الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / خالد العياري عملاقا في نظر المستبدين قزما في نظر الديمقراطيين !

خالد العياري عملاقا في نظر المستبدين قزما في نظر الديمقراطيين !

طارق العبيدي

المجلس الأعلى للقضاء : خالد العياري عملاقا في نظر المستبدين قزما في نظر الديمقراطيين !

استمعت بانتباه كبير للتصريحات التي ادلى بها البارحة 30 نوفمبر 2016 على امواج إذاعة موزاييك ف م رئيس الهيئة الوقتية للقضاء العدلي القاضي خالد العياري، وهو يغادر القضاء الى التقاعد. وبحكم ان اكبر واهم موضوع مطروح على الساحة القضائية في قادم الأيام هو موضوع انعقاد الجلسة الاولى للمجلس الأعلى للقضاء فقد كنت من بداية حديثه الى آخر كلمة لفظها متشوقا الى الوقوف على المعدن الحقيقي لهذا الرجل كقاض قيل فيه وعنه الكثير منذ ان تولى رئاسة محكمة التعقيب كأسمى وظيفة في القضاء التونسي أتاحت له رئاسة الهيئة الوقتية للقضاء العدلي ورئاسة هيئة مراقبة دستورية القوانين.

كل ما خرجت به من هذا التصريح الذي ادلى به وهو يغادر القضاء الى التقاعد انه كان يطمح بشدة الى التمديد وانه كرس المدة الاخيرة من عمل هيئة القضاء العدلي لترتيب ترشيح اسماء الوظائف العليا للقضاء بمنحى إقصائي مفضوح لا يليق بكبار القضاء، واستنتجت من حديثه انه قاض غير ديمقراطي لانه استهان بارادة الناخبين ورفض دعوة المجلس الأعلى للقضاء -وهو سلطة قضائية منتخبة- إلى الانعقاد بمرجعية فكرة الوصاية عليه. فقد كرر عديد المرات أن صلاحية الدعوة لانعقاد هذا المجلس هي صلاحية اصلية من اختصاصه لوحده ومع ذلك رفض دعوته للانعقاد، وكأنه يرى نفسه وهو المعين وقتيا أعلى من هذا البرلمان القضائي المنتخب ديمقراطيا من آلاف مؤلفة من القضاة والمحامين والأساتذة الجامعيين المختصين في القانون والخبراء المحاسبين وعدول التنفيذ.

إذن، غادر القاضي خالد العياري دون ان يدعو المجلس الأعلى للقضاء للانعقاد، غادر وآخر كلماته التي قالها للشعب التونسي انا ربكم الأعلى الذي كان عليكم ان تعبدون، ولأنكم كفرتم بي وباوليائي الصالحين الذين رشحتهم للوظائف القضائية العليا فقد انزلت عليكم وعلى مجلسكم الأعلى للقضاء أشد العقاب كي لا تهنؤوا بالديمقراطية وتعتبروا من كفركم بآلهة القضاء.

لقد اختار ان يغادرنا صغيرا من نافذة الوصاية على المجلس الأعلى للقضاء وكان بامكانه ان يغادرنا كبيرا من باب الدعوة لانعقاد المجلس الأعلى للقضاء !… انه خياره الذي له الحق فيه وهذه كلمتنا التي من حقنا قولها فيه : انت كبيرا في نظر حاملي أفكار الوصاية على المجلس الأعلى للقضاء، وقزما في نظر حاملي فكرة الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء هي سيدة نفسها في كل صلاحياتها وأهمها على الإطلاق التسميات في الوظائف العليا للقضاء وفي عضوية المحكمة الدستورية !… لكل إنسان الحق في اختيار مصيره وقد اختار خالد العياري مصيره على هواه !… ويا له من مصير !

اذا كان الترشيح للوظائف القضائية العليا بنص دستور الحرية والكرامة من صلاحيات الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء، فإنها فرعه الذي يجب أن يولد من رحمه ليأثث بها كماله الشكلي، ولا يمكن للفرع مثل الرئيس الأول لمحكمة التعقيب وغيره من الوظائف العليا أن تعلو على الأصل وتصبح اصلا بدله او اصلا له، مثلما لا يمكن للمولود ان يكون مولودا شرعيا من غير والده الشرعي. لا يمكن لشخص ديمقراطي ان يقبل لنفسه ممارسة صلاحية من صلاحيات سلطة أعلى منه درجة ولها عليه رقابة… فقط المستبد هو الذي يفعل ذلك !

شرف الدعوى لانعقاد المجلس الأعلى للقضاء الذي رميت به عرض الحائط وهو شرف عظيم في نظر الديمقراطيين المقدسين لإرادة الناخبين لو تعلم لن يعطل انعقاد المجلس الأعلى للقضاء مثلما أردت أن تقنعنا في خطابك الأخير وأنت تغادر صرح الكبار. المجلس الأعلى للقضاء صاحب السلطة القضائية الدستورية المنتخبة هو ثالث ركن من أركان الدولة الديمقراطية، لا يستمد شرعيته منك مهما علت وظيفتك السامية وإنما من دستور الحرية والكرامة أسمى تعبيرا عن إرادة الشعب التونسي. هذا البرلمان القضائي سينعقد مستقلا ولو بدعوة أعضائه وسيمارس صلاحياته كاملة وأولها وأهمها على الإطلاق استكمال بنائه الشكلي عبر فتح باب الترشح لجميع الوظائف القضائية العليا !… لماذا ؟ لان جميع هذه الوظائف القضائية العليا اذا لم يجدد الترشح إليها حال انعقاده وبقيت على حالها القديم تصيره مجلسا غير مستكمل لشرعيته التي لا يمكن له بدونها الانتقال الى ممارسة صلاحيته الجوهرية الأخرى، وهي تسمية أعضاء المحكمة الدستورية وإعداد مشاريع الإصلاحات القضائية وغيرها من مهام تسيير القضاء التي وجد من اجلها.

كان على القاضي خالد العياري أن يفكر بمرجعية قواعد ونواميس الدولة الديمقراطية الجديدة التي اُسس لها الشعب بعد مخاض عسير في دستور الحرية والكرامة !… ولكنه للأسف الشديد لم يستطع التخلص من التفكير بمرجعية الدولة المستبدة القديمة !… يجب ان يكون الفكر المرجعي لرجال ونساء قضائنا في بناء السلطة القضائية الجديدة في طقوس ونواميس الديمقراطية حتى ولو أفرزت خصما سياسيا !… انه المعيار الوحيد للكبار ودونه للصغار مهما كانت خرافات التنظير السياسي !

رجل قانون

%d8%ae%d8%a7%d9%84%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%b1%d9%8a

شاهد أيضاً

السيد رئيس الحكومة المستهلك يسمعك بـ”جيبه” المثقوب وليس بعقله

عبد السلام الزبيدي عندما يفتخر رئيس الحكومة باهتراء المقدرة الشرائية، ويعلّق خيبة السياسات على أزمة ...

اترك رد