الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / التأمين في تونس: مناصب شغل “انتحارية”

التأمين في تونس: مناصب شغل “انتحارية”

حليم الجريري

حوادث الشغل قد تغيّر مسار حياتنا إلى الأفضل؛ وأحيانًا كثيرة إلى الأسوأ، فلويس إڤناسيو لولا دا سيلفا رئيس البرازيل السابق، تعرّض لإصابة في ورشة كان يعمل بها صغيرًا أدّت إلى قطع خنصره، لكن الإصابة بعثت فيه روح الإرادة للانتماء إلى نقابة عمّاليّة برازيليّة، تصدّر منصب زعامتها فيما بعد، ليترشّح انطلاقًا منها لرئاسة البرازيل ويفوز سنة 2002.

لولا دا سيلفا، حكم بلادًا وخُلّد اسمُهُ بسبب حادث شغل تعرّض له في عزّ شبابه، بعث فيه روح النضال والدفاع عن حقوق العمّال، بعد أن عرف معنى أن يُهضَم حقّ عاملٍ بسيطٍ في بلاده لأنّه لا يملك وليًّا ولا نصيرًا.

تجربة دا سيلفا، لا يمكن أن تتكرّر مع كثير من الشباب وخاصة في تونس، إذ أن كثيرًا منهم خسروا كلّ شيء ولم يجنوا من تحت إصاباتهم محصولًا يُذكَر. هنا، يروي أنيس نصرلّي (32 سنة)، قصّة لأحد أقربائه، كان يشتغل بمعمل للإسمنت تعرّض للغلق ووجد نفسه في الشارع، فاضطر للعمل كـ “شيّاش” في المقاهي، وهذه المهنة، هي إعداد الأرجيلة للمدخنين، مضيفًا أنه في أحد الأيّام سقط مغشيًا عليه، وتمّ نقله إلى المشفى حيث اكتشف الطبيب أنه مُصابٌ بتضخم في القلب بسبب تدخينه المتواصل للأرجيلة، وأمره بعدم العودة إلى هذا العمل بتاتًا.

يستطرد نصرلي: “عاد ابن خالتي إلى البطالة في مناسبات عدّة، حتى استقرّ به الأمر إلى العودة إلى المقهى نفسه، فقد كان أجره مرتفعًا نسبيّا نظرًا لخطورته، وبعد أشهر قليلة سقط أرضًا وقد ظنّ الناس أنه مغمىً عليه مثل المرّة الأولى، لكن تبيّن أنّه توفّي في عين المكان، وقد أصيب قلبه هذه المرّة بنزيف حادّ، رحمه الله”.

عانت أرملة ابن خالتي وابنتها كثيرًا من الفقر، وظلّتا تقتاتان على إعانات الناس وإعانات عائلتها التي تعاني من ضيق ذات اليد أيضًا، ولكن الصندوق الوطني للتأمين على المرض، لم يوفّر لهما سوى 150 دينارًا كأجرة شهرية مدى الحياة، يتساءل المتحدث: أتعلم ما تستطيع 150 دينارًا تونسيًا توفيره للاثنتين؟ لا شيء تقريبًا.

قوانين توضع في تونس في كلّ مناسبة تعتني بأوضاع العاملين، وتبحث في سبل الإحاطة الاجتماعية بهم وتعويضهم عن الإصابات التي قد يتعرّضون لها، لكن هذا لا يسدّ النقائص التي تلحق ببعض العمّال أحيانًا.

إلى هذا ورغم عديد الآليات التي تُنتَهَجُ في سبيل الحفاظ على حقّ العامل التونسي، إلا أننا ما زلنا نرى ونسمع بقصص غريبة مثل قصّة نضال حيدري، صديق محدّثنا حُسَيْنْ بن طالب (27 سنة)، قال إنه كان قد تعرّض لإصابة مزمنة في يده تسببت له في اكتئاب دفع به إلى مغادرة البلاد نهائيًا، موضّحًا أن نضال كان ينهي تربّصه المتعلّق بدراسته الجامعية منذ ثلاث سنوات في معمل كبير للألمنيوم، عندما ثُقبت راحة يده آلة حادّة وتسببت في تمزيق شرايينه وإحداث نزيف قوي فيها على حدّ تعبيره.

حُمل المصاب إلى المستشفى وأعيد ربط شرايين يده ببعضها ومعالجة الجرح الغائر، إلّا أنّه لم يعد بإمكانه غلق قبضة يده، كما أنّه بات يعاني من آلام حادة، وكان مجبرًا على تعليق ذراعه دائمًا إلى عنقه، وإلا فإن الأوجاع لن تبرحه. ويردف صديقه: “نضال وجد نفسه وحيدًا في زحام المنظمات الشغيلة والمحاكم والمحامين، لأنّ الشركة التي استقبلته ليجريَ تربّصه بها، تنصّلت من أيّ مسؤوليّة ورفضت تبنيه كعامل معها، ولم يستطع الصندوق الوطني للتأمين على المرض القيام بأي إجراء تعويضيّ له، ما دفعه إلى رفع شكوى إلى المحكمة الإداريّة التي لم تصدر حكمًا بشأنه حتى الآن”.

انتقل نضال إلى كندا في زيارة سياحيّة عملًا بتوصية طبيبه النفساني، لكنه قرّر في أن يستقرّ هناك، وفي آخر اتصال بينه وبين حسين، أخبره أنه لن يعود إلى تونس حتى في المناسبات والأعياد، “فالذي يُصاب بجرح في يده هنا في كندا، تأتي المروحيّات لحمله دون أن يدفع دولارًا واحدًا”.

قمنا بزيارة رفيق الدخلي، مدير مصلحة حوادث الشغل بمكتبه في المقرّ الرسمي للصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM)، لسؤاله عن الخدمات التي تقدّمها مؤسّسته لمن تعرّضوا لحوادث شغل، وأخبرنا أنه في الحالات العاديّة التي تصلهم، يقوم العامل بتصريح ذاتي إذا رفض مؤجّره الاعتراف به، موضّحًا أن توجد إدارة مركزيّة للتصرّف في الأخطار المهنيّة متكوّنة من إدارتين: إدارة تقوم بالإحاطة بالمؤسّسات من أجل الوقاية من حوادث الشغل، وإدارة التعويض التي تتولى التعويض المادي عن كلّ الحوادث والتي تمنح على إثر ذلك المصابين كامل حقوقهم. مشيرًا إلى أنه بمجرّد إثبات أنّ المتضرّر كان يعمل أثناء الحادث أو أنّه غادر بعد العمل أو كان متوجّهًا إليه فإنّه يحصل على كامل حقوقه على حدّ قوله.

جابهنا رفيق الدخلي بحالتي نضال وابن خالة أنيس، فقال إنّ صاحبَي هاتين الحالتين، لم يأخذا حقوقهما لجهلهما بالقانون أو لجهل مؤجّريهما به، وأنّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض اعترف بما بين (40100 إلى 46391) حادث شغل في الثلاث سنوات التي مضت، وأنّه لا مشكل للصندوق في ذلك إذا ما توفّرت الصّيغ القانونيّة الكاملة لهذه الحوادث، يضيف المتحدث.

شاهد أيضاً

تونس ما بعد ثورتها: هل كان ممكنا أحسن مما هو كائن؟ (1)

نور الدين الختروشي (الجزء الاول) “إذا أردنا أن نختصر التجربة في جملة واحدة فإننا نقول ...

اترك رد