الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / ملف رجال الظل: حفتر.. “المشير” الذي لا يزال أسيرًا

ملف رجال الظل: حفتر.. “المشير” الذي لا يزال أسيرًا

خليل كلاعي

تعني شخصية اللواء المتقاعد خليفة حفتر لفئة من الليبيين شخصية الرجل العسكري القوي والصارم القادر على السيطرة على الأوضاع وإعادة ترتيبها في واقع ميزه الانفلات وانتشرت فيه كثير من معالم الفوضى وتُحدِث ملامح الرجل ورسائله كلما ظهر وَقْعًا محببًا لدى هؤلاء خاصة أولئك الذين لا تزال تربطهم بنظام العقيد الراحل معمر القذافي أواصر عاطفة أو بقية من مصالح وعلاقات.

وبحكم تعود الكثير من الليبيين على هيئة معمر القذافي العسكري المتسربل في لبوس الوطنية والقوة فإنهم يجدون عند اللواء المتقاعد نفس ما يعتبرونه مميزات الرجل الحازم والوطني، وليس أدل على هذا الإعجاب من الأغاني المنتشرة على شبكة يوتيوب التي تحتفي بالرجل وتمجده على نفس طريقة القذافي سابقًا بالإضافة إلى صوره التي تطغى على مظاهرات مؤيديه واللافتات الضخمة المعلقة في شوارع بنغازي والتي يظهر فيها اللواء المتقاعد مرتديًا نظارته الشمسية في صورة تعكس من الهيبة والقوة الشيء الكثير رغم أن سجل اللواء المتقاعد حافل بمحطات تتحدث تفاصيلها ونتائجها بعكس ما أريد التسويق له من هيبة العسكري القوي الذي يهوى حفتر الظهور بمظهره.

“يقف خليفة حفتر الآن موقف المعرقل الأول للاتفاق السياسي، الواشنطن بوست الأمريكية تقول بأنه أصبح مصدر صداع مزمن لأمريكا بعد أن كان عميلاً سابقًا لوكالة الاستخبارات المركزية”

طفا اسم خليفة بلقاسم حفتر على سطح الأحداث في ليبيا من جديد في الـ14 من فبراير 2014 حين أعلن في بيان مصور سيطرة قوات تابعة له على مقرات حكومية وعسكرية وحيوية في العاصمة طرابلس وتجميد عمل المؤتمر الوطني العام (أعلى سلطة تشريعية في البلاد) والعمل بخارطة طريق جديدة في ليبيا على أنقاض المسار السياسي الذي انطلق مع المجلس الانتقالي الليبي منذ الأشهر الأولى لثورة فبراير وواصله من بعده المؤتمر الوطني العام الذي تسلم زمام السلطة في البلاد بعد انتخابات 2012.

جاء إعلان حفتر بحجة إعادة الاستقرار لليبيا مهددًا بنسف كل ذلك المسار، لكن إعلان حفتر أو بالأحرى انقلابه لم يتجاوز مربع الشاشات التي ظهر عليها، إذ خرج رئيس الحكومة المؤقتة آنذاك علي زيدان لينفي سيطرة أي جهة كانت على المؤسسات السيادية والعسكرية ليتبين في غضون ساعات فشل هذا البيان الانقلابي الذي لم يرتق حتى إلى مستوى المحاولة، إلا أن هذا الفشل البين في الانقلاب على سلطة المؤتمر الوطني العام لم يكن إلا امتداد لفشل آخر ظلت ذكراه وتفاصيله تلازم اللواء المتقاعد منذ ما يناهز الثلاثين عامًا.

حرب تشاد وموقعة واد الدوم

يروي الكاتب الإنجليزي فلوران سيني في كتابه “غارات في الصحراء الكبرى” فصولاً مهمة ومفصلة عن حرب تشاد ويتعرض في مؤلفه إلى شخصية العقيد الشاب خليفة حفتر الذي كان يقود العمليات داخل تشاد، وإلى القاعدة الليبية شمال تشاد التي نفى القذافي مرارًا وتكرارًا وجودها بعد انسحاب القوات الليبية من العاصمة انجامينا نحو الشمال أين تقع الحدود الليبية التشادية أسفل إقليم أوزو المتنازع عليه.

يقول فلوران سيني إن حفتر قد خص نفسه ببستان خضروات وببقرة تدر عليه الحليب وظروف إقامته في هذه القاعدة لم تكن تختلف في شيء عن ظروف الإقامة داخل القواعد الأمريكية، في المقابل تؤكد روايات متطابقة صعوبة ظروف الجنود الليبيين هناك وتواضع المؤونة التي كانت تقدم إليهم، كما تؤكد نفس هذه الروايات درجة التسليح والتحصين العالية التي وضعت تحت تصرف حفتر على مستوى هذه القاعدة وخاصة الأنواع الكثيرة والمختلفة من الطائرات والمقاتلات، وهي إمكانيات لم تحل دون إلحاق هزيمة نكراء بالقوات الليبية الموجودة داخل القاعدة.

وفي هذا السياق ينقل الكاتب الإنجليزي ما جاء على لسان ديبلوماسي أمريكي من أن الليبين إما نائمون أو مرتاحون أو لا نية لهم في القتال، وربما يفسر هذا القول سبب هزيمة القوات الليبية بقيادة حفتر رغم ما توفر لها من تحصين وعدة وعتاد، ووفقًا للكاتب الإنجليزي فإن حفتر لم يصدر أي تعليمات بالاستطلاع خارج القاعدة ولم يرقب جنباتها بشكل جيد مما جعلها فريسة سهلة لقوات حسن جاموس قائد القوات التشادية الذي جر قوات حفتر إلى هزيمة نكراء في مناسبة أولى عندما أطبق على قواته المخيمة في سهل نجوجامي والتي لم يكن لديها أي توقع بحدوث هجوم مباغت.

ثم في مناسبة ثانية عندما قصف الكتيبة المدرعة التي أرسلها حفتر لإنقاذ قواته في ذلك السهل بعد أن زوده الفرنسيون بمعطيات دقيقة عن مسارها، وأيضا في مناسبة ثالثة حين قاد هجومًا كاسحًا على قاعدة واد الدوم في الـ22 من مارس سنة 1987 أسر على إثرها العقيد خليفة حفتر مع عدد من ضباطه وجنوده وذلك بعد سيطرة قوات حسن جاموس على القاعدة بكامل عتادها تقريبًا وبعد مقتل زهاء 1200 جندي ليبي وتيه العشرات منهم في الصحراء.

اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية والعلاقة مع القذافي

حين سئل معمر القذافي عن الهزيمة التي منيت بها قواته في تشاد، نفى أن تكون هذه القوات ليبية كما نفى معرفته بخليفة حفتر رغم أن هذا الأخير كان من الضباط المشاركين في انقلاب معمر القذافي على الملك السنوسي سنة 1969 ورغم كونه كذلك عضوًا في مجلس قيادة الثورة الذي انبثق عن هذا الانقلاب.

دفع هذا الموقف حفتر والضباط والجنود الأسرى في سجون تشاد إلى الانشقاق عنه والالتحاق بالجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا المعارضة لنظام القذافي ومن ثم تأسيس وقيادة الجيش الوطني الليبي الذي مثل الجناح العسكري لهذه الجبهة فيما بدا موقفًا انفعاليًا من قبل حفتر ورفاقه بسبب تنكر القذافي لهم أكثر من كونه موقفًا مبدئيًا عكس ما كان عليه من سبقوه من الليبيين إلى الالتحاق بالجبهة، ومن المعلوم أن هذا الانشقاق تم بإشراف وتخطيط الولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها موطئ قدم في الأزمة التشادية والتي لجأ إليها حفتر ورفاقه سنة 1988 واستقر بها إلى حدود اندلاع الثورة الليبية والتي كانت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا تتخذ منها مقرًا لها.

تعني شخصية اللواء المتقاعد خليفة حفتر لفئة من الليبيين شخصية الرجل العسكري القوي والصارم القادر على السيطرة على الأوضاع وإعادة ترتيبها في واقع ميزه الانفلات وانتشرت فيه كثير من معالم الفوضى

حاولت الجبهة الوطنية للإنقاذ الانقلاب على معمر القذافي سنة 1993 إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل وحكمَ على خليفة حفتر غيابيًا بالإعدام فضلاً على أن صوت هذه الجبهة كان خافتًا ومحدودًا ويرجع ذلك للخلافات التي ما انفكت تتمدد بين قادة الجبهة ومنتسبيها على مر السنوات التي أعقبت تأسيسها، من ذلك انتماء بعضهم لقبائل مرتبطة ارتباطًا قويًا بنظام القذافي كقبيلة الفرجاني التي انتمى إليها حفتر والتي كان حضورها في مختلف مواقع النظام قويًا وحتى القطيعة المستحكمة بين حفتر والقذافي بدا أنها لم تكن مطلقة.

على الأقل هذا ما فهم من تسجيل صوتي يعود لسنة 2005 تداولته صفحات التواصل الاجتماعي بعد الثورة يتحدث فيه القذافي إلى أحد أبناء حفتر بعد أن قام بإهداء عائلة حفتر منزلاً في القاهرة عن طريق الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك ونتبين في هذا التسجيل سؤال معمر القذافي لابن حفتر عن أحوال والده وحديثه عن الخلافات التي نشبت بينهما في أثناء حرب تشاد، ويضيف بأنه مشتاق له ويتمنى عودة علاقاتهما إلى سالف عهدها، ويجيب حفتر عند سؤاله عن هذا التسجيل أن القذافي حاول الإيقاع به عن طريق هذه الهدية رغم موافقته على أن تتسلمها عائلته وتقيم بها.

عملية الكرامة  

لم يتوقف حفتر عند المحاولة الانقلابية الأولى إذ أطلق في الـ16 مايو/ أيار من نفس السنة عملية عسكرية واسعة أطلق عليها اسم (الكرامة) بهدف مكافحة تمدد “الجماعات الإرهابية” وإيقاف نزيف الاغتيالات التي طالت رموزًا سياسية ومدنية وقيادات أمنية وعسكرية واستعان حفتر في عمليته هذه بمجموعات مسلحة معارضة للمؤتمر الوطني العام ولتيار الإسلام السياسي عمومًا وارتكز على دعم القبائل ذات النفوذ في المنطقة الشرقية.

أما بعد الانتخابات التشريعية التي أقرت المحكمة العليا ببطلانها لما شابها من إخلالات فقد أخذت عملية الكرامة شكلها الانقلابي والدموي وذلك بعد تحرك مجموعات أخرى داخل العاصمة طرابلس بهدف فرض سلطة البرلمان الليبي المنعقد في طبرق كسلطة أمر واقع، ودخلت البلاد إثر ذلك مرحلة غير مسبوقة من الانقسام والتشظي انشطرت على إثرها السلطة التنفيذية والتشريعية نصفين.

“ليس حفتر وليد منظومة أو تجربة أو فكر ديمقراطي بل على العكس تمامًا هو ابن لنظام عسكري شمولي وديكتاتوري استباح ليبيا وعبث بثرواتها وأبنائها وأعدم كل محاولات الإصلاح والبناء الديمقراطي”

ففي غرب البلاد واصل المؤتمر الوطني العام انعقاده وانبثقت عنه حكومة الإنقاذ الوطني وفي شرقها ظهر البرلمان الليبي المنعقد في مدينة طبرق والحكومة المؤقتة المنبثقة عنه وكسب حفتر منذ انطلاق عملية الكرامة أصدقاءً ومساندين كثر كجهاز حرس المنشآت النفطية الذي كان يسيطر على أهم منابع النفط في البلاد، بالإضافة إلى الكتائب الموجودة في مدينة الزنتان والتي خاضت قتالاً شرسًا لحسابه قبل انسحابها من العاصمة طرابلس، بالإضافة إلى قبائل التبو التي كانت تحظى بإسناده، وبالإضافة كذلك إلى قبائل كثيرة ذات نفوذ في المنطقة الشرقية على رأسها قبيلة العواقير.

