الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / دفاعا عن الجمهورية الثانية

دفاعا عن الجمهورية الثانية

عادل بن عبد الله

عرف الفكر العربي منذ الحدث الاستعماري عدة إشكالات كبرى شغلت رموزه بمختلف خلفياتهم الأيديولوجية وانتماءاتهم الدينية. وإذا كان الحدث الاستعماري قد مثّل قطيعة بنيوية أولى فصلت بين زمنين ثقافيين وعالمين مختلفين داخل المجال العربي-الإسلامي -أي فصلت بين عالم المجتمعات التقليدية وعالم المجتمعات المرتبطة بالحداثة مهما كانت صورة ذلك الارتباط-، فإنّنا نستطيع أن نفترض أنّ الثورة التونسية -وما تلاها من أحداث إقليمية ودولية- قد مثلت قطيعة بنيوية ثانية لا تقل أهمية عن القطيعة الأولى. ولعلّ ما يربط بين القطيعتين هو مركزية السؤال السياسي فيهما بالإضافة إلى اشتغال النخب على الإجابة عن هذا السؤال من مواقع تبلغ أحيانا حد التناقض والإلغاء المتبادل.

لو أردنا تجاوز الأطروحات المتصارعة والمحكومة بنزعات صدامية وإقصائية، فإننا نستطيع أن نصوغ الإشكال المركزي للمشتغل بالشأن العام بالطريقة التالية: كيف يمكن بناء “دولة مدنية” وإدارة الاختلاف بين الفاعلين الجماعيين فيها -خاصّة أولئك الذين لا يربط بينهم إلا “المجاورة المكانية” مع غياب أي تقارب في مستوى المرجعيات الفكرية والقيمية وفي مستوى المنظومات السلوكية- دون أن نلغي الاختلاف الواقعي أو نجعله مجرد اختلاف صوري لا معنى له ولا أثر في بناء الجمهورية الثانية؟ ويمكنا صياغة السؤال بصورة أكثر التصاقا بالخصوصية التونسية: كيف يمكن أن نبني “ثقافة المواطنة الاجتماعية” في ظل ما نشهده من استمرار الاحتكام المعياري إلى الأساطير التأسيسية “للنمط المجتمعي التونسي”، تلك الأساطير التي لم تُنتج رغم كل عنترياتها إلا ثقافة المريد أو الشّريد في الداخل، وثقافة التبعية المطلقة للخارج في ظل غياب مقوّمات السيادة الوطنية الحقيقية؟

يمكن لمن يراقب الشأن التونسي أن يلاحظ  تصارع جملة من الأحزاب والجمعيات والنقابات بمفردات عنيفة تبلغ أحيانا عتبة الاحتراب الأهلي. وإذا ما أعرضنا عن السطح الذي قد يظهر اختلافات جذرية وبحثنا في البنية العميقة لهذه التشكيلات الخطابية فإننا سنلاحظ أنها في أغلبها الأعم مجرد أنساق “ايمانية” مغلقة، كما سنلاحظ أن أغلب “التنظيمات” هي أشبه ما يكون بالزوايا وما يحكمها من منطق الشيخ والمريد. إننا في محضر تشكيلات دوغمائية لم تقطع الحبل السري مع الاستعارة الرّعوية وذلك بصرف النظر عن طبيعتها الدينية أو المُعلمنة، وبصرف النظر كذلك عن ادعاءاتها الذاتية. وهي أنساق “لاوظيفية” في أغلبها -أي تشتغل ضد مشروع المواطنة- وتستمدّ سلطتها من “نظامين مرجعيين” فكرا ومخيالا: أولهما هو نظام مرجعي علماني ينحدر إلينا من “عصر الأنوار”، وتحديدا من اليعقوبية الفرنسية التي وقعت بيئتها بصورة “هجينة” و”فوقية” في السياق التونسي منذ بناء “الدولة الوطنية” التي أعقبت الاستقلال الصوري عن المستعمر الفرنسي. أما النظام المرجعي الثاني فهو “النظام المعرفي البياني” على حد عبارة المرحوم عابد الجابري، وهو نظام تشكّل داخل المجال المذهبي السنّي المسكون بأحادية الحق والفرقة الناجية وانحدارية الزمن وتلك التراتبيات الاجتماعية والثنائيات المانوية المعلومة.

لا شك في أنّ ما أعاد هيمنة الأساطير المؤسسة “للنمط المجتمعي التونسي” -بعد الثورة التي قامت على النظام بلحظتيه الدستورية والتجمعية- هو تلك “الخطابات المأزومة” التي كانت في بنيتها العميقة مجرد صياغة “مُعلمنة” ظاهريا لسفر الرؤيا الإنجيلي أو لكتب الملاحم والفتن التي تُمثّل مجتمعة جزءا بنيويا من المخيال “الديني” في مقالاته القياميّة “الكارثية”. وفي المنظور القيامي “المعلمن” للحداثي “الجيد” فإنّ “المسيح الدجال “l’Anti-christ أو “الشر المطلق” لن يكون إلا “حركة النهضة” خاصّةً وكل حركات الإسلام السياسي بصفة عامة. أمّا “المخلّص” الحقيقي فهو كل من يتموضع بالتقابل معها ولو كان من ورثة النظام السابق. فالمهم  هو ليس الموقع في السلطة التي استبدت بتونس منذ عقود، بل المهم هو الموقف من السلطة البديلة وقاطرتها النهضوية.

