الثلاثاء ، 21 نوفمبر 2017

جنون السياسة

سامي براهم

يتنادى عدد من السياسيين إلى تعديل الدّستور من أجل إسقاط الفصل الذي يمنع سحب الجنسيّة عن أيّ تونسي والفصل الذي لا يجيز منع عودة أيّ تونسي إلى بلده، تمهيدا لمنع عودة المشتبه في انتمائهم إلى جماعات الإرهاب،

• لا يمكن سحب الجنسية التونسية من أي مواطن تونسي. (الفصل 25 من الدستور).
• من حق كل تونسي أن يمكّن من العودة إلى أرض الوطن ولا يمكن أن يكون أي فعل أتاه مبررا لمنعه من العودة. (الفصل 25 من الدستور).

هذا ضرب من الجنون والعبث والارتجال والانفعال السياسويّ الذي لا يقوم على أيّ أساس من الحسّ المدني والتحليل العقلاني والرّؤية الاستشرافيّة.

نعم هي عودة محفوفة بالمخاطر ولا بدّ من إجراءات صارمة ودقيقة وناجعة لمواجهتها، ولكن عدم العودة المنظمة المراقبة المدروسة يعني عودة سريّة وتسلّل للتّراب الوطني يضع أمن البلد في خطر.

كما أنّ الرّاغين في العودة سواء من التّائبين أو من لديهم مخطّط لخلق بؤرة توتّر في تونس لن يعودوا من بوابات الحدود الرسميّة إلا المشمولين منهم بالتسليم الرّسمي في إطار اتفاقيات التسليم بين الدّول، هذه العودة السريّة هي التي يجب التفكير فيها وفي مخاطرها.

الدّول المدنيّة المسؤولة لا تهرب من مسؤولياتها والتزاماتها ولا تتبرّأ من مواطنيها مهما كانت بشاعة الجرائم التي ارتكبوها، وفي قوانين الدّول المدنيّة ومنظوماتها الأمنية والعقابية والرّقابيّة والردعيّة والتربويّة ما يردع ويمنع ويقي المجتمعات من مخاطر الإرهاب والجريمة المنظّمة.

بقاء ملفّ الإرهاب مادّة للتوظيف الحزبي والمناكفات والمزايدات والمغالبة السياسويّة سيكون له تبعات سلبيّة على مكافحة هذه الظّاهرة ومعالجتها والقضاء عليها من جذورها.

هل تنتفي صفة المواطن عمّن لا يؤمن بمنظومة المواطنة ؟

يقتضي الجواب تعريف منظومة المواطنة التي تعني عقدا مجتمعيا يتمّ بمقتضاه تنظيم العلاقة بين مكونات المجموعة الوطنيّة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز على أيّ اعتبار كان.

وقد خصّصت منظومة المواطنة حيّزا من الحقوق للخارجين عن هذا العقد ممّن ارتكبوا أفعالا تهدّد أمن الدّاخلين في هذا التّعاقد سواء كانت بدافع إجراميّ صرف أو بدافع أيديولوجي عقائدي، حيث وإن حرمتهم من عدد من الحقوق المدنيّة والسياسيّة كحريّة التنقل والانتداب في الوظائف العموميّة والحقّ في الانتخاب…
ولكنّها حفظت لهم عددا من الحقوق الأساسية كالحقّ في الجنسيّة والإقامة في التراب الوطني والحرمة الجسديّة والمحاكمة العادلة والعقوبة المجزئة.

في كلّ الحالات لا تنتفي صفة المواطنة بالكليّة عن الخارجين عن منظومة المواطنة مهما ارتكبوا من جرائم بشعة في حقّ أفراد المحتمع وإن سلبت منهم بعض استحقاقاتها.

من خصائص المواطنة أنّها تضمن لأفراد المجتمع الذين ينحرفون عن عقد المواطنة ويرتكبون جرائم في حقّ المنظومة الوطنيّة أن لا تعاملهم بمنطق الثّأر والانتقام القبلي ولا بمنطق الغاب ولكن بمنطق القانون المدني.

خارج دائرة التّصنيف !!!

لا أستغرب من طريقة تناول عدد من السياسيين لملفّ الإرهاب والعائدين فالسياسيّون محمولون في الغالب على البراجماتية والنفعية السياسيّة والدّعاية والتوظيف،

ولكن أستغرب من الحقوقيين المتخصّصين في المواثيق الدولية للحقوق والدّساتير والمنظومات القانونيّة…

قال لي أحدهم : الإرهابيّون خارج دائرة أيّ تصنيف قانوني محلّي ولا ينطبق عليهم أيّ نصّ من النصوص المنظمة للعلاقات الدولية.

قلت له : طيّب، على الأقلّ اعتبرهم أسرى حرب وصنّفهم ضمن الاتّفاقيّة الدولية المنظمة لطريقة التعامل مع هذه الفئة من البشر “اتّفاقيّة جينيف 1949” و”القانون الإنساني الدّولي”،

لكنّ محاوري اعتبر هؤلاء دون مستوى أسرى الحرب لأنّ الحرب تكون بين دول لا بين تنظيم إرهابي ودولة…

بهذا المنطق فهم ليسوا مواطنين مجرمين أو متمرّدين مشمولين بقوانين البلد، ولا أسرى حرب، يقتضي الأمر إذا تصنيفا خاصّا يحتاج خيالا قانونيا من نوع خاصّ.

شاهد أيضاً

إلى جماعة “الحجّاج”

أحمد الغيلوفي أولا: كم مرَ علينا من حجاج: من حمورابي الي ابي العباس السفاح الي ...

اترك رد