وقد استفاد حفتر في هذا السياق من الشرعية الدولية التي كان يحظى بها البرلمان المنعقد في طبرق ليعود من الباب الكبير إلى المؤسسة العسكرية بوصفه من محاربي الإرهاب الأشداء، فبعد قرار لمجلس النواب بإعادته و15 ضابطًا إلى الخدمة العسكرية، قام رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في مارس/ آذار 2015 بترقية خليفة حفتر إلى رتبة فريق ثم بتعيينه قائدًا عامًا للجيش في حين يتولى عقيلة صالح منصب القائد الأعلى للجيش وهي تراتبية مقلوبة بشكل كلي في ظل استئثار حفتر بالقرار العسكري والسياسي والتنفيذي وكذلك التشريعي وهو ما سيظهر بوضوح خاصة مع دخول الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات برعاية أممية حيز التنفيذ.

حظى حفتر غداة تعيينه قائدًا عامًا للجيش بدعم عسكري سخي كان يأتيه أساسًا من دولة الإمارات التي زارها أكثر من مرة وكان هذا الدعم يأتي إما مباشرة من الإمارات عن طريق سفن الشحن أو عن طريق مصر بإشراف القوات المسلحة المصرية، كما استفاد حفتر من دعم جوي إمارتي ومصري وفرنسي تركز أساسًا في قاعدة بنينا الجوي، وقد سبق لمواقع مثل الهافينغتون بوست عربي والميدل إيست أي أن نشرت تقاريرًا حصرية عدة عن هذه القاعدة والعمليات التي تدور داخلها، كما نشرت هذه المواقع تسجيلات صوتية لطيارين أجانب ينفذون غارات على مواقع مجلس شورى مجاهدي بنغازي الذي لا يزال مقاتلوه يفرضون سيطرتهم على أحياء في بنغازي ويرفضون عملية الكرامة ويعتبرونها انقلابًا على ثورة فبراير.

كما نشرت صحيفة لوموند الفرنسية في فبراير الماضي تقريرًا عن عمليات سرية للمخابرات الفرنسية في بنغازي ونشرت قبلها وكالة الأناضول تقريرًا عن نفس هذه المعطيات إلا أن التأكيد الرسمي لهذا الدور الفرنسي إلى جانب حفتر لم يأت إلا بعد أشهر قليلة وذلك بعد تحطم مروحية تابعة لحفتر كانت تقل جنودًا فرنسيين اعترف الرئيس الفرنسي بمقتلهم وبأنهم كانوا في مهام استخباراتية.

وإلى جانب كل هذه الدول يقف الأردن إلى جانب اللواء المتقاعد ويقدم لقواته دعمًا عسكريًا استشاريًا من خلال خبراء أردنيين في قاعدة بنينا وفقًا لنفس الموقع، كما تحتضن العاصمة عمان لقاءاته خاصة مع المسؤولين الأمريكيين وحتى مع مسؤولين إسرائيليين مثلما ذكرت صحيفة القدس العربي بتاريخ الـ25 من فبراير/ شباط نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة.

“حظى حفتر غداة تعيينه قائدًا عامًا للجيش بدعم عسكري سخي كان يأتيه أساسًا من دولة الإمارات التي زارها أكثر من مرة وكان هذا الدعم يأتي إما مباشرة من الإمارات عن طريق سفن الشحن أو عن طريق مصر بإشراف القوات المسلحة المصرية”

مر حفتر إذًا من رتبة عقيد منشق قبل ثورة التحرير إلى لواء متقاعد إبانها ليتحول بعد عملية الكرامة إلى فريق وقائد عام للجيش، إلا أن عملية الكرامة التي أعلنها قبل سنة من هذا التعيين لم تكن قد حققت أهدافها في وقف الاغتيالات والخطف والاختفاء القسري ربما لسبب بسيط ومنطقي وهو أن حفتر نفسه كان متورطًا في هذه الانتهاكات والجرائم وعدا كون هذا الاستنتاج منطقيًا بحكم عدم تناسب وتيرة الاغتيالات والاختطاف في الفترة بين 2013 و2015 مع قدرات كل من تنظيم الدولة أو مجلس شورى مجاهدي بنغازي اللذين يتهمها حفتر بذلك مع ما لهما من نفوذ في المنطقة، فإنه سبق لمثل هذا الاتهام أن ورد في تصريحات لمسؤولين على علاقة وثيقة بحفتر.

اعتمد حفتر عند انطلاقة عملية الكرامة على مجموعة بعينها من قادة الكتائب والمحاور والأجهزة الذين مثلوا العمود الفقري لعملية الكرامة على رأس هؤلاء عبد السلام الحاسي آمر غرفة عمليات الكرامة وفرج البرعصي آمر منطقة الجبل الأخضر (قبيلته البراعصة كانت ترى أنه أكثر جدارة بقيادة الجيش من حفتر) والمهدي البرغثي آمر كتيبة 204 دبابات وصلاح بولغيب آمر الاستخبارات العسكرية وونيس بوخمادة آمر معسكر الصاعقة وفضل الحاسي آمر محور الليثي ببنغازي وآمر جهاز تحريات قوات الصاعقة ومحمد المنفور آمر قاعدة بنينا الجوية وصقر الجروشي قائد سلاح الجو في عملية الكرامة.

بالإضافة إلى كل من عون الفرجاني مسؤول التسليح في قوات حفتر وعياد الفسي من مؤسسي كتيبة أولياء الدم وأشرف الميار آمر كتيبة التوحيد السلفية (وهذه بدورها مفارقة حين تؤيد جماعات مسلحة سلفية ومشائح يتبعون التيار المدخلي خليفة حفتر) وفرج قعيم رئيس جهاز مكافحة الإرهاب وجمال الزهاوي آمر محور قاريونس وصلاح هويدي رئيس قسم البحث الجنائي ومحمد حجازي الناطق باسم عملية الكرامة وهذا الأخير كان أول المنشقين البارزين عن عملية الكرامة وظهر في تسجيل شهير لإعلان انشقاقه عن حفتر بعد اكتشاف مسؤوليته عن كثير من عمليات الاغتيال والخطف التي كانت تحدث في المنطقة الشرقية، واللافت أن تصريح حجازي لم يكن الوحيد، إذ صرح من يفترض بكونه المسؤول الأول عن مكافحة الإرهاب في المنطقة الشرقية فرج قعيم بدوره في اجتماع بأعيان ومشائخ قبيلة العواقير بإلقائه القبض على عدة أشخاص يحوزون على مسدسات مجهزة بكواتم صوت ومكلفون بعمليات اغتيال ويتبعون حفتر مباشرة فضلاً عن اكتشافه لأكثر من سجن سري يتخذ بعضها مقرًا لممارسة التعذيب باستخدام عمال أجانب.

نفس هذه الاتهامات كررها رئيس جهاز حرس المنشآت النفطية إبراهيم الجضران حين قال بصريح العبارة إن حفتر وتنظيم الدولة وجهان لعملة واحدة، والطريف أن إبراهيم الجضران نفسه الذي أيد عملية الكرامة عند انطلاقتها حاول حفتر اغتياله هو الآخر، وكما يبدو فإن السجون السرية لم تقتصر على معارضي حفتر بل طالت كذلك مؤيديه الذين اختلفوا معه في تقدير الأمور من ذلك حالة الناشط عثمان بو الخطابية وهو أحد أعيان قبيلة العبيدات المؤيدة لحفتر والذي اختطف بعد أن أبان عن معارضته للواء المتقاعد في أكثر من مناسبة ورفضت القيادة العامة للجيش في المنطقة الشرقية إعطاء أي معلومات عن مصير عثمان إلى أن تمكنت عائلته بوسائلها الخاصة معرفة مكان اعتقاله فجهزت قوة مسلحة وداهمته وتمكنت من تحريره ليظهر فيما بعد في تصريح مصور مؤكدًا وجود سجون سرية تابعة للقيادة العامة للجيش في منطقة المرج وأنه كان في إحداها.

حفتر في الإمارات

عمليات الاختطاف والاغتيال التي تورط فيها حفتر بشهادة قيادات عملية الكرامة ومقربين منه ليست هي التناقض الوحيد بين الخطاب والشعارات من جهة والممارسات والأفعال من جهة أخرى، فأحداث السنتين الأخيرتين في ليبيا حافلة بشواهد على تواطؤ مفضوح في التغاضي عن تقدم تنظيم الدولة في مناطق بعينها، وتعتبر مدينة درنة الواقعة على الساحل الشرقي الليبي المثال الأبرز على ذلك إذ تعتبر المدينة الوحيدة تقريبًا التي استعصى على قوات حفتر دخولها وظلت المدينة رافضة لعملية الكرامة، كما نجحت في طرد مقاتلي تنظيم الدولة الذين كانوا ينوون السيطرة عليها، وهو ما فتح عليها جبهتين في الآن ذاته جبهة تنظيم الدولة المتحصنين بمرتفعات حي الفتائح وجبهة قوات عملية الكرامة التي لم تضجر من محاولات دخول المدينة.

واللافت كذلك أن قوات حفتر لم تشتبك مطلقًا طول الأشهر التي كان فيها تنظيم الدولة في تلك البقاع مع مقاتليه بل استفادت من وجودهم هناك بهدف تركيع مقاتلي المدينة وإضعافهم وحتى حين قرر التنظيم الانسحاب نهائيًا من درنة فإن آلياته ومدرعاته ومقاتليه مروا آمنين مطمئنين من درنة شرقًا إلى سرت وسط ليبيا دون أن ترصدهم الطائرات ولا الحواجز ولا دوريات الاستطلاع التابعة لحفتر والمنتشرة في كثير من أرجاء المنطقة الشرقية وهو ما يطرح استفهامات كثيرة  مصداقية الحرب التي من أجلها جاء حفتر.

وفي وضع مماثل هدد حفتر ووزير داخلية الحكومة المؤقتة عبد الرزاق الناظوري أكثر من مرة بالقضاء على تنظيم الدولة في سرت وكانت صفحات فيس بوك المقربة من الاثنين دائمة الحديث عن معركة سرت الكبرى إلا أن كل تلك التهديدات لم تتحول مطلقًا إلى خطط أو أفعال إلى أن قامت قوات البنيان المرصوص بإعلان الحرب على تنظيم الدولة هناك وهو ما أسقط عن حفتر وعن عملية الكرامة الشرعية الرمزية التي قامت عليها.

حفتر والمادة الثامنة من الاتفاق السياسي

في الـ17 من ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي وقع الفرقاء الليبيون اتفاقًا سياسيًا برعاية الأمم المتحدة يحدد الإطار العام للخروج من حالة الانقسام والتشظي نحو توحيد مؤسسات الدولة وسلطاتها وذلك من خلال جدول من الاستحقاقات والمراحل التي تفضي إلى انتخابات تشريعية في غضون سنتين.

“طفا اسم خليفة بلقاسم حفتر على سطح الأحداث في ليبيا من جديد في الـ14 من فبراير 2014 حين أعلن في بيان مصور سيطرة قوات تابعة له على مقرات حكومية وعسكرية وحيوية في العاصمة طرابلس وتجميد عمل المؤتمر الوطني العام”

هذا الاتفاق يقضي في مادته الثامنة بشغور كل المناصب العسكرية العليا حال تسلم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق زمام السلطة في البلاد، وهو ما يعني آليا خروج حفتر من المشهد، وهو ما تأكد له بعد تعيين المهدي البرغثي (الذي هو أحد قيادات عملية الكرامة) في منصب وزير للدفاع بدلاً عنه، ولم ينجح المدافعون عن حفتر داخل المجلس الرئاسي وخاصة علي القطراني وعمر الأسود في فرض تعيينه كوزير للدفاع خاصة وأنه تحول إلى شخصية إشكالية ومثيرة للجدل تتعارض ومبدأ الوفاق وهو ما انجر عنه انسحابهما لأشهر من اجتماعات المجلس الرئاسي (قبل عودتهما فيما بعد) وتلكؤ مجلس النواب الليبي ومماطلته في اعتماد حكومة الوفاق ورفضه تضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري بكل ما يعنيه ذلك من رفض مستحكم للاتفاق السياسي دون ضمان لموقع خليفة حفتر في الرقعة السياسية الجديدة لما بعد هذا الاتفاق.

حفتر والديمقراطية.. خطان لا يلتقيان

ليس حفتر وليد منظومة أو تجربة أو فكر ديمقراطي بل على العكس تمامًا هو ابن لنظام عسكري شمولي وديكتاتوري استباح ليبيا وعبث بثرواتها وأبنائها وأعدم كل محاولات الإصلاح والبناء الديمقراطي، كما فوت عليها بعد الثورة فرصة البناء ولملمة الجراح كما لا يبدو الآن على مستوى الشعارات أو الخطاب أو الممارسة معنيًا بالمسألة الديمقراطية ولا ببناء دولة مدنية على أساس من الحريات والكرامة بقدر اجتراره لعبارات الحرب على الإرهاب ولوصم معارضيه بالخيانة.

“لم يتوقف حفتر عند المحاولة الانقلابية الأولى إذ أطلق في الـ16 مايو/ أيار من نفس السنة عملية عسكرية واسعة أطلق عليها اسم (الكرامة) بهدف مكافحة تمدد “الجماعات الإرهابية”

فحفتر لم يتعلم هذه الأمور ولم يترب عليها بل ربما لم يفكر فيها أصلاً، كما كان من الواضح أن انضمامه للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي كان عرضيًا ومحكومًا بسياقات معينة وميزه الخلاف الشخصي مع القذافي وليس سماح حفتر للطيب الصافي فتى القذافي المدلل بالعودة من مصر وتحالفه مع محمد بن نايل أحد مهندسي مجزرة سجن أو سليم وتنسيقه مع عمر تنتوش الذي لا يقل إجرامًا ودموية عن الاثنين إلا تأكيدًا على أن حفتر كان وظل ولا يزال ابنًا أصيلاً لذلك النظام.

المشير حفتر لا يزال أسيرًا

يقف خليفة حفتر الآن موقف المعرقل الأول للاتفاق السياسي، الواشنطن بوست الأمريكية تقول بأنه أصبح مصدر صداع مزمن لأمريكا بعد أن كان عميلاً سابقًا لوكالة الاستخبارات المركزية، إلا أن حفتر بما أصبحت تتميز به شخصيته من إشكالية ومن جدلية غدا يمثل لليبيين وللثورة أكثر من مجرد صداع.

فهو يزج بأبناء القبائل الشرقية من صغار السن في معارك طاحنة لا طائل من ورائها إلا مزيد من تثبيت أقدامه في أرض ليبية اختلطت فيها الأوحال بالدماء وبالنفط، وغير بعيد عن مكتبه المريح في البيضاء تتراكم جثث الليبيين من الأئمة والنشطاء والمعارضين في مكبات القمامة في بنغازي مرة بعد المرة، وتستبيح ميليشيات العدالة والمساواة القادمة من التشاد الليبيين في كل من بنغازي والهلال النفطي والكفرة وتصفي خاصة حسابات تشاد القديمة مع قبائل الطوارق، لكن حفتر لا يعبأ بكل ذلك فالرجل يبدو شديد الانشغال إما بتعميق علاقاته مع الروس وبطلب مشورتهم في كيفية السيطرة على الهلال النفطي دون خسائر (وهو ما حصل بالفعل) أو بترقية نفسه من جديد من فريق إلى مشير أو بمباركة الانقلاب الفاشل في تركيا في ساعاته الأولى ديدنه في ذلك مشير آخر على حدود ليبيا الشرقية.

العقيد خليفة حفتر قائد القوات الليبية في حرب تشاد الذي حررَ بتدخل أمريكي توقفت ساعته عن الدوران في وقت معلوم عندما تركه القذافي وحيدًا يواجه عطش التشاديين للثأر ولم ينفخ الروح في ساعته من جديد إلا اندلاع الثورة ومع ذلك يصر اللواء المتقاعد إصرارًا غريبًا على تعويض سنوات عمره الفائتة بعد أن جاوز سنه السبعين ولو على حساب الثورة نفسها ولو أعطى ذلك انطباعًا صارخا أنه لا يزال أسير هزيمته في حرب تشاد ورهين زنزانته في سجونها.

نون بوست

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد