقراطية عقلا وممارسة.

مع ذلك،علينا ان نكون حذرين كل الحذر من كيان الاستبداد الذي يرتدي اليوم ثوب الديمقراطية فقد يكون سبب نكسة تجربتنا في بناء الدولة الجديدة دولة القانون والمؤسسات التي لا تسحب الجنسية من مواطنيها ولا تنفيهم بل تحاكمهم محاكمة عادلة من ألفها الى يائها. وحدها المحاكمة العادلة هي التي تجعل منا أمة متحضرة تحترم الانسان والانسانية وغيرها من خرافات الفكر الاستبدادي هي حيلا على عقول الشعب لتخويفه وترتيب طريق العودة الى التحكم في رقابه. احذروا الاستبداد فهو موجود اليوم حتى في المؤسسات الديمقراطية، احذروه حذركم من الأمراض المعدية فهو كالطاعون وقد قال عنه عبد الرحمان الكواكبي ما يلي “الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان.. فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر وتارك حقه مطيع والمشتكي المتظلم مفسد والنبيه المدقق ملحد والخامل المسكين صالح ويصبح كذلك النصح فضولاً والغيرة عداوة والشهامة عتّواً والحميّة حماقة والرحمة مرضاً.. كما يعتبر أن النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطف والنذالة دماثة”.

شاهد أيضاً

أنا الدولة !

القاضي أحمد الرحموني رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي «القضاء لابد أن يكون مستقلا عن بقية ...

اترك رد