الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / تداعيات الحرب السورية وأزمة العائدين

تداعيات الحرب السورية وأزمة العائدين

ليلى الهيشري

يحتفل العالم بنهاية عام ميلادي يعرف في الأوساط العربية بالسنة الإدارية، وفي جعبته الكثير من الأحداث الوطنية والعالمية. لقد كانت 2016 سنة لا تقل دموية عن غيرها من السنوات السابقة، إلا أنها مثلت سنة الانفراج في الشرق الأوسط، إذ حملت نهاياتها وقائع مغايرة لانتظارات الشعب السوري، حيث استأثر النظام العسكري بمجمل الجبهات التي كانت معاقل للمعارضة وغيرها من الأقليات التي جاءت نصرة لشعب في يوم ما كما تم فيها القضاء على الدواعش بصفة نهائية أيضا.

وان جاءت الأحداث عكس ما أراده المثلث الجيو-استراتيجي العربي، قطر – السعودية – تركيا، ورغم تقاطع مصالحهم ومصالح الأصدقاء الحقيقيين لسوريا، أثبتت الظروف المحيطة بتلك الأزمة السورية  تعمد عرقلة طلبات الشعب الحقيقية من خلال ما عرف من تنوع للمتدخلين الأجانب واستماتتهم في تغيير مسار الثورة. لقد كانت ولادة الثورة السورية ثمرة الاقتداء بما قدمته ثورة الياسمين وثورة الفراعنة وحتى ثورة اليمن من إغراءات بالحرية والديمقراطية والسيادة الشعبية، ولكن لم تكن سوريا تعيش بمعزل عن محيطها الذي تسيطر عليه الأنظمة الملكية والنزاعات التقليدية التي أحاطت بالقضية الفلسطينية منذ نشأة الكيان الصهيوني في الجسد العربي. فتم العمل على تشويه الانتفاضة السلمية وتحويلها إلى ثورة تشجع على القتل والذبح والتنكيل وتنامت الأحداث كما أريد لها أن تكون لتصل إلى مرحلة استبيحت فيها الأرض السورية من طرف مجاهدين من كل دول العالم وصولا إلى استقطاب أحد أكبر الجيوش في العالم وهو الجيش الروسي، الذي حسم المعركة لفائدة النظام السوري.

إنتهت الأزمة السورية بعد مجازر روعت المتساكنين وبعد الدمار الذي لحق البنية التحتية للدولة، وتحولت أرض الحضارة الأموية إلى قرى ومدن تسكنها الأشباح وترمى فوق أرصفتها الجثث.

قد يكون من الصعب الخوض في مخططات لمعارك يلتقي فيها قضاة وحماة العالم كما يدعون، ولكن من الممكن التسليم بأن ذلك الجنون الذي أحاط بكل مجريات الأحداث في سوريا، كان كفيلا بإحراق سوريا لمنع التسرب إلى الدول العربية الأخرى عبر نداء الثورة.

لكننا رغم مباركتنا كشعب تونسي لكل انتفاضة شعبية سلمية ضد أنظمة الدكتاتورية العسكرية والملكية، لم نتبين أن لأزمة سوريا تداعيات خطيرة أضرت بنسيجنا المجتمعي وتبين لنا ذلك عندما استفحلت لدينا ظاهرة الجهاد في سوريا، حيث خسرت تونس عددا كبيرا من شبابها في سوق الجهاد وهو أكبر سوق للاتجار، بمن كان عليهم أن يحملوا هموم بلادهم عبر ضمان استمراريتها وتطورها من خلال بناء مستقبلهم وبذل جهودهم في تطوير مرافقها وشعبها.

وأخيرا، انتهى العهد بزمن النخاسة وبقي النخاسون للأسف في مأمن من التتبعات العدلية والعقاب، وها هي الحرب قد وضعت أوزارها في سوريا ليحملها الشعب التونسي بدلا عنها، ها نحن نعيش “فوبيا العائدين” وهي التسمية الحديثة لمن حاربوا في سوريا، وهاهم بجهلهم لخفايا هاته الحرب ساهموا في تلميع صورة دكتاتور أمام الرأي العام العالمي، كما تسببوا بمعية المقاتلين من مختلف دول العالم، في تشريد الملايين من السوريين وقتلهم دون معرفة السبب الحقيقي لتواجدهم في الأراضي السورية. ولكن رغم الفظائع التي عايشتها كل المنطقة العربية، تراودني تساؤلات عديدة أريد أن أوجهها إلى بني جلدتي من العائدين من تلك المنطقة المسكونة بالخراب والسراب، ويا ليتهم يجيبون… الم يخيل إليهم بأنهم ذهبوا لنصرة كلمة الله وإسلامه الحنيف، فهل نجحوا في نصرة الضعيف والصغير والمرأة والشيخ؟ هل تمكنوا من مسح دموع اليتامى وإطفاء جوع المحتاجين؟

خمس سنوات والشعب السوري يعيش المعاناة تلو الأخرى بين القتل والتهجير، تلاشت فيها المعارضة السلمية لنجد محلها جملة من الجماعات المسلحة القادمة من كل صوب وحدب، فتجد التونسيين، الأفغان، الشيشان، جماعة حزب الله، فضلا عن الأجهزة الاستخباراتية لقطر، تركيا، روسيا، إيران، الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل لتطول القائمة إلى أن حانت ساعة الفرج ويا ليتها كانت بأيادي سورية.

لم يعد هناك شك، أن الدول التي جعلت من الثورة السورية كبش فداء لمخططاتهم قررت أن تنهي النزاعات الدموية لزوال الموجب، وحل هذا القرار في شكل اتفاق ثنائي الأطراف، وهو عبارة عن مشروع هدنة ميدانية قررها الروس والأتراك، تمحورت حول وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة، وهي ليست سوى محاولة لإعادة الأحداث إلى مربعها الأول، إيذانا بالإعلان عن نهاية الدراما، التي تصور المعركة في صورتها الرسمية بين ديكتاتور ومعارضة.

وان كانت الصورة المعلنة اليوم تشير فقط إلى تعمد بشار قطع الطريق للمرة الثانية على مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي كشف أمره في حرب لبنان سنة 2006، ورغم فشل كل المخططات الأمريكية – الإسرائيلية آنذاك في تقسيم الدول العربية الكبرى المحيطة بإسرائيل، تحولت الأنظار إلى سوريا بعد اندلاع ثورتها الشعبية السلمية، بعد أن تنامت المخاوف الإسرائيلية من هبة شعبية قد تهدد استقرار الصهاينة فبمجرد اعتلاء الشعب لعرش الحرية في بلدهم، فلم يعد بشار يمثل عدوا خطيرا مقارنة بالعدو الحقيقي الذي سيصعب عليهم مواجهته وقد يضطرهم إلى التنازل قسرا على منطقة الجولان المحجوزة منذ عقود. ومن هذا المنطلق تم اعتماد مخطط ارتجالي لتشويه الثورة السورية وتغيير مسارها، عبر تسهيل مرور ذلك المد البشري للمقاتلين عبر العالم وهم عبارة عن بيادق تسير بأوامر عليا من أجهزة دول عظمى.

ومن هنا انطلقت معاناة الشعب التونسي الذي عرف بتعرضه للقمع الديني طيلة عقود، فكان استقطاب شبابه من قبل تلك الأطراف التي عملت على تسفير شبابنا إلى سوريا، معتمدا على تلك العقدة، فما كان على المتآمرين على سوريا وتونس سوى الحفاظ على حيادهم السياسي مقابل ضمان حسن تنفيذ مسعاهم العظيم.

وبمجرد انتهاء الحروب في سوريا أصبح الشغل الشاغل في العالم، يدور في فلك السبل الكفيلة بالتعاطي مع ملف العائدين من بؤرة التوتر، كيف سيعاملون، كيف السبيل نحو منعهم من إتيان أي عمل إرهابي في دولهم الأم، وكيف السبيل نحو منع اختلاطهم بالمجتمع عموما؟

أتساءل فقط، عما قد يأتي به العام الجديد، وكلنا أمل ورجاء في أن الحرب السورية لن يكون لها تداعيات سلبية على دول الجوار في الشرق الأوسط من ناحية، كما يراودني الأمل في اعتبار الاتفاق رغم دوافع أطرافه الحقيقية، قد يعد مؤشرا إيجابيا نحو استقرار نهائي للأوضاع في منطقة شمال إفريقيا.

وفي انتظار ما يخفيه المستقبل، أتمنى لكم سنة جديدة وأملا متجددا.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد