الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / العائــــدون

العائــــدون

محمد كريشان

«العائدون» هو اسم الكتاب الصادر أخيرا في باريس عن أولئك الذين غادروا فرنسا للالتحاق بــالجماعات الجهادية في سوريا. عدد هؤلاء يقدر منذ 2012 بأكثر من ألف، من بينهم 700 ما زالوا هناك و 200 قتلوا في حين قرر البعض منهم العودة. صاحب الكتاب الذي نشرته دار «سوي» هو الصحافي دافيد تومسون الذي سبق أن ألف قبل عامين كتابا عن الجهاديين الفرنسيين الذين لم يكن يعرف شيئا عنهم وعن عالمهم المعقد قبل أن يثير فضوله عدد من السلفيين الجهاديين في تونس بعد الثورة فقرر تتبع مسيرتهم.

الكاتب التقى بعدد من هؤلاء العائدين إلى فرنسا «بعضهم عاد مشمئزا من عنف النزاع في سوريا، آخرون خاب أملهم في تجربتهم لكنهم لم يتوبوا. البعض الآخر عاد مجروحا أو ملوثا نفسيا. أغلبيتهم في السجن حيث تطرح أعدادهم مشاكل لا تبدو قابلة للحل.
البعض منهم يعود لشن عمليات إرهابية جديدة. وكل هذا يشد انتباه أجهزة الأمن الفرنسية بسبب التهديد الدائم الذي يمثلونه على التراب الفرنسي».. كما جاء في تعريف الكتاب.

في تونس هذه الأيام، لا حديث إلا عن عودة هؤلاء وكذلك الأمر، وإن بدرجة أقل، في كل من المغرب وليبيا. وككل شيء، يخضع هذا الأمر لرؤى مختلفة يتعلق جزء منه بلا شك بخطورة الموضوع في حد ذاته، فيما الجزء الأكبر هو ذو علاقة بصراعات سياسية وحزبية وتجاذبات مختلفة داخلية من جهة، وذات صلة مما يجري في سوريا ومجمل التقديرات الخاصة بالوضع في المنطقة وطبيعة التحالفات والمحاور التي تشقها، من جهة أخرى.

الموضوع شائك وخطير لأنه يتعلق بالأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي لبلد بأكمله ولا يحتمل أي سوء تقدير أو مجازفة، وقد كشف إلى حد الآن عن مجموعة مواقف لا تخرج إجمالا عن موقفين: الأول يرفض قطعيا أي عودة لهؤلاء التونسيين الذين غادروا البلاد للالتحاق بجماعات مسلحة في سوريا أو العراق أو اليمن مع الدعوة حتى لسحب الجنسية منهم، علما أن القانون لا يسمح بشيء كهذا، على أساس أنهم خونة تنكروا لوطنهم وبايعوا غيره.

الثاني يرى أنه لا يمكن منع أي كان من العودة إلى وطنه وأن الفيصل هنا هو القانون، قانون الإرهاب تحديدا، بحيث يحاكم ويسجن كل من ثبت تورطه في الالتحاق بجماعة إرهابية مسلحة في الخارج.

وتشير بعض التقديرات إلى أن نحو 800 تونسي وتونسية، من بين إجمالي يقدر بأكثر من 33 آلاف، عادوا من بؤر التوتر منذ 2011 وحتى أواخر 2015، كلهم مروا عبر القضاء فمنهم من أدين وسجن ومنهم من أخلي سبيله وظل تحت المراقبة. المشكل أن لا الموقف الأول ولا الثاني يملكان تصورا واضحا لكيفية التعامل مع الخيار الذي يتبناه، فمنع الناس من العودة إلى وطنهم ليس مقبولا وقد لا يكون ممكنا أصلا. كما أن الزج بهؤلاء في السجون أو إطلاق سراح بعضهم ووضعهم تحت المراقبة لا ينفي حقيقة أنك أدخلت بيتك قنابل موقوتة لا تعلم متى ينفجر بعضها.

القضية ليست تونسية ولا مغربية ولا ليبية ولا خليجية ولا فرنسية ولا بريطانية بل عالمية ولا مفر من التفكير العقلاني الرصين الذي يتيح، وفق رؤية مدروسة ومحسوبة المخاطر، من تحييد هؤلاء المتطرفين الذين قد يترك بعضهم سكته السابقة، لكن بعضهم الآخر سيعود متأبطا شرا بالبلاد والعباد يحركه حقد دفين قديم وجديد. الفرق الوحيد والكبير بين بلداننا العربية وبين الدول الغربية في هذا الشأن، أن جماعتنا، سياسيين وصحافيين، يتحدثون، في غالبيتهم، بلغة العواطف والمكايدات السياسية بينما يتحدث الآخرون بلغة الدراسات والتحقيقات والمصلحة العليا.
كتاب «العائدون» مثلا جزء من هذه التحقيقات الرصينة فالكتاب كما يقول صاحبه هــو «ثمرة عمل سنتين من المقابلات (مع هؤلاء العائدين) بين 2014 و2016 في بيوتهم في فرنسا والسجن، وفي سوريا والعراق هاتفيا، ومع عشرين آخرين عادوا إلى البلاد خائبين لكنهم غير تائبين بالضرورة.. بعضهم طلقاء وكثيرون في السجن، رجالا ونساء».

ويضيف دافيد تومسون أن كتابه هذا «يروي قصتهم ويحاول تفكيك الميكانيزمات الاجتماعية والدينية والسياسية والعائلية والنفسية التي أسقطتهم (في هذا النهج)، كما يروي الكتاب خيباتهم والتهديد الذي ما زالوا يمثلونه على التراب الوطني وهو تهديد غير مسبوق بالنسبة إلى السلطات، التي وقد اكتسحها المد بالمعنى الحرفي للكلمة، لا تدري بعد كيف تتصرف».

إذا كانت هذه فرنسا… فما بالك بالآخرين؟!! كان الله في عونهم.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد