الثلاثاء ، 28 فبراير 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / المشروع الوطني قتله الإرهاب و الإعلام..

المشروع الوطني قتله الإرهاب و الإعلام..

الحبيب بوعجيلة

الارهاب التكفيري الظلامي الذي أعاق الانتقال السياسي السلس بعد الثورة يرتبط دون شك بعوامل فكرية تتعلق بوضعية الفكر الديني والتصحر الثقافي الذين يحتاجان اصلاحا جذريا يستعيد الأبعاد النيرة والتقدمية في ديننا الحنيف ويمنح الابداع الثقافي مضامينا وطنية تُحصن الأجيال من التفاهة والفراغ والميوعة التي تنتهي بهم الى التطرف حين تُفكر ذات صحوة في البحث عن المعنى.

تحتاج ايضا مواجهة هذا الارهاب الى توافقات واسعة على مشروع تربوي وطني رائد يُحسن توظيف طاقات الخلق والابداع لدى أبنائنا ويمنحهم احساسا بالأفق والأمل الاجتماعي ويعبئهم في معارك بناء وطني واحساس بالانتماء الى شعب وأمة نؤسس من أجلها ولا نهدم ونحيي ولا نقتل.

من المؤكد أيضا أن مقاومة الفساد واستئصال جذوره مدخل آخر لمحاصرة أحد منابع الارهاب ومموليه حين يصبح هذا الارهاب كما يتأكد باستمرار ذراعا خفية وموضوعية لكل القوى واللوبيات التي يخيفها الانتقال السياسي من دولة الزبونية ومراكز القوى الى دولة الشفافية والمواطنة والمشروع التنموي المنتج والعادل بعيدا عن اقتصاديات الالحاق والتهميش وتفقير الطبقات والجهات والوكالة المافيوزية.

هذه الرؤية الاصلاحية المُركبة لاستراتيجية المواجهة الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية تحتاج طبقة سياسية عميقة النظرة.. وطنية التوجه.. تشاركية التفكير… طبقة سياسية تقطع مع الاحتراب والانتهازية وتربط بين الأخلاق والسياسة وتقدم نفسها للناس ببدائل وطنية ورموز لا يأتيها “الفساد” من بين أيديها ولا من خلفها والأهم من ذلك أن تكون طبقة مُحصنة من كل اختراق أجنبي أو ارتباط بمحاور معادية للشعوب ومتآمرة على الاوطان.

الواجهة والمخبر الذين تُعرض وتُصنع فيهما بضاعة المشاريع الوطنية والعقول والآراء والرموز الحاملة لهذا المشروع هي الإعلام وكُلما كان هذا القطاع معنيا برقي الخطاب وطبيعة الاشكاليات التي يُثيرها ونوعية الرموز و”الأيقونات” التي يفرضها على الناس كان مساهما في الانتقال السياسي السليم ومقاومة الارهاب والفساد والاستبداد.

يجب أن يعترف العديد من الاعلاميين الصادقين المكبوتة أصواتهم أو العاجزة عن التغيير أو المنساقين في الموجة تحت حكم “الخبزة المرة” أن الاعلام التونسي وبعد أن تخلص بعد الثورة من “تعليمات” مركز واحد في السلطة أصبح الآن نهبا للوبيات الفساد وبقايا الاستبداد وعصابات الداخل والخارج وأنه أصبح مجالا لإنتاج الضحالة والفتنة والميوعة الاخلاقية والفكرية وأنه كان سببا رئيسيا في خراب الساحة السياسية والثقافية وتفاقم الكراهية وغياب المشاريع.

ان هذا الاعلام لم ينتج على امتداد سنوات الثورة غير النفخ في التفاهات ونيران المواجهات وتحويل “الديمقراطية” الى فوضى هدامة كما خطط لها الرعاة الدوليين ممن استولوا على “الثورات” واخترقوا زعاماتها وأحزابها وجمعياتها واعلامها حتى تصبح بين خياري الانهزام أمام الارهاب أو الخضوع لاملاءات المستعمرين الجدد.

سيظل العار يلاحق كبار الفاعلين في ساحة اعلامية تونسية يعود لها “الفضل” في تعميم مزاج الاحباط والانهيار وكره الفعل والتغيير الذي أصاب التونسيين. سيظل العار يلاحق كبار الفاعلين في ساحة اعلامية يعود لها “الفضل” في صنع ساحة سياسية رديئة بخطابها ونقاشاتها وقياداتها حتى أصبحت الخيارات أمام التونسيين لا تتجاوز الاختيار بين “طاعون”بقايا القديمة و”كوليرا” كوادر الجديدة المخترقة أو الانكسار تحت سيف ارهاب أعمى يحاصر البلاد من الخلف واستعمار يحضنها من قدام.

الاستثناءات الجميلة في هذا الاعلام نادرة تكاد لا تُذكر ولذلك عممتُ وتجنبتُ العبارة السمجة المتحذلقة “باستثناء بعض الاعلاميين الشرفاء”… فهُم بعض بلا تأثير…

شاهد أيضاً

لمـــاذا أنت مؤلم أيّها الوطـن ؟

منجي باكير أحببْناك يــا وطن، صُنّاك وبدماء الأجداد رويناك. أحببنا سهولك وجبالك وكذا تراب صحرائك. ...

اترك رد