لا شكّ أنّ الكثيرين ممّن يدّعون العقلانية، ويدعون إلى فصل الدين عن السياسة -من باب التقليد “الثقافي” وليس من باب فهم طبيعة الديني أو السياسي في سياقنا المحلّي- لا يستطيعون تخيّل مقدار “التديّن الكامن” الذي يسكن خطاباتهم الدوغمائية مهما تعلمنت، لأنهم لو فعلوا لرأوا “جهارا” كيف يكون “نقاب” العقل أكثر أشكال “مكر التاريخ” اختراقا للأنساق “الحداثوية”، تلك الأنساق الدوغمائية التي تظنّ أنها قد تخلّصت من هيمنة المخيال الديني بمجرّد استعارتها  لأغراض “سجاليّة” المفاهيم الفلسفية المؤسّسة للاجتماع الغربي الحديث وسردياته الكبرى.

في الضفة الأخرى، ينطلق “الإسلاميون” من “فلسفة للتاريخ” لا تعترف بالواقع ما قبل الاستعماري من جهة أولى-لأنها تُؤمثل ذلك الواقع وتعيد بناءه بصورة لاتاريخية-، كما تتجاوز -من جهة ثانية- آثار الواقع “ما بعد الاستعماري” وما أنشأه من كيانات قُطرية تحكم الواقع الخارجي ولكنها لم تنجح إلا قليلا في أن تحكم الواقع النفسي للإسلاميين وللقوميين معهم. إنها فلسفة سياسية يتداخل فيها التاريخي بالمخيالي بالمقدّس إلى درجة يصعب الفصل فيها بين هذه الأبعاد إلا “إجرائيا”. ويرى الإسلاميون أنّ “الرمزية التراثية” للخلافة قد تكون عامل “توحيد” وتكتّل لبناء كيانات “فوق-قطرية” أو أنصبة امبراطورية تُواجه التكتّلات الاقتصادية المهيمنة في الغرب وجنوب شرقي آسيا، ولا يجد الكثير من علمانيينا أنفسَهم في هذه المقاربة الثقافية والجيو-استراتيجية في آن واحد، وذلك لأنهم يرتبطون “قانونيا” وثقافيا ومرجعيا ووجدانيا بالدولة “القطرية” l’Etat Nation باعتبارها أفقا نهائيا وثابتا للفعل  السياسي والثقافي، وهو ارتباط يمكننا أن نلمسه في الحملات الداعية إلى “تَونسة” حركة النهضة الإسلامية، تلك الحملات التي لم يغب عنها -وهذا أمر يحتاج إلى تدبر- دعاة القومية والأممية، أي أولئك الذين يُفترض فيهم التفكير خارج/ضد ميراث سايكس-بيكو.

لقد أورث “عقل التنوير” الفرنسي الكثيرَ من نخبنا “كُرها” مرضيا “للشيخ” ولخطابه “المسجدي” لأنهم “يتمثّلونه” باعتباره المرادف المحلّي لرجل الدين المسيحي المتواطئ مع المَلكية ضدّ تحرير الكائن من سلطة الخرافة وهيمنة الإقطاع. كما أنّ سلطة “العقل السني” قد أورثت الكثير من نخبتنا الإسلامية النظرة إلى “المثقف الحداثي” باعتباره وريث الاستعمار أو بقيّته التي لا وظيفة لها غير خلخلة البنية التقليدية للمجتمع، ومحاربة “الهوية الجمعية”، وضرب التجانس الثقافي والقيمي والسلوكي الذي يفترضون وجوده “ضرورةً” في فضاء “الجماعة المؤمنة”، وهو “تمثّل” مخيالي للتجانس لأنه لم يوجد أبدا في “المجتمعات الإسلامية التاريخية” ولا يمكن أن يوجد في أي مجتمع واقعي لا متخيل.

إننا أمام “مخيالين جمعيين” يعيشان وضعية تصادم مطلق في مستوى ما يُسمّيه ماكس فيبر بـ “رؤية العالم”، وهو ما لم تستطع مفردات “الديمقراطية” وموازين القوى “الهشّة” في المرحلة “الانتقالية” أن تبطل مفاعيله الخطرة على مستقبل المشروع المجتمعي. وما لم يتمّ التفكير في التجاوز “الجدلي” لهذه الوضعية “الثقافية” التي لا تُمثّل الأزمة السياسية إلا شكلها “الخطابي” الواعي، فإننا سنظلّ في مستوى استراتيجيات “تأجيل” الحرب الأهلية دون العمل الجدّي على استبعاد شبحها بصورة نهائية وذلك مهما كانت الكلفة النفسية والسياسية والاجتماعية التي على كل الأطراف دفعها اذا ما أرادوا حقا أن يكون لنا “نموذج تونسي” للانتقال الديمقراطي. إنه “مشروع” انتقال ديمقراطي-مواطني، مشروع لن يكون في جوهره وفي محصوله النهائي إلا تجاوزا جدليا تركيبيا لوضعية التقابل بين مخيالين جماعيين ونظامين معرفيين وزمنيين ثقافيين يجعلان من بلادنا “أكثر من جماعة ثقافية وأقلّ من دولة مواطنية”.

“عربي21”

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد