الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / طريقة تعاطي السلطات التونسيّة مع اغتيال المهندس محمّد الزواري: فشل أم تهميش ؟؟؟

طريقة تعاطي السلطات التونسيّة مع اغتيال المهندس محمّد الزواري: فشل أم تهميش ؟؟؟

عبد اللّطيف درباله

لا شكّ أنّه ومنذ الساعات الأولى لاغتيال المهندس محمد الزواري كان الأمن التونسي يدرك ويعرف جيّدا بأنّ الاغتيال كان على الأرجح من جهاز الاستخبارات الاسرائيلي..
وبرغم ذلك وقع فتح التحقيق على أساس أنّها جريمة حق عام وقتل عادية.. وتمّ تكليف قاضي التحقيق بصفاقس بالموضوع.. والذي أصدر إنابة عدليّة بتكليف الفرقة المركزيّة لمقاومة الإجرام بالعاصمة للبحث الأمني..
يعني اغتيال بالرصاص..
وباستعمال كواتم الصوت..
وبتصويب دقيق للرصاص في أماكن قاتله بالرأس والقلب..
في وضح النهار..
بجهة معمورة وسط مدينة صفاقس..
وباستعمال عدّة سيّارات مستأجرة..
وفرار القتلة بطريقة منظّمة وآمنة..
وترك الهواتف والمسدّسات وكواتم الصوت بالسيارات بعد رشّها بمواد خاصة لإخفاء البصمات..
وبالرغم من كلّ ذلك لا يقع اعتبار الجريمة إرهابيّة أو فيها شبهة الإرهاب..!!

ثم من هو الضحيّة وهدف الاغتيال؟؟
ربّما لم تكن عامّة الناس في تونس تعرف “محمّد الزواري” سابقا.. لكن الأمن التونسي لا شكّ يعرفه جيّدا..
فالرجل له ملفّ في أمن الدولة باعتباره منتميا سابقا لحركة الاتجاه الإسلامي والنهضة.. وقد أوقف وحوكم سنة 1991.. وسجن.. ثمّ غادر تونس في وقت لاحق هاربا من المطاردة البوليسيّة والقمع.. وتعرّضت عائلته للهرسلة والمضايقات.. وتعرض شقيقه للتعذيب من الأمن من أجل الإقرار بمكانه أو استدراجه للرجوع..

بعدها استقرّ محمد الزواري في سوريا وتزوّج امرأة سوريّة..
وعاش بسوريا طوال بقيّة عهد بن عليّ حتى الثورة..
والجميع يعلم بأنّه في سوريا كانت هناك جالية تونسية هامّة من حيث العدد.. ونسبة كبيرة فيها من الطلبة.. وأغلبهم معارضين هاربين من النظام ومن محرقة التسعينات.. إضافة إلى عدد من الإسلاميين والمنتمين لحركة النهضة الهاربين من تونس.. ونسبة منهم جاءت من بلدان مهجر أخرى خاصة من السودان.. لذلك كان نظام بن علي يحرص على إرسال عملائه الأمنيين وسط الطلبة ووسط الجالية التونسية بسوريا لمعرفة أحوالهم وما يفعلونه وأي نشاط محتمل لهم ضدّ نظام بن علي أو إمكانية استقطابهم وتجنيدهم من حزب البعث والنظام السوري أو من جهات أخرى..
لذلك فإنّ الأكيد أنّ محمد الزواري كان تحت الرقابة الأمنية التونسية في سوريا نفسها حتّى سنة 2011..
وإذا ما صحّ أنّه انضمّ للمقاومة الفلسطينيّة وكتائب “عز الدين القسام” الجناح العسكري المسلح لحركة المقاومة الإسلامية بفلسطين “حماس”.. منذ عشر سنوات أي في سنة 2006.. فمعنى ذلك أنّ هناك احتمال قويّ بأن يكون الأمن التونسي في الخمس سنوات الأخيرة من حكم بن علي.. قد رصد تقاربا أو اتّصالا بين التونسي محمد الزواري وبين المقاومة الفلسطينيّة..
وإن لم تتمكن أجهزة الأمن والاستخبارات التونسية من رصد علاقات محمد الزواري بالمقاومة الفلسطينية.. فإنّه من الممكن أن يكون قد بلغها ذلك من مصادر استخباراتية أخرى في الشرق الأوسط في نطاق “التعاون الأمني والاستخباراتي” بين تونس ودول عديدة.. بما في ذلك السلطة الفلسطينية التي تعادي حماس وتعتبر سيطرتها على غزّة إنقلابا..
ومع ذلك تبقى فرضية أن يكون محمد الزواري نجح في إبقاء علاقته بالمقاومة الفلسطينيّة سرّا واردة ومعقولة..

بعد الثورة وسقوط نظام بن علي سنة 2011 عاد محمد الزواري إلى تونس واستفاد من العفو التشريعي العام كالكثيرين غيره..
والتحق المهندس الزواري بالجامعة التونسيّة وأصبح أستاذا بالمدرسة العليا للمهندسين بصفاقس.. وأنشأ ناديا للطيران وصناعة الطائرات الصغيرة بدون طيار أصبحت مجموعة من الشباب والطلبة ترتاده وتتعلّم فيه علوم صناعة ذلك النوع من الطائرات.. وكانوا يصنعون النماذج والطائرات ويقومون بتجربتها وتطييرها..
ولا نعتقد أنّ ناديا ينشط في صناعة وتجربة وتحليق الطائرات بدون طيار وسط مدينة صفاقس على مرأى من الجميع.. لم يلفت انتباه الأمن التونسي ويجعله يقوم بالتحري في حقيقة نشاطه ونوعية المنتمين له.. خاصة مع تصاعد التهديدات الإرهابية وإمكانية أن يقع استعمال تلك الطائرات في عمل إرهابي أو تفجير أو تجسس.. وهو الخطر بالتأكيد الذي دفع السلطات والأمن التونسية إلى حظر طيران واستعمال طائرات “الدرون” الصغيرة..

مع تنامي خطر الحركات الإسلامية والجهادية والجماعات الإرهابية وتصاعد مخاطر الإرهاب وداعش.. وتبعات الحرب السورية والليبية على تونس وانضمام عدد كبير من الشبان للقتال في البلدين وغيرهما.. فيفترض أن منتميا قديما للحركات الإسلامية.. وشخصا يتردد باستمرار على تركيا وسوريا وأحيانا لبنان كان سيثير الانتباه ويدعو الأمن لمزيد التحري في شأنه.. خاصة وأن الزواري رجع من سوريا بعد الثورة بزوجة سورية منقبة.. والجميع يعرف حساسية الأمن من أصحاب اللحي والجلابيب والنقاب.. خاصة في الفترة التي تصاعد فيها الإرهاب المنسوب إلى جماعات مقاتلة منها داعش.. والتي أغلبها ترتبط بسوريا أو ليبيا بطريقة أو بأخرى..
كما اتضح أن زوجة الزواري السورية تقدمت بمطالب للإقامة الدائمة بتونس دون أن تقع موافقتها.. ومن المعلوم أن النظر في رخص الإقامة للأجانب تستلزم القيام بتحريات أمنية وأحيانا استخباراتية في شأنهم وفي شأن انتماءاتهم وروابطهم العائلية والمهنية وتوجهاتهم الفكرية والسياسية عموما.. وهو ما يعني أن محمد الزواري وجد نفسه على الأقل مرة أخرى محل بحث وتحري أمني ولو من باب زوجته السورية..

وبتأكيد وزير الداخلية التونسي يوم الاثنين 19 ديسمبر 2016 في ندوته الصحفية أن وزارة الداخلية لم تكن تعرف عن محمد الزواري إلا أنه كان يعيش بسوريا هربا من تونس في عهد بن علي.. وأنه كان محكوما غيابيا في عدة قضايا سابقا ثم نال العفو التشريعي العام بعد الثورة.. وأنه لم يبد أي نشاطا سياسيا مميزا خلال السنوات الماضية يجعلنا نتساءل هل أنّ الأمن التونسي كان غافلا لهذه الدرجة عن محمد الزواري..؟؟
ويكون بذلك قد فشل فشلا ذريعا في هذه الحالة..
أم أنّ وزير الداخلية يخفي الحقائق وإجابته كانت مغلوطة؟؟
أم أن مصالح الاستعلامات والجهاز الأمني قد تكون أخفت حقائق عن وزير الداخلية؟؟
أم أنّ الأمن التونسي كان عالما بحقيقة ارتباطات محمد الزواري أو على الأقل كان يشكّ في غموض بعض نشاطه وعلاقاته خارج تونس ولكنه تصرّف مع ذلك وكأنّه لا يعلم.. رغم افتراض أن يخمّن الأمن التونسي في هذه الحالة إذا ما كان عالما بطبيعة انتماءاته ونشاطه في المقاومة الفلسطينية بأنّ المهندس محمد الزواري قد يكون عرضة لعمل انتقامي أو إرهابي او حتى مجرد تصفية حسابات أو صراعات.. ولكنه ترك الرجل يواجه مصيره بمفرده؟؟
هذه مجرد فرضيات واحتمالات يفرضها الواقع.

عودة للتحقيق القضائي والبحث الأمني.. فإنّ كلّ المعطيات والدلائل والمؤشّرات كانت تدلّ كما قلنا على أنّ الجريمة ليست جريمة قتل عاديّة.. فمع العناصر التي توفرت والسابق الإشارة إليها.. يكفي ساعة بعد اكتشاف جثة الضحية محمد الزواري مرمية بالرصاص في سيارته أمام منزله.. بتلك الطريقة ومع توفر العناصر السابق الإشارة إليها.. وقراءة تاريخه وملفه الأمني.. لتشير أصابع الاتهام مباشرة إلى جهة قوية ومحترفة ومنظمة قد تكون نفذت الاغتيال.. وهي تنظيم دولي أو جهاز مخابرات أو نحوه.. وكان يفترض أن يعطي ذلك منعرجا في التحقيق أو يقع التسليم بالصبغة الإرهابيّة للقضية ويقع التخلّي عنها فورا من القضاء العدلي الجهوي العادي بصفاقس إلى قطب الإرهاب المركزي والذي يعمل من العاصمة في ما يخص كلّ الجرائم ذات الصبغة الإرهابية في الجمهورية..
لكن مرّة أخرى لم يحدث ذلك..

حتّى عندما تبين أنّ القتلة استعملوا غطاء واسعا جدا ومعقدا للتمويه على جريمتهم.. من الإيهام بتأسيس شركة استثمارية أجنبية تعمل في الدعاية والإعلام بتونس وانتداب موظفين ومتعاونين.. إلى كراء عدة سيارات والتحرك على عدة مستويات بطريقة منظمة.. تفوق قدرة الأفراد العاديين وترتقي إلى قدرة أجهزة المخابرات المحترفة والمدربة..
حتى مع ذلك فلم يقع تصنيف الجريمة بالإرهابية..

وحتّى بعد الإعلان الرسمي من طرف كتائب “عز الدين القسام” الجناح العسكري المسلح لحركة المقاومة الإسلامية بفلسطين “حماس”.. بأنّ المهندس محمد الزواري كان عضوا فيها منذ عشر سنوات كاملة أي من سنة 2006 كما يبدو.. وأنّه كان “قائدا” بتنظيم المقاومة.. وأنّه أحد أبطال ملحمة 2014 ضدّ هجوم الجيش الصهيوني على غزّة.. وأنّه كان المشرف على مشروع “طير الأبابيل” لصناعة طائرات بدون طيّار لكتائب القسام بغرض التوغّل في المجال الجوي للاحتلال الإسرائيلي.. وأنّها تتهّم الاحتلال الإسرائيلي باغتياله وستردّ على ذلك ثأرا له.. وأقامت له صوان عزاء وسط غزّة المحاصرة حضرته تشكيلات مقاتلة ومسؤولين رسميين في حماس.. حتّى بعد كلّ ذلك فإنّ السلطات التونسية لم تغيّر بوصلتها بتاتا ولم تقم باعتبار الجريمة إرهابية أو على الأقل فيها شبهة الإرهاب.. وإرهاب دولة..

بعد كل تلك الضجّة أصدرت رئاسة الحكومة يوم الأحد بيانا كتابيّا موجزا وبسيطا تقول فيها أنها ستقوم بتتبع الجناة داخل وخارج تونس طبق المواثيق الدولية وأنّ وزارة الداخلية هي التي تقوم بالأبحاث وستعلن عن تطوّرها..
واليوم الاثنين صرّح مصدر قضائي عن محاكم صفاقس صباحا بأنّ أجانب مورّطين في الجريمة دون أن يثبت ارتباطهما بأيّ دولة وأنه من السابق لأوانه أيّ استنتاج آخر..
وفي مساء الاثنين كرّر وزير الداخلية الهادي المجدوب في ندوته الصحفية نفس التصريح والمعنى تقريبا قائلا أنه وإن كانت الملابسات واعتراف حركة حماس بانتماء المهندس الزواري للمقاومة الفلسطينية.. تدلّ على أنّ جهة هي التي يمكن أن تكون مستفيدة من الجريمة (في إشارة إلى اسرائيل بدون أن يسمّيها) وأنّ جهازا يمكن أن يكون قد نفّذ العمليّة (في إشارة إلى المخابرات الإسرائيلية الموساد دون أن يسمّيها) فإنّه لا يمكن اتّهام أيّ جهة رسميّة دون دلائل واضحة وأنّ ذلك لا يتوفّر حاليا..
فهل ستتوفّر تلك الدلائل مستقبلا ؟؟؟
الأغلب على الظنّ أنّ الجواب هو “لا”..
والجواب هو لا.. لأنّ منطق السلطات التونسية الآن هو أنّها في حاجة لدليل قاطع بالمواصفات القانونيّة والقضائيّة.. وليس على مجرّد قرائن ولو كانت قويّة.. على تورّط جهاز مخابرات أجنبي أو تنظيم يتبع أيّ دولة لاتّهامها.. ولو كانت إسرائيل..!!
في حين أنّ التاريخ الطويل لعشرات الاغتيالات الإسرائيلية في مختلف بلدان العالم يثبت بأنّها تتبّع طرقا معقّدة وغاية في التمويه بحيث يستحيل تقريبا أن تصل إلى دليل قانوني وقضائي قاطع في إدانتها.
ففرق تنفيذ الاغتيالات الإسرائيلية لا يدخل أفرادها أبدا للبلدان التي تتمّ فيها الاغتيالات بجوازات سفر إسرائيليّة.. وإنّما غالبا بجوازات سفر مدلّسة لبلدان أجنبية أغلبها غربيّة..
وفي آخر اغتيال معروف للموساد وهو اغتيال القائد أيضا في كتائب القسّام محمود المبحوح والذي تمّ بدبي سنة 2010.. قدّم أمن دبي كلّ المعلومات عن منفّذي الهجوم.. من ذلك صورهم وتسجيلات الفيديو الخاصّة بهم من دخول مطار دبي إلى الفندق الذي تمّ فيه قتل المبحوح.. مع الهويات ومعلومات جميع جوازات السفر التي دخلوا بها.. لكن اتّضح بأنّ المنفذين تعمّدوا التنكّر.. وبالتالي فالصور والفيديوهات لا تكشف مع ذلك وجوههم الحقيقيّة.. ثمّ أنّ جميع جوازات السفر التي دخلوا بها هي مدلّسة… والتدليس فيها كان على نوعين.. بعض الجوازات كانت مدلّسة مطلقا أي صنعوا جوازات من بلدان مختلفة وأسماء لا وجود لها إطلاقا في الواقع.. والنوع الثاني دلّسوا فيه جوازات باستعمال أسماء أشخاص حقيقيّين في بعض البلدان منها الأوروبيّة.. وطبعا مواطنو تلك البلدان لم يكونوا على علم تماما بالأمر وسلطاتهم لم تصدر أبدا جوازات سفرهم المستعملة في دخول دبي..

في تونس فإنّ الشكوك الآن بحسب الأبحاث الأولية المعلن عنها من وزير الداخلية بأنّ هناك شخصين أجنبيّين هما من نفّذا الاغتيال بصفاقس وأن أحدهما جنسيته بلجيكيّة والآخر جنسيته سويسريّة.. وقالوا أنّهم حدّدوا هويّتهما بدقّة..
الأرجح أن تكون تلك الهويّة مدلّسة بدورها.. وأن تجيب بلجيكيا وسويسرا السلطات التونسية في نطاق التعاون الأمني والقضائي بأنّه لا وجود لمواطنين بتلك الهوية أصلا وأنّ تلك الجوازات مدلّسة لأشخاص لا وجود لهم.. أو أن يكون هناك مواطنون بنفس الهويّة فعلا لكنّهم يختلفون في الواقع عن مرتكبي الاغتيال وأنّ جوازات السفر المستعملة في تونس بالتالي مدلّسة.
فإذا ما وقف التحقيق عند هذا الحدّ.. وهي فرضيّة واردة جدّا.. فهل ستعتبر السلطات التونسية أنّه لا دليل على تورّط جهاز مخابرات أو دولة أجنبية.. لا الموساد الإسرائيلي ولا غيره.. في جريمة الاغتيال ويستحيل عليها اتّهام أيّ جهة رسميّا؟؟؟
فهل تعوّل السلطات التونسية على عدم الوصول إلى القتلة الحقيقييّن وعدم القبض عليهم (وهي على قناعة من ذلك تماما) لقطع خيط الاستنتاجات والقول أنّه لا يمكن اتّهام إسرائيل قضائيّا ولا رسميّا ولا حتّى سياسيّا باعتبار عدم وجود أدلّة على ذلك.. وهكذا تفلت تونس من إحراج الوقوف مع حماس المصنّفة إرهابيّة من أمريكا والدول الغربيّة ضدّ إسرائيل أقرب صديق لحلفائها ومسانديها في الحكم ومموّليها الرئيسيّين؟؟؟

على هذا الأساس وباعتماد هذا المبدأ المعلن عنه من السلطات التونسيّة فمن المرجّح أن لا تقوم تونس بتوجيه أيّ اتّهام رسمي للكيان الصهيوني بالمسؤوليّة عن اغتيال المهندس محمد الزواري في صفاقس.

أثناء كلّ ذلك.. وطوال الأيّام الماضية.. لم تتوانى وسائل الإعلام ومجموعة من الإعلاميّين الموالين للسلطة عن محاولات متكرّرة ومكثّفة وممزوجة لتهميش الجريمة.. والتقليل من شأنها.. والتقليل من قيمة المهندس محمد الزواري.. والتهوين من حقيقة قدراته العلميّة.. والتشكيك في انتمائه لكتائب القسام.. أو اتّهام تلك الكتائب وحركة المقاومة حماس التي تتبعها بالإرهاب.. وكلّ ذلك من أجل التقليل من شأن الجريمة وإبعاد شبهة الإرهاب عنها أو أيّ حديث عن تورّط دولة أجنبيّة فيها بما في ذلك إسرائيل..
في المقابل فإنّ الإعلام الإسرائيلي وخاصّة القناة العاشرة للتلفزيون الصهيوني المعروفة بقربها من أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية حضر مراسلها إلى تونس وبثّ تغطية إخبارية مصوّرة مستفيضة ومحترفة ابتدأت من مطار تونس قرطاج الدولي وانتهت في منزل المهندس التونسي الواقع اغتياله في صفاقس.. مع المرور ببثّ مباشر باللغة العبرية في وضح النهار من الرصيف المقابل لمقرّ وزارة الداخليّة بقلب العاصمة صباحا..
فما الذي يجعل إسرائيل تهتمّ ببثّ تغطية إخبارية من قلب تونس ويقوم مراسلها المعروف بمجازفة خطيرة لولا ارتباطها بجريمة الاغتيال في بلادنا بشكل أو بآخر..؟؟

يوم أمس الاثنين فقط.. وبعد خمسة أيّام من التردّد والتسويف والمماطلة.. قرّر قاضي التحقيق التخلّي عن القضيّة لقطب الإرهاب بتونس العاصمة.. وكأنّه اكتشف جديدا لم يكن متاحا منذ البداية..
وعشيّة نفس اليوم عقد وزير الداخليّة ندوة صحفيّة دامت حوالي 455 دقيقة قدّم فيها الوزير معلومات اقلّ حتّى من التي صار عموم الشعب التونسي يعرفها من التسريبات الصحفيّة السابقة عن البحث والتحقيق.
وفي يوم الثلاثاء 200 ديسمبر قابل رئيس الحكومة يوسف الشاهد رئيس الجمهوريّة بقصر قرطاج ليطلعه على آخر المستجدّات في البحث بحسب البلاغ الرسمي للرئاسة.. وقد أدلى الشاهد بعد المقابلة بتصريح مقتضب قال فيه: “مناش باش نسلّمو في حق الشهيد وفي حق تونس”.. مستعملا بذلك لأوّل مرّة وصف “الشهيد” بعد أن كان سابقا يقول “المرحوم محمد الزواري”..

__________

وتبقى الأسئلة:
• كيف دخل منفّذو الاغتيال إلى تونس وكيف هربوا بعد العمليّة.. جوّا أم برّا أم بحرا؟؟
• لماذا ترك منفّذو الاغتيال المسدّسات وكواتم الصوت والهواتف الجوّالة التي استعملوها ظاهرة بالسيّارة المؤجّرة التي استغنوا عنها ورموها بالشارع والحال أنّه كان يمكنهم بسهولة دفنها تحت التراب أو إخفائها أو رميها في أماكن غير ظاهرة؟
• هل كانت السلط التونسية وأجهزة أمنها واستخباراتها تعرف أو لديها شبهات وشكوك حول الأنشطة السريّة والارتباطات الخفيّة للمهندس محمد الزواري؟
• لماذا تعمّدت السلط التونسيّة عدم تصنيف جريمة الاغتيال بالإرهابيّة رغم توفّر كلّ دلائل ذلك منذ الدقائق والساعات الأولى؟
• هل كانت السلط التونسيّة ووزارة الداخليّة صادقة في إنكار علمها وبيان جهلها بنشاط وارتباطات محمد الزواري رغم أنّ الجهل يخفي فشلا أمنيّا؟
• هل ساهم التراخي في تصنيف الجريمة بالإرهابيّة وتسخير إمكانيّات أكبر للبحث والتحقيق منذ الدقائق الأولى في توفير الوقت وتسهيل إفلات وهروب المنفّذين الفعليّين من تونس؟
• هل ستحرص السلط التونسيّة على التعامل والتعاون مع حركة حماس وحكومتها لتطوير البحث وإثرائه باعتبار أنّ الجريمة قد تكون مرتبطة بنشاط المهندس الزواري في المقاومة؟
• لماذا تهاونت السلط التونسيّة في التعامل والتفاعل مع نوعيّة الجريمة وما يحيط بها من شبهات على خلفيّة نشاط الضحيّة الزواري في المقاومة الفلسطينيّة واتّجاه الشكوك بالضرورة نحو إسرائيل.. وتعاملت مع الحادثة ببرود وبطأ طيلة الأيّام الأولى إلى أن تصاعد الضغط الشعبي والسياسي ضدّها؟؟
• هل كانت السلط التونسيّة والحكومة تحاول تهميش القضيّة وقبرها قصدا وتعمّد إظهارها كقضيّة قتل عاديّة وذلك لعلاقتها الظاهرة بإسرائيل وما سيشكّله ذلك من إحراج أمني وسياسي وإعلامي وشعبي لها.. ولكنّ إعلان حماس بانتماء المهندس الزواري للمقاومة واتّهام إسرائيل باغتياله وتصاعد المؤشّرات على ذلك أفشل سيناريو الحكومة وأحرجها واضطرّها للتراجع وتغيير خطّتها؟؟
• هل تعوّل السلطات التونسية على عدم الوصول إلى القتلة الحقيقييّن وعدم القبض عليهم (وهي على قناعة من ذلك تماما) لحصر التهمة في بعض الأسماء لأشخاص دخلوا تونس بجوازات سفر أجنبيّة لدول أوروبيّة هي على الأرجح مزيّفة وذلك لقطع خيط الاستنتاجات والقول بانّه لا يمكن اتّهام إسرائيل قضائيّا ولا رسميّا ولا سياسيّا باعتبار عدم وجود أدلّة على ذلك وبذلك تفلت تونس من إحراج الوقوف مع حماس المصنّفة إرهابيّة من أمريكا والدول الغربيّة ضدّ إسرائيل أقرب صديق لحلفائها ومسانديها في الحكم ومموّليها الرئيسيّين؟؟؟
• هل يوجد تساهل أو لامبالاة أو تواطئ أو علم مسبق وسكوت من الدولة على المستوى العامّ أو من عناصر بالأمن مع الجهة الأجنبيّة التي كانت وراء الاغتيال.. كما تأكّد حصوله مثلا في الغارة الجويّة على حمّام الشطّ وفي اغتيال أبو جهاد بسيدي بوسعيد؟؟؟

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد